فنزويلا: لعنة النفط أم ضحية العقوبات الأميركية؟

03 يناير 2026   |  آخر تحديث: 15:18 (توقيت القدس)
ناقلة نفط راسية في بحيرة ماراكايبو بعد تحميلها بالنفط الخام، فنزويلا 12 إبريل 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- لعنة الموارد والتدخل الأمريكي: رغم امتلاك فنزويلا لأكبر احتياطي نفطي عالمي، إلا أن اعتمادها المفرط على النفط وتدخل الولايات المتحدة منذ القرن التاسع عشر زعزع استقرارها السياسي والاقتصادي.

- السياسات الاقتصادية والعقوبات: تبنت فنزويلا سياسات اشتراكية تحت حكم تشافيز ومادورو، مما أدى إلى تدهور الاقتصاد غير النفطي. فرضت الولايات المتحدة عقوبات صارمة، مما أدى إلى انهيار مستويات المعيشة بنسبة 74% بين 2013 و2023.

- تأثير العقوبات على أسواق النفط: رغم تآكل إنتاج فنزويلا النفطي بأكثر من 70%، لم تتأثر الأسواق العالمية بشدة، حيث اعتمدت استراتيجيات بديلة. تحتل فنزويلا المرتبة الـ21 بين منتجي النفط، وتُصدّر معظم إنتاجها إلى الصين.

على مدى العقود الماضية، روجت مراكز الأبحاث الأميركية لنظرية مفادها أن فنزويلا، الدولة ذات الاحتياطي النفطي الأكبر عالمياً كانت ضحية لوفرة الموارد الطبيعية، وعلى رأسها النفط، الذي ضمن تدفقاً مضموناً على خزانة الدولة ومثل أكثر من 90% من عوائدها في بعض الأحيان، فحرم المجالات الاقتصادية الأخرى الاستثمارات والنمو ومثل عائداً ريعياً تستخدمه الحكومات لمكافأة الموالين ومعاقبة المعارضين. في هذا الصدد، تتبدى نظرية لعنة الموارد قاصرة على العالم الثالث والفقراء، أي الدول النفطية، وبالتحديد الدول التي عثرت على موارد طبيعية واعتمدت عليها قبل أن تقيم مؤسسات ديمقراطية تضمن الحكومة والشفافية. لذلك فإن دولة مثل النرويج، التي يمثل النفط 20% من ناتجها القومي، تبدو خارج السياق الذي يضم كل دول لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) الأخرى.

في الحالة الفنزويلية تحديداً، قد تبدو هذه المقاربة صحيحة لولا سجل التدخل الأميركي الحافل في دول أميركا اللاتينية منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى الآن، بمبرر أحياناً ودون مبررات غالباً. فالتدخل الأميركي اعتمد عنواناً إعلامياً هو مكافحة المخدرات أو قمع الديكتاتورية، لكنه كان في الغالب يتدخل لإزاحة أنظمة ديمقراطية لا تعلن الولاء للولايات المتحدة وتتباين مشروعاتها الوطنية مع الأهداف الاقتصادية الأميركية أو الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي بوصفه ساحتها الخلفية التي لا يتعين على قوى أخرى منافستها فيها.

سياسات اقتصادية

عارضت الولايات المتحدة بشدة السياسات الاقتصادية التي تبنتها فنزويلا تحت حكم هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو، والتي مثلت تناقضاً واضحاً لسياسات السوق الأميركية وكانت أقرب إلى الاشتراكية.  فقد فرضت حكومات فنزويلا منذ عام 1999 سيطرة صارمة على الاقتصاد، وأبدت عداءً واضحًا للأسواق والملكية الخاصة. وكان الهدف من التدخل الحكومي نشر الرخاء وخفض تكاليف المعيشة، لكنه بدلًا من ذلك شلّ الاقتصاد المحلي غير النفطي.

ومنذ عام 1999، صادرت الحكومة قطاعات واسعة من الاقتصاد، غالبًا دون تعويض وأحيانًا عبر بث مباشر على شاشات التلفزيون، ما دمّر ثقة الأعمال والاستثمار. كذلك أممت أكثر من ألف شركة وعدة ملايين من الهكتارات من الأراضي في قطاعات الزراعة، والمصارف، والإسمنت، والحديد، والنفط، والتصنيع، والتجزئة، والاتصالات. وقد أغلقت معظم هذه الشركات، أما التي لم تُغلق، فتعمل بجزء ضئيل من طاقتها السابقة.

وفي عام 2003، فرضت فنزويلا أيضًا قيودًا على حركة رؤوس الأموال ونظامًا معقدًا لشراء العملات الأجنبية. وكان هناك سعر صرف رسمي واحد أو أكثر، حيث كانت الحكومة تدعم شراء الدولار، بينما يفوق الطلب العرض بكثير، إلى جانب سوق سوداء لها سعر صرفها الحر الذي تحدده قوى السوق.

تزامنت وفاة زعيم فنزويلا الشعبي هوغو تشافيز في 2013 بهبوط حاد في أسعار النفط الذي كان يمثل 80% من عائدات الدولة في ذلك الوقت، فقد تراجع سعر البرميل في 2014 من 100 دولار تقريباً إلى حوالى 40 دولاراً. لم تكن الدولة التي توسعت في برامج الرفاه الاجتماعي بشكل كبير مستعدة لتلك الصدمة، فارتفع حجم ديونها إلى ما يزيد على 100 مليار دولار، اضطرت الحكومة إلى خفض مخصصات النقد الأجنبي للواردات بشكل أكبر من تراجع إيرادات الصادرات. وكان ذلك بلا جدوى، إذ تخلّفت البلاد عن سداد ديونها بعد سنوات قليلة على أي حال، وبدأت مرحلة الغليان الداخلي والخلافات بين الحكومة والمعارضة التي ستجد من يتبناها خارجياً.

العقوبات الأميركية

في عام 2019، قادت الولايات المتحدة جهدًا دوليًا لإزاحة مادورو عن السلطة بعد انتهاء ولايته الممتدة ست سنوات. وشملت حملة «الضغط الأقصى» الاعتراف برئيس البرلمان خوان غوايدو رئيسًا شرعيًا لفنزويلا، وفرض عقوبات على البلاد وعلى شركة النفط الوطنية بتروليوس دي فنزويلا. جمّدت العقوبات الأساسية أصول فنزويلا في الولايات المتحدة وقطعتها عن السوق النفطية الأميركية. لكن الأهم كان فرض عقوبات ثانوية بعد عام، أخضعت أي دولة أو شركة تتعامل مع "النفط الوطنية" للعقوبات الأميركية.

وقد أدت هذه العقوبات الثانوية إلى عزل فنزويلا عن الأسواق النفطية العالمية الرسمية، وأجبرت الشركة الوطنية على بيع نفطها في السوق السوداء عبر شركاء يفرضون هوامش ربح مرتفعة مقابل «غسل» النفط الخاضع للعقوبات. كان أثر هذه العقوبات فوريًا، فقد بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أدنى مستوياته في 2020 بعد انكماش الاقتصاد بنسبة 73% منذ بداية الأزمة، ثم استقر أو تحسن قليلًا مع تعافي قطاع النفط والهجرة. وما بين عامي 2013 و2023 انهارت مستويات المعيشة في فنزويلا الغنية بالنفط بنسبة مذهلة بلغت 74% ويُعد هذا خامس أكبر انخفاض في مستويات المعيشة في التاريخ الاقتصادي الحديث.

لقد لعب التدخل الأميركي، وخصوصاً عبر العقوبات الاقتصادية، دورًا محوريًا في تشكيل المسار الحديث للاقتصاد الفنزويلي. فقد فرضت واشنطن قيودًا على صادرات النفط والمعاملات المالية والوصول إلى الأسواق العالمية بهدف الضغط على حكومة الرئيس نيكولاس مادورو للعودة إلى المسار الديمقراطي. ورغم أن هذه العقوبات قلّصت إنتاج النفط وإيرادات الدولة، فإنها لم تؤدِّ إلى تغيير سياسي ملموس، بل ساهمت في تفاقم الأعباء الاقتصادية على المواطنين. وقد أدى التخفيف المؤقت للعقوبات في عام 2023 إلى زيادة الصادرات النفطية وإحياء آمال محدودة بالتعافي، إلا أن إعادة فرضها في عام 2024 عقب الانتخابات المتنازع عليها أعادت ترسيخ حالة الهشاشة الاقتصادية. وفي المستقبل، سيظل الموقف الأميركي عاملًا حاسمًا في فرص تعافي فنزويلا، إذ إن أي انتعاش حقيقي يتطلب رفعًا مستدامًا للعقوبات، وإصلاحات سياسية، واستثمارات ضخمة في قطاع النفط، وهي شروط لا تزال غير مضمونة.

أسواق النفط

من المستبعد أن يخلف التدخل الأميركي في فنزويلا تقلبات حادة في أسواق النفط العالمية، إذ يتفق المراقبون أن سنوات عديدة من التوترات السياسية التي ارتبطت بمنتجين كبار مثل إيران وروسيا وفنزويلا، قد أكسبت الأسواق مناعة ضد التقلبات من طريق تبني استراتيجيات بديلة مثل زيادة المخزون الاستراتيجي لديها ومشتريات الأسواق السوداء من طريق شركات تتمكن من الالتفاف على العقوبات الأميركية والدولية.

وفي حالة فنزويلا، أدت العقوبات الأميركية إلى تآكل إنتاجها فعلياً، رغم بقاء احتياطيها الأعلى عالمياً. إذ انخفض إنتاج النفط الخام في فنزويلا بأكثر من 70% منذ ذروته في أواخر التسعينيات، حين كان يتجاوز 3.2 ملايين برميل يومياً. وتحتل فنزويلا الآن المرتبة الـ21 فقط بين منتجي النفط في العالم، حيث تُصدّر فنزويلا، العضو في منظمة أوبك، متوسط 900 ألف برميل من النفط يومياً. ووفقاً لبيانات جمعتها "بلومبيرغ"، يذهب نحو 750 ألف برميل، أي 80% من هذه الكمية، إلى مشترين صينيين. وقد حمّلت ناقلات النفط ما يقارب 590 ألف برميل يومياً فقط للتصدير الشهر الماضي، مقارنةً بالاستهلاك العالمي الذي يتجاوز 100 مليون برميل يومياً. ويمرّ نحو 30% من الشحنات عبر أسطول غير رسمي من السفن الخاضعة للعقوبات.

المساهمون