استمع إلى الملخص
- تناولت القمة قضايا مثل الرسوم الجمركية وتهريب الفنتانيل، مع توقعات باتفاق مبدئي يخفف القيود التجارية ويفتح السوق الصينية للمزارعين الأميركيين.
- تأتي القمة بعد جولة آسيوية لترامب لتعزيز النفوذ الاقتصادي الأميركي، مما أدى إلى ارتفاع مؤشر S&P 500 وتراجع الذهب، مع توقعات بهدنة مؤقتة دون حل الخلافات الاستراتيجية.
تتجه أنظار العالم، صباح اليوم الخميس، إلى مدينة بوسان الكورية الجنوبية، حيث يعقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ أول قمة مباشرة بينهما منذ عام 2019، وسط آمال دولية بإعلان هدنة اقتصادية كبرى تنهي أشهرا من الاضطراب في الأسواق العالمية وتفتح الباب أمام اختراق تجاري جديد بين اقتصادين يشكلان معا أكثر من 40% من الناتج العالمي.
وبحسب وسائل إعلام كورية، تعقد القمة في قاعة نارايمارو داخل قاعدة القوات الجوية بمطار جيمهاي الدولي، وهي القاعة ذاتها التي استخدمت في قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (APEC) عام 2005، والمجهزة بإجراءات أمنية مشددة ووسائل اتصال مغلقة.
وتأتي القمة تتويجاً لأسبوع آسيوي كثيف بالإنجازات التكتيكية للرئيس ترامب، بعد جولة دبلوماسية أعادت تموضع واشنطن في شرق آسيا عبر اتفاقات ورسوم أقل حدة مع كوريا الجنوبية، وتفاهمات تجارية مبدئية مع دول "آسيان". وكشف البيت الأبيض، وفق بيانات رسمية، عن إشارات إيجابية من بكين تتعلق بملف المعادن النادرة والتقنيات المتقدمة، ما يفتح نافذة قصيرة من الاستقرار النسبي في أسواق السلع والتكنولوجيا. غير أن هذا الهدوء مشروط بطبيعة التفاهمات نفسها، التي تبقى رهينة اختبارات التنفيذ الفعلي في قضايا حساسة مثل الفنتانيل، وضوابط تصدير الرقائق الإلكترونية، وضغوط الكونغرس على إدارة ترامب داخليا.
تصريحات تمهد لاختراق تجاري
وقبل ساعات من القمة، قال ترامب من على متن طائرته الرئاسية وهو في طريقه من اليابان إلى كوريا الجنوبية إنه يتوقع التوصل إلى صفقة عظيمة مع الصين، مضيفا: "أعتقد أننا سنحقق اتفاقا جيدا جدا، شيئا مثيرا للجميع، العالم كله يراقب". وأكد ترامب أن القمة ستركز على الرسوم الجمركية وملف المعادن النادرة ومكافحة تهريب مادة الفنتانيل، مشيراً إلى أنه لا يتوقع طرح قضية تايوان على جدول المحادثات، بحسب "بلومبيرغ". وفقاً لصحيفة "واشنطن بوست"، يسعى ترامب إلى استثمار القمة لإنهاء النزاع التجاري الذي أدى إلى تراجع الاستثمارات العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتوريد خلال الأشهر الماضية، عبر اتفاق متوازن يخفف القيود على التجارة المتبادلة ويمنح المزارعين الأميركيين منفذا جديدا إلى السوق الصينية.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت في وقت سابق رسوماً بنسبة 20% على السلع الصينية، متهمة بكين بالتقاعس عن وقف تدفق المواد الكيماوية المستخدمة في تصنيع الفنتانيل، بينما ردت الصين بإجراءات صارمة على صادرات المعادن والتقنيات الحساسة بحجة الأمن القومي. ويتوقع أن يتضمن الاتفاق المبدئي التزام الصين بمضاعفة وارداتها من المنتجات الزراعية الأميركية، مقابل خفض تدريجي للرسوم المفروضة على السلع الإلكترونية والمعادن، وهو ما اعتبره اقتصاديون في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي بداية عملية لاستعادة التوازن التجاري بين البلدين بعد عامين من التصعيد الجمركي.
المعادن النادرة في صدارة المباحثات
وتحتل قضية المعادن النادرة موقعا رئيسيا في القمة، بعدما فرضت بكين هذا الشهر قيوداً موسعة على تصديرها، شملت تقنيات المعالجة والتكرير، وهي معادن تدخل في صناعة الرقائق الدقيقة والأسلحة الذكية والسيارات الكهربائية والطائرات. وبحسب بيانات وزارة الصناعة الصينية، تسيطر بكين على نحو 70% من الإنتاج العالمي وأكثر من 90% من عمليات التكرير. وقال مسؤول أميركي لرويترز إن بلاده تعمل على تأمين بدائل استراتيجية، مشيرا إلى الاتفاق الذي وقعه ترامب مع اليابان، الثلاثاء الماضي، لإنشاء مخزون مشترك من المعادن الحيوية وتطوير عمليات التعدين في أستراليا وتايلاند. ويرى خبراء أن موافقة الصين على تعليق القيود لمدة عام - في حال إقرارها - تمثل تنازلاً نادراً من بكين، لكنها لن تغير هيمنتها على سلسلة التوريد العالمية في الأجل القصير، بل تمنحها ورقة تفاوضية في المستقبل.
معركة المستقبل
إلى جانب التجارة التقليدية، تبرز قضية الرقائق المتقدمة والذكاء الاصطناعي بوصفها أحد محاور التوتر المستمر بين البلدين. وقال ترامب للصحافيين إنه قد يناقش مع الرئيس شي ملف شرائح شركة إنفيديا، واصفا شريحة "بلاكويل GB200" بأنها السوبر دوبر تشيب، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة متقدمة بعشر سنوات في تكنولوجيا الرقائق على أي منافس آخر، وفق شبكة سي إن بي سي.
وتأتي هذه التصريحات بعدما منعت بكين أخيراً استيراد رقائق إنفيديا من طراز H20، في خطوة فسرها محللون بأنها ورقة ضغط سياسية بعد سماح واشنطن في يوليو/ تموز الماضي بعودة تصدير النسخ المخصصة للصين.
وبحسب تحليل نشره البروفيسور رانا ميتر، من جامعة هارفارد، بموقع "ذا كونفرسيشن" الأكاديمي، فإنّ طبيعة القضايا المطروحة اليوم تشبه إلى حد بعيد ما نوقش قبل ست سنوات، لكنّ التوازنات تغيرت جذرياً. ففي حين كانت واشنطن تضغط حينها لفتح الأسواق الصينية أمام التكنولوجيا الأميركية، أصبحت اليوم تواجه شبكة آسيوية متكاملة تقودها بكين وتضم دول "آسيان" التي ارتفع حجم تجارتها مع الصين إلى 771 مليار دولار عام 2024، مقابل 659 مليار دولار فقط مع الولايات المتحدة. ويضيف ميتر أن موقف واشنطن من تايوان بدا أكثر مرونة في الولاية الثانية لترامب، إذ تم تجميد صفقة أسلحة بقيمة 400 مليون دولار لتفادي التصعيد مع بكين، رغم بقاء الالتزام الرسمي بدعم الدفاع الذاتي للجزيرة.
جولة آسيوية مكثفة
تأتي القمة في ختام جولة آسيوية استمرت ستة أيام شملت اليابان وماليزيا وتايلاند وكمبوديا، شهدت توقيع ثماني اتفاقيات تجارية تتعلق بالمعادن والرقائق والسفن والطاقة. وفي طوكيو، وقع ترامب مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي اتفاقاً لتخفيض الرسوم على الواردات اليابانية إلى 15%، مقابل استثمارات بقيمة 550 مليار دولار في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا داخل الولايات المتحدة، فيما تم الاتفاق مع كوريا الجنوبية على استثمارات بقيمة 350 مليار دولار قيد النقاش. أما في ماليزيا وكمبوديا، فأعلن البيت الأبيض عن اتفاقات جديدة لتقليص الحواجز التجارية ودعم الاستثمارات الصناعية والرقمية.
وفي تايلاند وكمبوديا، ساهمت واشنطن في رعاية اتفاق لوقف إطلاق النار يقلص المخاطر الحدودية على الطرق الإقليمية الحيوية، وفق أسوشييتد برس. كما وقعت الولايات المتحدة مع باكستان صفقة مزدوجة للطاقة والتجارة تشمل تطوير احتياطيات النفط وخفضا متبادلا للرسوم، بحسب "رويترز". ويرى محللون أن واشنطن تسعى من خلال هذه الاتفاقيات إلى بناء حزام اقتصادي جديد يوازن النفوذ الصيني في آسيا، ويعيد تأكيد مبدأ الأمن عبر الاقتصاد الذي تبناه ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض في مطلع العام.
الأسواق تترقب بحذر
وفي الأسواق العالمية، ارتفع مؤشر S&P 500 الأميركي إلى مستوى قياسي مساء الثلاثاء، مدعوما بتفاؤل المستثمرين حيال نتائج القمة، فيما تراجع الذهب دون أربعة آلاف دولار للأونصة، في إشارة إلى انخفاض المخاوف من التصعيد التجاري. غير أن محللين حذروا من أن أي تفاهم سيتم التوصل إليه اليوم لن يتجاوز كونه هدنة مؤقتة، نظرا لاستمرار الخلافات حول التكنولوجيا الفائقة والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد. ويجمع معظم المراقبين على أن قمة بوسان ستسفر عن اتفاق نوايا أكثر منها معاهدة اقتصادية شاملة، إذ سيكتفي الجانبان بخفض جزئي للرسوم وتبادل خطوات لبناء الثقة دون معالجة جوهر الخلافات.
وتقول صحيفة ذا إيكونوميست إن أي اتفاق سيعد هدنة مؤقتة تمنح الاقتصاد العالمي متنفساً لكنها لا تنهي التنافس الاستراتيجي بين القوتين. ومن المتوقع في ختام القمة إصدار بيان مشترك يؤكد الالتزام بالحوار وتجنب التصعيد، مع الإشارة إلى أهمية الاستقرار المالي العالمي، بينما تتابع الأسواق والدوائر السياسية في واشنطن وبكين ما إذا كانت الهدنة ستصمد أم تتحول إلى جولة جديدة من الحرب الاقتصادية.