لماذا فشلت نتائج "إنفيديا" القوية في تبديد المخاوف تجاه الذكاء الاصطناعي؟
- تواجه إنفيديا تحديات في طمأنة المستثمرين رغم توقعاتها بإيرادات تبلغ 78 مليار دولار، وسط مخاوف من تهديد التطور السريع للذكاء الاصطناعي لقطاعات بأكملها.
- رغم نجاح إنفيديا في صفقات مع ميتا، تثير هذه الصفقات تساؤلات حول العلاقات بين الموردين والعملاء، بينما تواجه شركات مثل مايكروسوفت وأمازون ضغوطًا مالية بسبب استثماراتها الكبيرة.
لا تكاد تمر مناسبة فصلية أو نصف سنوية لإعلان النتائج المالية للعمالقة الفاعلين في الذكاء الاصطناعي من دون تقلب الأسواق بين صعود وهبوط. وقد تكرر هذا الأمر بشكل ملحوظ في وول ستريت يوم أمس الذي صادف إعلان شركة إنفيديا العملاقة لصناعة الرقائق عن نتائجها للربع المنصرم. ورغم إعلان إنفيديا عن أداء فاق توقعات المحللين، حيث قفزت إيراداتها بنسبة 73% في الربع المنتهي في 25 يناير/ كانون الثاني الماضي، فإن أسهمها انخفضت في نهاية تعاملات يوم انتصاراتها نفسه بنسبة 1.5%.
تستدعي هذه الحالة مقارنة رائجة في وول ستريت هذه الأيام بين عمالقة التكنولوجيا، مايكروسوفت وغوغل وأمازون وميتا، الذين يضخون استثمارات طائلة في الذكاء الاصطناعي على أمل أن يحصدوا أرباحاً هائلة في المستقبل القريب، والشركات التي تحفظت أو امتنعت، عمداً أو صدفة، عن استثمارات كبيرة في هذا القطاع، وفي مقدمتها آبل التي تتحول في ظل اضطرابات السوق الأخيرة إلى ملاذ آمن للمستثمرين الذين يخشون انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي.
أما قراءة محللي الأسواق للوضع الراهن، فتشير إلى ارتفاع مستوى الشكوك لدى المستثمرين تجاه النهم المتزايد في قطاع الذكاء الاصطناعي، فلم تعد النتائج الممتازة للأداء الآني أو في المستقبل القريب كافية لطمأنة المستثمرين الذين يريدون تأكيدات لما يمكن أن يحدث مستقبلاً في سوق باتت ساحة لضخ تريليونات الدولارات التي لم تؤت أكلها بعد.
وقد سعى الرئيس التنفيذي للشركة جنسن هوانغ، وهي الشركة الأغلى من حيث القيمة السوقية عالمياً، خلال مكالمة إعلان النتائج مع حملة الأسهم إلى التهوين من تلك المخاوف، مؤكداً أن العملاء بدأوا بالفعل في تحقيق أرباح من قدراتهم الحاسوبية الجديدة، ولهذا سيواصلون الاستثمار بمستويات مرتفعة. وأضاف: "أنتم بحاجة إلى طاقة حوسبة، وهذا يترجم مباشرة إلى نمو، ويترجم مباشرة إلى إيرادات… وأنا واثق أن تدفقات عملائنا النقدية في نمو".
وتعد إنفيديا المورد المهيمن لما يُعرف برقائق "المسرعات" المصممة لمعالجة الكميات الضخمة من البيانات اللازمة لبناء نماذج الذكاء الاصطناعي. كما تُستخدم هذه الرقائق في مرحلة تشغيل النماذج - أو ما يُعرف بـ"الاستدلال" - عند تنفيذ المهام استجابةً لمدخلات العالم الحقيقي.
وتوقعت الشركة إيرادات تبلغ نحو 78 مليار دولار في الربع المالي الأول مقابل متوسط تقديرات عند 72.8 مليار دولار رغم أن بعض المحللين كانوا يتوقعون أرقاماً تقترب من 80 ملياراً.
المخاوف قائمة
لكن اللافت للأنظار هذه المرة هو فشل إنفيديا في طمأنة قطاع الذكاء الاصطناعي كما فعلت في المرات السابقة، إذ يبدو أن المخاوف مختلفة بشكل كبير. وحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال نشرته اليوم الخميس، فإن التطورالمتسارع في قدرات أدوات الذكاء الاصطناعي من شركات مثل غوغل وأوبن إيه آي وأنثروبيك يقنع المستثمرين بأن قطاعات بأكملها، وعلى رأسها البرمجيات، قد تواجه تهديداً وجودياً، وفي الوقت نفسه، يعزّز الاهتمام بالشركات التي تتخصص في المراحل الوسيطة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي وبناء مراكز البيانات. ويشمل ذلك مصنّعي رقائق الذاكرة، والأقراص الصلبة، وكابلات الألياف الضوئية، وحتى مولدات الطاقة.
لكن معظم أسهم التكنولوجيا الأخرى تتعرض لضغوط. فمخاوف الاضطراب الذي قد يسببه الذكاء الاصطناعي، والتي ضربت أسهم البرمجيات، أثّرت أيضاً على عمالقة التكنولوجيا الذين يستثمرون بكثافة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فقد تراجع سهم مايكروسوفت بنسبة 17% منذ بداية العام، بينما انخفض سهم أمازون بنسبة 9%، بل إن المستثمرين باتوا يتفاعلون حتى مع الأعمال شبه التخيلية. فقد انتشر خلال عطلة نهاية الأسبوع منشور من مدونة مالية تدعى Citirini، على شكل مذكرة بحثية من المستقبل، وقدّم تصوراً كئيباً لتأثيرات الذكاء الاصطناعي، ما ساهم في موجة بيع حادة يوم الاثنين.
هذا المزاج العام في الأسواق لا تستطيع نتائج إنفيديا تبديده بالكامل، بل إن نجاحها الصاروخي قد يُنظر إليه إشارةً على حالة عدم الاستقرار المحتملة، في ظل الإنفاق الرأسمالي الضخم الذي يملأ خزائنها، بينما يضغط مالياً على أكبر شركات العالم وأكبر أرباب العمل.
ومع ذلك، تجد الشركة العملاقة نفسها في موقع غير معتاد، إذ يتعين عليها أن تلعب دور "رجل الدولة" في القطاع، ولو فقط لتهدئة بعض التصورات المبالغ فيها حول الذكاء الاصطناعي. فقد قال رئيسها التنفيذي جنسن هوانغ، في مؤتمر مطلع هذا الشهر، إن فكرة أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل البرمجيات "أكثر الأمور لامنطقية في العالم".
وتتعزز بمرور الوقت فكرة أن منتجات الذكاء الاصطناعي واستثماراتها بدأت تأكل نفسها، أو تنافس بشكل أكثر تخصصي، إذ تشير بلومبيرغ على سبيل المثال إلى وجود أزمة كبيرة في رقائق الذاكرة، وهي مكونات أساسية توفر التخزين المؤقت في الأجهزة من الهواتف الذكية إلى الحواسيب العملاقة. وقد أدى هذا النقص إلى ارتفاع الأسعار وصعوبة شحن كميات أكبر من الأجهزة.
في المقابل، أصبحت رقائق مراكز البيانات للذكاء الاصطناعي محور التركيز الأكبر. وأعلنت إنفيديا مؤخراً أن شركة ميتا ستنشر الملايين من معالجاتها خلال السنوات المقبلة. أما المنافس الرئيسي لإنفيديا، وهي أدفانسد ميكرو دايفسس AMD، فقد أعلنت بدورها اتفاقاً طويل الأمد مماثلاً مع ميتا بعشرات المليارات من الدولارات.
وتقدَّم هذه الصفقات الضخمة دليلاً على قوة اقتصاد الذكاء الاصطناعي، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات بشأن طبيعة العلاقات المتشابكة بين الموردين والعملاء، خصوصاً عندما يتبادلون حصصاً مالية.