مصرف لبنان يرضي أميركا بحظر "القرض الحسن" ويقيد ذراع مالي لحزب الله
استمع إلى الملخص
- التعميم يأتي بالتزامن مع اتفاقية مع "K2 Integrity" الأميركية، في محاولة للخروج من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، وسط عقوبات أميركية على مسؤولين مرتبطين بالجمعية.
- الخبراء يرون أن التعميم إداري وإعلامي، حيث أن الجمعية لا تتعامل مع المصارف المرخصة، مما يجعله غير مؤثر فعلياً.
أثار حظر مصرف لبنان المركزي التعامل مع جمعية القرض الحسن، التي تُعدّ أهم المؤسسات المالية التابعة لحزب الله، ترحيباً خارجياً، ولا سيما أميركياً، مع بعض الإشادة الداخلية، في حين توقّف عنده خبراء اقتصاديون، الذين وضعوه في إطار الإجراء الإداري والإعلامي، لإرضاء واشنطن، والمجتمع الدولي، في ظلّ سلّة الشروط والبرامج الإصلاحية المالية والاقتصادية والمصرفية التي يطلبها لدعم لبنان.
ويدعم الخبراء الاقتصاديون في لبنان رأيهم باعتبار أنّ المصارف التجارية والمؤسسات المالية المرخّصة لا تتعاطى مع جميعة القرض الحسن، خصوصاً منذ إدراجها على قائمة العقوبات عام 2007، كما أنّ البنوك تتشدد كثيراً في تعاملاتها حتى مع الأفراد بالتدقيق في ملفاتهم، وذلك خوفاً من أن تطاولها العقوبات.
وأصدر البنك المركزي تعميماً، بتاريخ 14 يوليو/ تموز الجاري، للمصارف والمؤسسات المالية ولسائر المؤسسات الخاضعة لرقابته ولشركات الوساطة المالية ولصناديق الاستثمار الجماعية يحظر فيه التعامل مع جمعية القرض الحسن وعددٍ من المؤسسات المالية التابعة له.
وتزامن تعميم مصرف لبنان، الذي نُشر الثلاثاء الماضي، مع إعلان البنك المركزي، يوم الاثنين، إبرام اتفاقية تعاون مع شركة " كيه2 إنتيغرتي" (K2 Integrity) الأميركية في مسعى للخروج من اللائحة الرمادية الصادرة عن مجموعة العمل المالي (فاتف)، وأيضاً مع المقترحات التي يحملها الموفد الأميركي توماس برّاك للحلّ في لبنان، وتتضمن إصلاحات اقتصادية، بينها مكافحة اقتصاد الكاش، والقرض الحسن والمؤسسات المالية التابعة لحزب الله، إلى جانب ملف احتكار الدولة للسلاح، وغيره من الملفات.
كذلك، يأتي بعد أيام من فرض وزارة الخزانة الأميركية في الثالث من يوليو/ تموز الجاري عقوبات على 7 مسؤولين كبار وكيان واحد مرتبطين بالجمعية، "لأنهم سهّلوا التهرّب من العقوبات الأميركية، مما مكّن حزب الله من الوصول إلى النظام المالي الرسمي".
وأشاد الموفد الأميركي توماس برّاك، الثلاثاء، بتعميم "المركزي"، معتبراً أنه "خطوة في الاتجاه الصحيح في ضبط تدفق تمويل مليشيا حزب الله الذي كان يُوجَّه عبر القرض الحسن"، مضيفاً "يعدّ تحقيق الشفافية والتنسيق بين جميع الوسطاء الماليين في لبنان تحت إشراف المصرف المركزي إنجازاً قيّماً وضرورياً".
وتأسست جميعة القرض الحسن عام 1982، عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وهدفت إلى تقديم قروض حسنة من دون فوائد، مركزة على دعم الفئات الفقيرة والمحتاجة، لمساعداتها في تأمين احتياجاتها وتغطيتها، وهي حائزة على ترخيص علم وخبر من وزارة الداخلية عام 1987.
وتعرّف الجمعية على أنّها "شخص معنوي لبناني مرخص منذ عام 1987 من وزارة الداخلية، تعمل وفق القوانين اللبنانية، وعملها ذو طابع خيري واجتماعي، وبالتالي هي ليست مصرفاً بل جمعية تستقطب المساهمات من أجل الخير وتعطيها كقروض من دون فوائد لكل الناس المحتاجين لها ولآجال ميسرة".
وفي عام 2007، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن"، باعتبارها "غطاء لإدارة الأنشطة المالية لحزب الله وللوصول إلى النظام المالي الرسمي العالمي".وشنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي في حربه الأخيرة على لبنان، التي بدأت في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واستمرت حتى 27 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تاريخ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ضربات عدة على فروع القرض الحسن في مختلف المناطق اللبنانية، بزعم أن "المؤسسة تشارك في تمويل النشاطات الإرهابية لحزب الله ضد إسرائيل".
وفي وقتٍ لاحقٍ استأنفت الجمعية نشاطها، رغم الأضرار الكبيرة التي طاولت فروعها، علماً أن الخروقات الإسرائيلية مستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار وقد تخطّت عتبة الـ4 آلاف، وأسفرت عن سقوط ما يزيد عن 200 شهيد، فيما لا تزال مؤسسات حزب الله المالية عرضة للتهديد، كما عمليات الاغتيال التي تطاول صرافين تابعين له.
وفي إطار التعليق على الموضوع، يقول محمد فحيلي، الباحث في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت لـ"العربي الجديد"، إن "مصرف لبنان لا دخل له بالقرض الحسن، فهذه الجمعية حازت على ترخيص بموجب علم وخبر من قبل وزارة الداخلية التي بدورها تقرّر حدود ومصير الترخيص، في حين أن لمصرف لبنان أن يبلغ المصارف التجارية والمؤسسات المالية التي هي تحت رقابته بعدم التعامل معها".
ويضيف فحيلي: "هذا التعميم بنظري هو رسالة غير مطمئنة، فهناك مشكلة كبيرة في حال كان هناك مصارف ومؤسسات مالية لا تزال تتعامل مع القرض الحسن رغم العقوبات الأميركية الصادرة بحق الجمعية منذ عام 2007، فهنا على مصرف لبنان اتخاذ الإجراءات التهذيبية والتأديبية بحقها، مع الإشارة إلى أن الخزانة الأميركية يوم فرضت عقوبات على القرض الحسن منعته من التعامل بالدولار، باعتباره عملة أميركية، لهذا السبب لم أفهم صراحة الأسباب الموجبة وراء تعميم من هذا النوع، خصوصاً أنه تزامن مع الإعلان يوم الاثنين الماضي عن إبرام اتفاقية تعاون مع شركة K2 Integrity الأميركية، في خطوة وضعت في إطار مسعى البنك المركزي للخروج من اللائحة الرمادية الصادرة عن مجموعة العمل المالي (فاتف)".
ويتابع: "لا أعرف إذا المقصد من التعميم مساهمة إضافية لإخراج لبنان من اللائحة الرمادية، علماً أنه باعتراف وسيم منصوري، (كان حاكم مصرف لبنان بالوكالة، وعيَّنه مجلس الوزراء الأسبوع الماضي، ولمرة جديدة نائباً للحاكم)، فإن مجموعة العمل المالي مرتاحة لأداء مصرف لبنان ووجود لبنان على اللائحة ليس بسبب أداء البنك المركزي إنما لأداء مكوّنات من المجتمع اللبناني يتعاملون مع الاقتصاد النقدي ويسهلون التداول مع الأوراق النقدية من دون ممارسة أي درجة من الحيطة والحذر لجهة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب".
تبعاً لذلك، لم يرح القرار فحيلي، معتبراً أن المؤسسات التي توجّه إليها مصرف لبنان بالتعميم هي تحت رقابته، ومن المقلق أن تكون لا تزال تتعاطى مع القرض الحسن وهيئات مفروضة عليها عقوبات غربية من دون أن يتخذ بها حتى اليوم أي إجراء أو تدبير لمخالفتها الحدّ الأدنى من أداء الحوكمة الرشيدة والإدارة الجيدة لمخاطر تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والسمعة، مشدداً على أنه في حال كان هناك تعاط مستمرّ بهذا الإطار، على المصرف المركزي وللشفافية أن يعلن أسماءها ويُنزل عقوبات واضحة بحقها، وإلّا أساساً يكون الهدف من التعميم استهلاكاً إعلامياً، أو تحقيقاً لمطالب الموفد الأميركي توماس برّاك، كما تفعل الدولة مع صندوق النقد من دون أن تنظر إلى ما يحتاجه لبنان أو يريده اللبنانيون.
من جهته، يشير علي نور الدين، الخبير اللبناني في الشؤون الاقتصادية والمالية والمصرفية، في حديثه مع "العربي الجديد"، إلى أن "القرض الحسن أساساً مدرج على لائحة العقوبات ولا تعاملات بينه والمصارف ولا مع المؤسسات المالية المرخصة من مصرف لبنان ولا مع المؤسسات المالية التي لديها اهتمام بإبقاء صلة مع النظام المالي العالمي أو الشرعي، وهذا ما هو متحقق منذ سنوات، وبالتالي، فإنّ فكرة إصدار تعميم الحظر لا تزيد شيئاً على الإجراءات الموجودة".
ويضيف نور الدين "كذلك، فإنّ مصرف لبنان لا قوة تنفيذية له لملاحقة فروع القرض الحسن أو إجراء أي مداهمات أو عمليات تفتيش، فهذا يحتاج إلى قرارين سياسي وأمني، إلا في حال أراد في مرحلة ثانية أن يسلك هو المسار القضائي لملاحقة الجمعية، لكن حالياً لا توجه يوحي بذلك".
تبعاً لذلك، يرى نور الدين أن "التعميم الصادر عن مصرف لبنان أقرب ما يكون إلى غطاء إداري يؤكد من خلاله مصرف لبنان للمجتمع الدولي، وتحديداً للطرف الأميركي، أنه ملتزم بكل العقوبات الغربية على حزب الله ومؤسساته المالية ويحاول تبرئة ساحته ورفع المسؤولية عن نفسه، بالإشارة إلى أنه فعل ما عليه وحاضر للتعامل مع القرار، غير ذلك، لا أعتقد أن هناك مفاعيل جدية للتعميم، باعتبار أن القرض الحسن لا وجود له بالنظام المصرفي".