هدنة ترامب وشي: تجميد الحرب التجارية وخفض الرسوم المتبادلة
استمع إلى الملخص
- شمل الاتفاق خفض الرسوم الجمركية على الصين مقابل إجراءات ضد تجارة الفنتانيل واستئناف مشتريات فول الصويا الأميركي، ووقف ضوابط تصدير المعادن النادرة، ووقف رسوم الموانئ الأميركية الجديدة.
- العلاقة بين الولايات المتحدة والصين تظل هشة بسبب التباعد في التكنولوجيا والدفاع وحقوق الإنسان، والاتفاق قد يكون هدنة مؤقتة، مما يثير مخاوف الأسواق العالمية.
الاجتماع مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي وصفه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ"المذهل"، لم يُقنع المحللين بعمقه، ولا الأسواق بارتياح حقيقي. ورغم أن النتائج التي أُعلِنت الخميس والجمعة كانت تمديد هدنة الحرب التجارية بين عملاقي الاقتصاد لمدة عام، وفق وزارة التجارة الصينية، لم تحل بنود الاجتماع جذور الأزمة، في لقاء هو جزء من سلسلة لقاءات مقبلة بين الزعيمين خلال عام 2026، حيث صرّح ترامب بأنه سيزور الصين في إبريل/نيسان قبل أن يستقبل شي في الولايات المتحدة.
كانت المحادثات وجهًا لوجه بين ترامب وشي في مدينة بوسان الكورية الجنوبية، والتي كانت الأولى لهما منذ عام 2019، بمنزلة ختام جولة آسيوية سريعة أشاد خلالها أيضًا بالاختراقات التجارية مع كوريا الجنوبية واليابان ودول جنوب شرق آسيا. وقال ترامب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية بعد وقت قصير من مغادرته كوريا الجنوبية: "كان اجتماعًا مذهلًا"، وصنّف المحادثات بـ"12 من 10"، وذلك بعدما خرج ترامب من اللقاء متوهجًا بالحيوية، وهو يتحدث ويميل إلى شي عندما غادرا المكان، ووصفه لاحقًا بأنه "الزعيم العظيم لبلد عظيم"، وقال إن هذه هي الطريقة التي ينبغي للقوتين العظميين العالميتين أن تتعامل بها إحداهما مع الأخرى.
محاور الاتفاق
أعلن ترامب الخميس أنه اتفق مع الرئيس شي على خفض الرسوم الجمركية على الصين مقابل اتخاذ بكين إجراءات صارمة ضد تجارة الفنتانيل غير المشروعة واستئناف مشتريات فول الصويا الأميركي والحفاظ على تدفق صادرات المعادن النادرة، إضافة إلى صفقة ضخمة لشراء الطاقة الأميركية. وشرح ترامب أن الرسوم الجمركية على الواردات الصينية ستنخفض إلى 47% من 57%، من خلال خفض معدل الرسوم الجمركية المتعلقة بالتجارة في الفنتانيل من 20% إلى 10%.
وقال ترامب إن شي سيعمل "بجد شديد لوقف تدفق" الفنتانيل، وهو مادة أفيونية صناعية قاتلة تُعد السبب الرئيسي للوفيات الناجمة عن الجرعات الزائدة في الولايات المتحدة. وافقت الصين على وقف ضوابط التصدير التي أُعلنت هذا الشهر على المعادن النادرة، وهي العناصر التي تلعب أدوارًا حيوية في صناعة السيارات والطائرات والأسلحة، والتي أصبحت المصدر الأقوى للنفوذ في ما يخص بكين في حربها التجارية مع الولايات المتحدة.
وقالت وزارة التجارة الصينية في بيان إن وقف الضوابط سيستمر لمدة عام، مقابل ما وصفته باتفاق أميركي على رفع قيود موسعة على الشركات الصينية. كما صرّح ترامب بأن الصين ستشتري "كميات هائلة" من فول الصويا الأميركي وغيره من المنتجات الزراعية، مما يُخفف العبء عن المزارعين الأميركيين. وأعلنت بكين أيضًا أن الولايات المتحدة ستمدّد تعليق بعض الرسوم الجمركية المتبادلة لمدة عام، مضيفةً أنها ستعمل مع واشنطن على حل المشكلات المتعلقة بتطبيق "تيك توك".
واتفق الجانبان أيضًا على وقف رسوم الموانئ الأميركية الجديدة على السفن الصينية، التي تهدف إلى مكافحة هيمنة الصين العالمية في بناء السفن والشحن البحري والخدمات اللوجستية. وقال ترامب في منشور على موقع "تروث سوشال" إن الصين ستبدأ عملية شراء الطاقة الأميركية، ملمّحًا إلى صفقة كبيرة في ألاسكا، حيث كانت إدارته تروّج خطَّ أنابيب الغاز الطبيعي المسال المقترح بقيمة 44 مليار دولار.
هدنة هشة
قال شي لترامب عبر مترجم، في أثناء مواجهة كلّ منهما للآخر محاطين بوفودهما، في بداية الاجتماع، إنه من الطبيعي أن تحدث احتكاكات بين القوى العظمى بين حين وآخر، وأضاف أن "تنمية الصين وتجديدها لا يتعارضان مع هدف الرئيس ترامب المتمثل في جعل أميركا عظيمة مرة أخرى".
وصوّر الإعلام الرسمي الصيني اللقاء مع ترامب على أنه انتصارٌ لسياسات شي. ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) عنه قوله: "لدينا الثقة والقدرة على مواجهة جميع أنواع المخاطر والتحديات". لكن محللين يقولون إن هذا قد لا يكون أكثر من هدنة هشة في حرب تجارية لا تزال أسبابها الجذرية من دون حل. ووصف ويليام براتون، المحلل في "بي إن بي باريبا" للأوراق المالية، اتفاقيات يوم الخميس في حديث مع "وول ستريت جورنال" بأنها هامشية، وكتب أنها "لا تمثل صفقة كبرى أو إعادة ضبط واسعة النطاق للعلاقة".
وقال محللون إن شي بدا وكأنه خرج من الاجتماع بيد قوية، خاصة في ما يتعلق بالمعادن النادرة. فيما اعتبرت الصحيفة أن الانفراج يوفر الراحة لكلا الجانبين، لكنه لا يعالج التباعد الأساسي بين القوتين العظميين اللتين تتنافسان في مجالات عدة، أبرزها الذكاء الاصطناعي. ويكشف الاتفاق عن التناقض الجوهري بين ما تريده واشنطن وما ترغب بكين في تقديمه. غابت عن المحادثات القضايا الكبرى التي ذكرها ترامب عند فرض رسومه الجمركية في إبريل/نيسان، مثل السياسات الصناعية الصينية والطاقة الإنتاجية الفائضة في التصنيع ونموذج النمو المعتمد على التصدير.
وقالت إميلي كيلكريس، مديرة مركز الأمن الأميركي الجديد: "نحن نتحدث عن تخفيف حدة الإجراءات التي اتخذها الجانبان منذ تولي إدارة ترامب السلطة في هذا النوع من الحرب التجارية المتصاعدة". وتؤكد هذه النتيجة قوة النهج الجديد الذي يتبعه شي في التعامل مع الولايات المتحدة، والذي يعتمد على مجموعة واسعة من التدابير مثل ضوابط التصدير التي تُنشر بسرعة ردًّا على كل خطوة تتخذها إدارة ترامب.
وقال مسؤول مطلع على المناقشات إن الصينيين لديهم مجموعة واقعية من التوقعات لهذا اللقاء، وهذه التوقعات لا تشمل إعادة ضبط أساسية للعلاقات الثنائية، مضيفًا أن الصين ترى في هذا الأمر نقطة انطلاق نحو اجتماع أكبر يمكن من خلاله تحقيق الاستقرار في العلاقة. وقال ترامب إنه لم يناقش شريحة الذكاء الاصطناعي المتطورة التي تنتجها شركة "إنفيديا" مع شي، على الرغم من الإشارة في اليوم السابق إلى أنه قد يفعل ذلك.
وفي أغسطس/آب، ذكرت وكالة "رويترز" أن شركة "إنفيديا" تعمل على إصدار مخفّض من معالج "بلاكويل" لبيعه للصين. وفي ضربة أخرى لآمال "إنفيديا" في الحفاظ على وجودها في سوق الذكاء الاصطناعي في الصين التي تبلغ قيمتها 50 مليار دولار، نأى ترامب بنفسه عن المحادثات بشأن مبيعات شرائح "إنفيديا" هناك، قائلاً إن هذه مسألة يتعين على الشركة حلها. وقال ترامب إن القضية الخلافية المتعلقة بتايوان، الجزيرة التي تطالب بها الصين والتي تُعد شريكة للولايات المتحدة وقوة في مجال التكنولوجيا الفائقة، لم تطفُ على السطح أيضًا في المحادثات.
لكن قبل دقائق من بدء الاجتماع، أمر ترامب الجيش الأميركي باستئناف اختبار الأسلحة النووية بعد انقطاع دام 33 عامًا، مشيرًا إلى ترسانات روسيا والصين المتنامية. وقالت وزارة الخارجية الصينية يوم الخميس إنها تأمل أن تلتزم الولايات المتحدة بوقف التجارب النووية. ويبدو أن وقف القيود على السلع النادرة الذي تم الاتفاق عليه في الاجتماع سيترك القيود التي فُرضت في إبريل/نيسان، والتي تتحكم في صادرات سبعة من المعادن الأرضية النادرة، خاصة مغناطيسات المعادن الأرضية النادرة التي تشكّل أهمية حيوية لشركات صناعة السيارات والدفاع وصانعي الرقائق، مما يجعل المصانع الأميركية تواجه حالة من عدم اليقين المستمر في الحصول على المواد الأساسية.
ورغم التقدم الذي قال ترامب إنه أحرزه مع شي، فمن المرجح أن تظل العلاقة فاترة بسبب نقاط الاحتكاك الأساسية في مجالات التكنولوجيا والدفاع وحقوق الإنسان والقضايا الاقتصادية، وفق "واشنطن بوست". وقال إيان بريمر، مؤسس مجموعة أوراسيا، وهي شركة استشارية عالمية، للصحيفة الأميركية: "إذا نظرت إلى مجمل العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، فإنها في وضع أكثر تحديًا بشكل كبير، وعلى المدى الطويل، فإن المسار يتجه أكثر نحو الانفصال".
تراجعت الأسهم العالمية أمس الخميس، في حين ارتفع الدولار مقابل الين بعد أن أبقى بنك اليابان أسعار الفائدة من دون تغيير. وتراجع الأسواق مرده مخاوف من أن الهدنة قد تكون عابرة. وشهدت مفاوضات التجارة السابقة بدايات واعدة تلتها انتكاسات. وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر الأسهم الأميركية ESc1 و NQc1 بنسبة 0.1%. وارتفع الذهب بنسبة 2% ليتجاوز 4000 دولار للأونصة. وتراجع مؤشر شنغهاي المركب الصيني من أعلى مستوى له في 10 سنوات.