نيبال... حين جاع الاقتصاد انتفض الشارع فسقطت الحكومة
استمع إلى الملخص
- استقال رئيس الوزراء خادجا براساد شارما أولي تحت ضغط الاحتجاجات، وتعرض وزير المالية للاعتداء، مما أبرز انهيار السلطة التقليدية وفقدان النخبة السياسية لهيبتها.
- كُلّفت القاضية السابقة سوشيلا كاركي بتشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات مبكرة في مارس 2026، لتحديد مستقبل البلاد بين بناء عقد اجتماعي جديد أو استمرار السخط.
في شوارع كاتماندو داخل دولة نيبال الآسيوية، كان الدخان المتصاعد من الإطارات يختلط برائحة الخبز الغالي. قبل أن تهتف الحناجر ضد الحظر الرقمي، كانت جيوب الناس قد فرغت. شباب في العقد الثاني ينتظرون ما تجود به رواتب أشقائهم في دول الخليج، ومتقاعدون متذّمرون من الراتب الذي لم يعد يكفي لسداد فاتورة الكهرباء. فخلف كل مشهد احتجاجي، كان هناك اقتصاد هشّ: بلد يعتمد على تحويلات أبنائه في الخارج لتغطية الاستهلاك، وبطالة شبابية تلامس خُمس القوى العاملة، ودخل فردي بالكاد يضع نيبال فوق خط الفقر.
لم يكن المشهد وليد لحظة غضب عابرة، بل تراكم أعوام من الإحباط. حين قررت حكومة خادجا براساد أولي أن تحجب 26 منصة تواصل اجتماعي، بدا القرار للوهلة الأولى أمنياً وإدارياً. لكن في بلد تتراكم فيه ديون الفقراء بقدر ما تتراكم الامتيازات لدى النخبة، تحوّل الحظر إلى رمز للقمع المزدوج، قمع الكلمة وقمع الفرصة. وهكذا، لم يخرج الشباب إلى الشارع دفاعاً عن "إنستغرام" فحسب، بل دفاعاً عن حقهم في حياة اقتصادية أقل قسوة، وضد ما يعرف ببيروقراطية الأقارب (نظام النيبوتيزم الذي يمنح الامتيازات لأبناء المسؤولين فقط).
كيف بدأت القصة؟
في 4 من سبتمبر/أيلول 2025، أصدرت الحكومة النيبالية قراراً بحظر 26 منصة تواصل اجتماعي، وقيل إن الهدف حماية الهوية ومنع خطاب الكراهية، لكن الشباب قرأوا الأمر بعيون مختلفة: محاولة لإسكاتهم. هنا، لم يعد الحظر تقنياً، بل صار سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً، مسّ كرامة جيل كامل اعتاد أن يعيش ويتنفس عبر تلك المنصات، ولديه دخل منها ما حوّلها إلى منصات اقتصادية.
في الثامن من الشهر نفسه، خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع. أغلبهم من "جيل زد"، الجيل حادّ المزاج، سريع الحركة، الذي نشأ مع الثورة التكنولوجية ولا يؤمن بالتسويات الرمادية. كانت البداية أمام البرلمان، إذ سقط ما يقارب 1350 شخصاً بين قتلى وجرحى، ثم امتدت النيران إلى المبنى ذاته. رفع المتظاهرون شعارات لم تقتصر على إعادة فتح المنصات، بل طالبت بإنهاء الفساد ومحاسبة الطبقة السياسية التي يرونها متغطرسة و"فاسدة مالياً" ومنفصلة عن الواقع.
انهيار السلطة القديمة
تحت ضغط الشارع، قدّم خادجا براساد شارما أولي استقالته في 9 من سبتمبر/أيلول. الرجل الذي عرف بدهائه السياسي وبتبديل تحالفاته لم يجد هذه المرة من ينقذه. تبعه وزراء آخرون، ثم جاءت اللحظة الأكثر إهانة للنخبة: وزير المالية بيشنو براساد باودِل، المعروف بنزعته البيروقراطية الجافة وبخطاباته المتعالية، طورد في الشارع، وتعرّض للركل والضرب، قبل أن تُظهر مقاطع مصوّرة دفعه باتجاه النهر. كانت تلك اللحظة تجسيداً حيّاً لسقوط الهيبة التي أحاطت بالحكومة عقوداً. ولم يكن مشهداً غريباً في مثل ثورات كهذه، والتي غالباً ما يُلاحَق فيها الفاسدون عند هروبِ أو استقالة رأس الهرم.
صعود جيل بلا قيادة
المثير أن المظاهرات لم تأتِ بقرار من حزب أو زعيم تقليدي. بل نظّمها طلاب، وناشطون رقميون، وصنّاع محتوى. حتى أن عمدة كاتماندو الشاب بالندرا شاه (35 سنة) الذي لا ينتمي لأي حزب، ويوصف بالكاريزمي والمتمرّد، حظي بتأييد واسع بين الحشود، من دون أن يتصدر قيادتها. إنها حركة بلا رأس، يقودها الغضب الجمعي، إذ يتواصل الناس عبر شبكات بديلة والشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) بعد الحجب.
الاقتصاد: أرض رخوة تحت الأقدام
لم يكن الانفجار الشعبي معزولاً عن الخلفية الاقتصادية؛ فالنيبال من الدول التي يوصف اقتصادها بالهش، إذ يعتمد كثيراً على تحويلات العاملين في الخارج، ما يجعلها ضمن أعلى الدول عالمياً اعتماداً على هذه التحويلات وفقاً لتقديرات البنك الدولي. وبحسب البنك ذاته، فمعدل بطالة الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة وصل إلى 20.8% في 2024، ما يعكس ضيق الفرص داخلياً، مع نزيف مستمر نحو الهجرة. أما دخل الفرد فلم يتجاوز 1447 دولاراً في 2024.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد النيبالي بنسبة 4% في 2025 مع تضخم عند 4.9%. وبما أن المصائب لا تأتي فرادى، فإن النيبال تكبدت خسائر قاربت 127 مليون دولار بسبب الفيضانات والسيول التي أغرقتها العام الماضي، حسب تقرير التقييم للخسائر والأضرار الذي أصدرته الهيئة النيبالية للحد من مخاطر الكوارث.
هذه أرقام تفسر كيف تحوّل الحظر الرقمي إلى فتيل يشعل برميل بارود اجتماعي واقتصادي. شباب غاضب وفرص ضئيلة وقتصاد مرهون بالتحويلات، ودولة لا تملك هامشاً واسعاً لتدارك الصدمات.
دماء وانتخابات مبكرة
مع اشتداد الاحتجاجات، ارتفعت حصيلة القتلى، ودخل الجيش العاصمة وفُرض حظر تجوال، وأُغلقت أجزاء من المطار. لكن هذه القبضة لم تُخمد النار، بل أجبرت النظام على تقديم تنازلات. في 13 سبتمبر/أيلول، كُلّفت القاضية السابقة سوشيلا كاركي المعروفة بصلابتها ونزاهتها ومحاربتها للفساد بتشكيل حكومة انتقالية، وصارت أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في نيبال، وأعلنت حل البرلمان، وحددت انتخابات مبكرة في مارس/آذار 2026.
معادلة التغيير
اليوم، كاتماندو تلتقط أنفاسها. سُحبت قوات الجيش من بعض الشوارع، وبدأت المدارس والجامعات تفتح أبوابها مجدداً. كاركي، بوجهها الهادئ وسمعتها كقاضية لا تساوم، زارت الجرحى، وأعلنت تعويضات لعائلات الضحايا. لكن آثار النار ما زالت على الجدران، وذاكرة الجيل الغاضب لم تهدأ. الانتخابات المقبلة قد تكون لحظة فاصلة، إما لبناء عقد اجتماعي جديد وإنعاش الاقتصاد، أو لإعادة إنتاج دوامة السخط.
ما حدث في نيبال لم يكن مجرد احتجاج على قرار تقني. كان رواية مكتملة الأركان عن جيل وُلد في عالم رقمي، وجد نفسه محاصراً بفساد سياسي واقتصاد خانق. وعندما حُرم من صوته الافتراضي، صرخ في الشارع. وفي غضون أيام، أطاحَ حكومةً، وأجبر النخبة على الانحناء.