مسيرات تقصف نفط كردستان وتهدد الاقتصاد العراقي

18 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 02:00 (توقيت القدس)
قصف منشأة في في منطقة تشامانكي، 17 يوليو 2025 (سافين حامد / فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشكل الهجمات بالطائرات المسيّرة على حقول النفط في إقليم كردستان تهديدًا استراتيجيًا للاقتصاد العراقي، حيث تؤدي إلى تعطيل الإنتاج وتؤثر على السمعة الاستثمارية للعراق، مما يهدد بتقليص أنشطة الشركات الأجنبية.
- استمرار هذه الهجمات دون حلول جذرية قد يؤدي إلى عدم استقرار اقتصادي، ويهدد الثقة الدولية بقدرة العراق على حماية استثماراته النفطية، مما قد يؤدي إلى خسارة مليارات الدولارات من الإيرادات.
- أكدت السلطات تسجيل هجمات بأربع طائرات مسيّرة، وأمر رئيس الوزراء بفتح تحقيق، بينما دعت مجموعة صناعة النفط إلى حماية الاستثمارات، ووصفت وزارة الثروات الطبيعية الهجمات بالإرهابية.

تحوّل استهداف حقول النفط في إقليم كردستان عبر هجمات بالطائرات المسيّرة إلى تهديد استراتيجي يتجاوز حدود الإقليم ليطاول الاستقرار الاقتصادي لعموم العراق، مع ارتفاع الخسائر ووقف الإنتاج. يأتي ذلك في ظل التحديات الاقتصادية والمالية التي يواجهها العراق، حيث يشكل قطاع النفط العمود الفقري للاقتصاد الوطني، وتعتمد الدولة بشكل شبه كامل على العائدات النفطية في تمويل الموازنة العامة، ويُعد إقليم كردستان جزءًا أساسيًا من المنظومة النفطية العراقية، نظرًا لما فيه من احتياطات كبيرة وإنتاج فعّال يرفد الاقتصاد العام.

ووفق محللين فإن هذه الهجمات، التي لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى كتابة هذا التقرير، لا تؤدي فقط إلى تعطيل الإنتاج وتكبيد خسائر مباشرة، بل تؤثر بشكل أوسع على السمعة الاستثمارية للعراق، وتزيد من حالة الضبابية في البيئة الأمنية والاقتصادية، ما قد يدفع الشركات الأجنبية إلى تقليص أنشطتها أو تجميد استثماراتها، كما أن الانخفاض في كميات التصدير أو الإنتاج قد ينعكس سلبًا على الإيرادات الاتحادية، وبالتالي على قدرة الحكومة المركزية على تمويل مشاريع التنمية وسداد الالتزامات المالية، بحسب مختصين.

وقال المختص في الشؤون الاقتصادية ناصر الكناني، لـ"العربي الجديد"، إن "استمرار استهداف حقول النفط في إقليم كردستان بالطائرات المسيّرة لا يشكل تهديدًا أمنيًا فحسب، بل يحمل تداعيات اقتصادية خطيرة على مستوى الإقليم والعراق ككل. وبيّن الكناني أن "هذه الهجمات تؤثر بشكل مباشر في حجم الإنتاج النفطي، وتؤدي إلى تعطيل الصادرات وتراجع الإيرادات المالية، ما ينعكس سلبًا على الموازنات العامة وفرص التنمية، كما أنها ترسل إشارات سلبية إلى المستثمرين الأجانب، وتُضعف من البيئة الاستثمارية في قطاع يُعد من الأكثر حيوية في البلاد".

وحذر المختص في الشؤون الاقتصادية من أن "تكرار هذه الحوادث من دون حلول سياسية وأمنية جذرية قد يُدخل الاقتصاد العراقي في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، لا سيما في ظل الاعتماد شبه الكامل على العائدات النفطية، فما يحدث من استهداف متكرر لحقول النفط في إقليم كردستان بالطائرات المسيّرة ليس مجرد حوادث متفرقة، بل هو تهديد صريح وخطير لركيزة الاقتصاد العراقي بأكمله".

وبحسب الكناني فإن "استمرار هذه الهجمات قد يقود إلى انهيار الثقة الدولية بقدرة العراق على حماية استثماراته النفطية، وهو ما يعني خسارة محتملة لمليارات الدولارات من الإيرادات والمشاريع المستقبلية، والأخطر من ذلك، أن هذه العمليات قد تدفع الشركات العالمية إلى مغادرة البلاد، وتجميد عقود تطوير الحقول، مما سيؤدي إلى شلل تدريجي في القطاع النفطي، وتأثير مباشر على الموازنة العامة والوظائف والخدمات".

من جهته، قال الخبير في الشأن النفطي عباس الشطري، لـ"العربي الجديد"، إن "استمرار استهداف حقول النفط في إقليم كردستان يشكل تهديدًا مباشرًا للبنية التحتية لقطاع الطاقة، ويضع مستقبل الصناعة النفطية في الإقليم والعراق أمام مخاطر جسيمة، وهذه الهجمات لا تؤدي فقط إلى تعطيل الإنتاج وخسارة فورية في الكميات المصدّرة، بل تُعرض المنشآت والمعدات المتطورة لأضرار جسيمة، قد تتطلب شهورًا لإصلاحها وكُلفًا مالية عالية".

وبيّن الشطري أن "الشركات الأجنبية العاملة في الإقليم باتت تتعامل مع بيئة غير مستقرة أمنيًا، وهذا قد يدفعها إلى مراجعة التزاماتها أو حتى الانسحاب من السوق العراقية، مما يعني فقدان التكنولوجيا والخبرات وفرص التطوير". وأضاف أنه "إذا استمر هذا التصعيد دون ردع فعّال وتنسيق أمني واقتصادي على أعلى المستويات، فإن قطاع النفط، الذي يُمثل أكثر من 90% من دخل الدولة، قد يتعرض لاهتزاز استراتيجي، وسنشهد تداعيات اقتصادية واسعة تتجاوز الإقليم إلى عموم العراق".

وأكد الخبير في الشأن النفطي أننا "أمام تهديد استراتيجي غير مسبوق لصناعة النفط في العراق، واستمرار استهداف حقول النفط في إقليم كردستان بالطائرات المسيّرة يمثل تصعيدًا خطيرًا، لا يمكن اعتباره عملًا عابرًا أو محدود التأثير، فهذه الهجمات تضرب العمود الفقري للاقتصاد الوطني، وتهدد بخسائر لا تُقدّر فقط بمليارات الدولارات، بل بزعزعة استقرار قطاع حيوي تعتمد عليه الدولة بشكل شبه كامل". وختم الشطري قوله إن "تكرار هذه العمليات دون ردع واضح ورسالة أمنية صارمة سيفتح الباب أمام انهيار ثقة الشركات الأجنبية، وسيُضعف قدرة العراق على جذب أي استثمار في المستقبل، ليس فقط في كردستان، بل في عموم البلاد، ونحن لا نتحدث عن تعطيل مؤقت للإنتاج، بل عن تهديد طويل الأمد لإمدادات الطاقة، ولسيادة الدولة الاقتصادية".

وأكدت السلطات الأمنية في إقليم كردستان العراق، في وقت سابق من الأربعاء، تسجيل هجمات بأربع طائرات مسيّرة استهدفت حقولًا نفطية في الإقليم، حيث هاجمت طائرتان مسيّرتان مفخختان حقل نفط شركة DNO في بيشخابور التابع لإدارة زاخو المستقلة في محافظة دهوك، كما هاجمت طائرة مسيّرة مفخخة ثالثة حقل نفط شركة DNO في طاوكي التابع لإدارة زاخو، من دون أن يسفر عن خسائر بالأرواح، إضافة إلى مهاجمة طائرة مسيّرة مفخخة رابعة حقل "هاند أويل" الأميركي، بمنطقة باعدري التابعة لقضاء شيخان في محافظة دهوك، دون أن يسفر عن خسائر بشرية أو أضرار مادية.

وجاءت الهجمات بعد ساعات من هجمات مماثلة سُجّلت في مدينتي أربيل ودهوك، شمالي العراق، بطائرات مسيّرة ملغمة استهدفت حقلين نفطيين، أحدهما تُشغّله شركة أميركية، حيث تعرض حقلا "خورملة" و"سرسنك" في أربيل ودهوك لهجمات بطائرات مسيّرة ملغمة، أسفرت عن أضرار مادية محدودة دون تسجيل أي خسائر بشرية، وأعلنت شركة HKN الأميركية لاحقًا، في بيان داخلي لها نقلته محطة تلفزيون محلية كردية، عن إيقاف عملياتها بالحقل لأسباب أمنية.

وكان المتحدث العسكري باسم رئيس الوزراء العراقي، صباح النعمان، قد أكد الثلاثاء، أن الهجمات اعتداء مباشر على مصالح العراق واستقراره، وأن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أمر بفتح تحقيق فوري لتحديد المسؤولين واتخاذ إجراءات صارمة ضدهم، مشددًا على التزام الحكومة بحماية المنشآت الحيوية وتعزيز القدرات الدفاعية للحفاظ على سيادة البلاد. وأمس الخميس، قال سنكر عبد الرحمن المتحدث باسم مجموعة صناعة النفط في كردستان، التي تضم عددا من الشركات النفطية الأجنبية والمحلية بالإقليم، إن الهجمات على مواقع النفط، تشكل تهديدًا للقوى العاملة العراقية، داعياً "الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى إجراء تحقيق فوري وحماية استثماراتنا".

فيما أصدرت المجموعة ذاتها بيانا، أكدت فيه أن هذه "الهجمات عرّضت حياة وسلامة كوادرنا، ومعظمهم من العراقيين، إلى الخطر، فضلاً عن الموظفين الأجانب من جنسيات متعددة"، مشيرة إلى أن الهجمات ألحقت أيضاً أضراراً بالبُنى التحتية والمنشآت التابعة للحقول النفطية. من جانبها أدانت وزارة الثروات الطبيعية بالإقليم في بيان لها أمس الخميس، الهجمات وصفتها بـ "الإرهابية"، وأكدت أنها تشكل خطراً مباشراً على حياة المواطنين والعاملين في قطاع الطاقة. وأشار البيان إلى أن الهجمات طاولت البنية التحتية للطاقة وحقول النفط في "خورملة وسرسنك وبيشخابور وعين سفني بمحافظتي أربيل ودهوك وإدارة زاخو المستقلة، مؤكداً أنها تسببت في "أضرار مادية كبيرة على مستوى إنتاج النفط".