فخ الضرائب... بريطانيا تواجه أسوأ مأزق مالي منذ 17 عاماً
استمع إلى الملخص
- وصل العجز البنيوي إلى 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي، مع تجاوز الدين العام 2.7 تريليون جنيه إسترليني، مما يضع الحكومة أمام خيارات صعبة بين رفع الضرائب أو خفض الإنفاق.
- كشفت وزيرة المالية عن خطة لتعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، مع التركيز على بيئة ضريبية مستقرة، تتضمن مقايضات بين زيادة الضرائب وخفض الإنفاق.
تواجه المملكة المتحدة واحدة من أكثر لحظاتها المالية هشاشة منذ الأزمة العالمية عام 2008، مع تزايد الدين العام وتراجع المرونة الضريبية وارتفاع كلفة التمويل إلى مستويات غير مسبوقة. فقد أظهرت بيانات مؤسسة برايس ووترهاوس كوبرز في بريطانيا أن الحكومة البريطانية اقترضت ما يزيد على 100 مليار جنيه إسترليني منذ بداية السنة المالية في إبريل/نيسان 2025، أي أعلى بـ 7 مليارات من تقديرات مكتب الموازنة البريطاني، كما كشفت البيانات أن مدفوعات فوائد الدين العام وصلت إلى 9.7 مليارات جنيه في سبتمبر/أيلول 2025، وهي أعلى قيمة شهرية على الإطلاق منذ بدء التسجيلات الرسمية، مدفوعة بارتفاع عوائد السندات وتكاليف الاقتراض.
ويأتي هذا التدهور المالي بينما تتعرض وزيرة المالية البريطانية رايتشل ريفز لانتقادات متزايدة، بسبب تمسكها بتجميد الضرائب الأساسية وعدم مراجعة التخفيضات التي ورثتها من الحكومة المحافظة السابقة، رغم اتساع العجز وارتفاع كلفة الدين العام إلى مستويات تاريخية. ويرى خبراء أن هذا الموقف جعل السياسة المالية البريطانية بلا أدوات فاعلة لمعالجة الاختلالات، إذ قيد قدرة الحكومة على زيادة الإيرادات أو تمويل الإنفاق العام، في وقت تتسارع فيه ضغوط خدمة الدين وارتفاع أسعار الفائدة. وفي هذا السياق، كتب الوزير البريطاني الأسبق كريس مولين في مقال رأي بصحيفة الغارديان أمس الثلاثاء، أن "المحافظين نصبوا فخ الضرائب وريفز وقعت فيه مباشرة".
وأوضح أن حكومة المحافظين السابقة، بقيادة المستشار جيريمي هانت، خفضت مساهمات التأمين الوطني مرتين عام 2024 فيما وصفه بـ "أكبر رشوة انتخابية في التاريخ الحديث"، وهو إجراء كلف الخزانة نحو 10 مليارات جنيه إسترليني سنويا وترك فجوة هيكلية في الإيرادات. وأضاف أن المستشارة الحالية لم تلغ التخفيضات ولم ترفع الضرائب الأساسية (الدخل والقيمة المضافة والتأمين الوطني) بل التزمت بالإبقاء عليها، ما جعل السياسة المالية البريطانية "محصورة في زاوية ضيقة بين التزامات إنفاق متزايدة وإيرادات لا تكفي لتغطية العجز". وأشار مولين إلى أن هذا النهج حول أزمة الإيرادات إلى فخ مالي مزمن، إذ لم يعد أمام الحكومة سوى ثلاثة خيارات جميعها مؤلمة، تتمثل في رفع الضرائب، أو خفض الإنفاق العام، أو زيادة الاقتراض بما يتجاوز القواعد المالية المعمول بها.
خيارات مالية صعبة
وتُظهر البيانات الحديثة الصادرة عن مكتب الموازنة البريطاني أن العجز البنيوي في المالية العامة وصل إلى 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية 2025 - 2026، وهو الأعلى منذ عام الجائحة 2020، مدفوعا بتباطؤ نمو الإيرادات مقابل زيادة النفقات الجارية. وتقدر المؤسسة أن إجمالي الدين العام البريطاني تجاوز 2.7 تريليون جنيه إسترليني، ما يعادل نحو 98% من الناتج المحلي، في حين ارتفع متوسط كلفة خدمة الدين بنسبة 18% مقارنة بعام 2024، نتيجة ارتفاع عوائد السندات الحكومية التي تجاوزت 4.6% في المتوسط.
وبحسب معهد الدراسات المالية، تواجه المستشارة البريطانية رايتشل ريفز خيارات مالية صعبة مع اقتراب موعد الموازنة الخريفية في 26 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، بعد أن تآكل الهامش المالي الذي كانت تراهن عليه الحكومة خلال الربيع الماضي. ويشير التقرير، الصادر ضمن سلسلة "الموازنة الخضراء 2025"، إلى أن تدهور آفاق النمو وارتفاع تكاليف الاقتراض قد أزالا فعليا مساحة المناورة أمام الحكومة، ما يجعل المزيد من التشديد المالي عبر رفع الضرائب أو خفض الإنفاق أمرا شبه حتمي.
أما تحليل "برايس ووترهاوس كوبرز"، فيكشف أن الإنفاق على الفوائد وحده التهم أكثر من عشر الإيرادات الحكومية خلال النصف الأول من العام المالي الجاري، وهو معدل لم تشهده بريطانيا منذ خمسينيات القرن الماضي. وبحسب التقرير، فإن كل ارتفاع بمقدار 1% في معدلات الفائدة الأساسية يضيف نحو 13 مليار جنيه إسترليني سنويا إلى كلفة الدين، وهو ما يعادل تقريبا ميزانية وزارة النقل أو نصف ميزانية الإسكان.
هذا الارتفاع في كلفة الاقتراض جعل ما يسمى بـ الهامش المالي (أي الفارق المتاح للحكومة بين أهدافها الإنفاقية وحدود الدين) يتقلص إلى أقل من 0.3% من الناتج المحلي، بعد أن كان يزيد عن 2% قبل خمس سنوات، وفق بيانات مكتب الموازنة البريطاني. ووفقا لتحليل نابيل طالب، كبير الاقتصاديين في برايس ووترهاوس كوبرز، فإن الهامش المالي للحكومة بات شبه معدوم نتيجة ضعف النمو وارتفاع تكاليف الاقتراض وضغوط الإنفاق العام، مؤكدا أن المستشارة تواجه معادلة صعبة بين الالتزام بالقواعد المالية الحديدية التي وضعتها لنفسها وبين حاجتها إلى تهدئة الأسواق. وحذر من أن استمرار هذا النمط قد يجبر الحكومة على مراجعة قواعدها المالية بحلول منتصف 2026، خصوصا بعد أن أصبح نحو ربع الدين العام مستحقا للسداد خلال أقل من ثلاث سنوات، ما يجعل الخزانة البريطانية أكثر عرضة لتقلبات أسعار الفائدة العالمية.
خطة ريفز
وكشفت ريفز في مقابلة مع بلومبيرغ، أجريت على هامش اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن بتاريخ 17 أكتوبر/تشرين الأول 2025، عن نيتها توسيع الهامش المالي الوقائي الذي حددته في بيان الربيع الماضي عند 9.9 مليارات جنيه إسترليني، معتبرة أن تعزيز هذا الاحتياطي ضروري لـ "امتصاص الصدمات" التي يتعرض لها الاقتصاد البريطاني في عالم أكثر هشاشة وتقلبا، في إشارة إلى تداعيات الحرب في غزة، وارتفاع التوترات الجيوسياسية في أوكرانيا، وتزايد القيود التجارية العالمية. وأكدت ريفز أن رفع هذا الاحتياطي المالي سيتطلب ما وصفته بـ "مقايضات صعبة" بين زيادة الضرائب وخفض الإنفاق العام، لكنها شددت على أن الموازنة المقبلة ستكون مؤيدة للنمو، وليست عودة لسياسات التقشف التي اتبعتها الحكومات السابقة، مضيفة أن أولويتها إبقاء بريطانيا مكانا جذابا للأعمال والاستثمار من خلال بيئة ضريبية مستقرة وشفافة.
وأضافت ريفز أن وجود هامش مالي أكبر هو بمثابة شبكة أمان ضرورية في مواجهة الصدمات غير المتوقعة، سواء أتت من الأسواق العالمية أو من الداخل البريطاني، مؤكدة أن الظروف الراهنة - بما في ذلك ارتفاع تكاليف الاقتراض، وتراجع الإنتاجية، وضبابية النمو العالمي- تفرض على وزارة الخزانة إعادة ضبط السياسة المالية لتجنب تقلبات مفاجئة في عوائد السندات وأسعار الفائدة. وتشير مصادر مطلعة إلى أن الخطة الجديدة قد تتضمن رفعا تدريجيا لبعض الضرائب على الأثرياء والأنشطة المالية، مع إعادة هيكلة الدعم الاجتماعي بما يحافظ على الإنفاق الإنتاجي في قطاعات مثل البنية التحتية والطاقة الخضراء.
كما تدرس الحكومة، وفق بلومبيرغ، إجراء تعديل في آلية مراجعة الأداء المالي بحيث يقيم التقدم نحو القواعد المالية مرة واحدة سنويا بدل مرتين، في خطوة تهدف إلى تقليل تقلبات الأسواق وتعزيز ثقة المستثمرين في استقرار السياسة المالية البريطانية. ويؤكد اقتصاديون أن تصريحات ريفز في واشنطن تمثل تحولا ملحوظا في الخطاب المالي البريطاني، من التركيز على الانضباط الصارم نحو المرونة الوقائية في مواجهة الصدمات، وهو ما يتماشى مع توصيات صندوق النقد الدولي بضرورة أن توازن الدول المتقدمة بين ضبط المديونية والحفاظ على الإنفاق الداعم للنمو.