- يعرض صندوق النقد الدولي ثلاثة سيناريوهات لتداعيات الحرب: نزاع قصير الأمد بنمو 3.1% وتضخم 4.4%، استمرار الصراع مع نمو 2.5%، واضطرابات ممتدة بنمو 2% وتضخم 6%.
- تتعرض منطقة الشرق الأوسط لصدمة اقتصادية، مع تباطؤ النمو إلى 1.4% في السيناريو المرجعي، وتأثر الاقتصادات الناشئة وإيران بشكل حاد.
يوماً بعد يوم، تتكشف التداعيات المتصاعدة للحرب الأميركية-الإيرانية، وما رافقها من اعتداءات الأخيرة على مواقع حيوية في دول الخليج العربي، بما يعيد تشكيل مسارات الاقتصاد العالمي بصورة تتجاوز صدمة إغلاق هرمز إلى إعادة "توزيع" للتكاليف الاقتصادية ستطاول الجميع دولاً ومستهلكين.
وفي ظل تعثر جولة المفاوضات في إسلام أباد، تتجه الأنظار، والآمال أيضاً، إلى ما إذا كان بالإمكان احتواء النزاع ضمن السيناريو المرجعي الذي وضعه صندوق النقد الدولي، القائم على صراع قصير الأمد، أم أن الاقتصاد العالمي مهدد بالانزلاق نحو السيناريوهين الأكثر كلفة، بما يعنيه ذلك من تعميق لتداعيات الحرب لتصل إلى الأسعار اليومية و"جيب المستهلك" من خلال الغذاء والطاقة والنقل.
ينطلق هذا العرض من تقرير صندوق النقد الدولي الصادر قبل أيام بعنوان، "تقرير آفاق الاقتصاد العالمي - نيسان/إبريل 2026" وتحديداً من المقدمة التي صاغها كبير الاقتصاديين بيير-أوليفييه غورينشاس، باعتبارها الإطار المرجعي الأساسي، والقراءة الأحدث لتداعيات الحرب. إذ يعالج التقرير هذه التداعيات عبر ديناميات النمو والتضخم، ويعيد رسم مساراتها المحتملة في ظل تصاعد عدم اليقين العالمي. ولا تقوم قراءة الصندوق على مسار واحد أو يقين مسبق، إنما على بناء تحليلي قائم على ثلاثة سيناريوهات: مرجعي، متشائم، وشديد، تعكس جميعها درجة غير مسبوقة من هشاشة التوقعات الاقتصادية في ظل تعطّل محركات النمو الكامنة في منطقة الشرق الأوسط.
في السيناريو المرجعي، يُفترض أن يكون النزاع قصير الأمد، وفيه ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1% خلال العام الحالي، متراجعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية عن توقعات 2 يناير، بينما يرتفع التضخم الرئيسي من 4.1% في 2025 إلى 4.4% في 2026. وهذا النوع من الأرقام يبدو صغيراً على الورق، لكنه يصبح واضحاً جداً عندما نترجمه إلى حياة أسرة. مع ملاحظة أن التضخم لا يوزع بالتساوي، فالغذاء قد يرتفع 8 - 10% والنقل 6-12% والطاقة كذلك قد تندفع أعلى من تلك المستويات.
بمعنى أن هذا الرقم يعكس بداية انتقال مباشر للضغط على إنفاق الأسر. فارتفاع الطاقة والغذاء والنقل يعني عملياً أن التضخم يتحوّل من مؤشر كلي إلى تجربة يومية تمس تكلفة المعيشة، من الخبز إلى الدواء والوقود إلى أجرة النقل، أي إنه يترجم مباشرة إلى ضغط على "جيوب المستهلكين" خاصة "الغلابى".
ويفترض الصندوق في هذا السيناريو أن تتجه أسعار النفط نحو الاستقرار في النصف الثاني من 2026، بمتوسط يبلغ نحو 82 دولاراً للبرميل، وهو مستوى أدنى من أسعار السوق الفعلية التي قاربت 96 دولاراً، ما يعكس الفجوة بين افتراضات النماذج الاقتصادية وتقلبات الأسواق الفورية.
التضخم في السيناريوهات الأسوأ
أما السيناريو المتشائم، فيفترض استمرار الصراع، مع بقاء أسعار النفط قرب 100 دولار، وانخفاض النمو العالمي إلى 2.5% مقارنة بـ 3.4% في 2025. وهنا يتجاوز التضخم بوصفه مجرد ارتفاع تدريجي في الأسعار، ويتحول إلى صدمة مزدوجة؛ فارتفاع أسعار الطاقة سيرفع كلفة الإنتاج في علاقة مُسلّم بها، وزيادة كلفة الإنتاج تنتقل إلى الغذاء والخدمات، ثم تعود إلى المستهلك على شكل "صدمة" تضخم واسعة يصعب احتواؤها من جهة، ويكلف احتواؤها الموازنات والميزانيات أعباء إضافية من جهة ثانية. وهذا ما يجعل هذا السيناريو قريباً من منطقة الخطر، حيث تتآكل الدخول الحقيقية حتى مع ثباتها الاسمي.
وفي السيناريو الوسطي (المتشائم)، يفترض الصندوق استمرار النزاع لفترة أطول، مع بقاء أسعار النفط عند نحو 100 دولار في 2026 وتراجعها إلى 75 دولاراً في 2027، بالتوازي مع انخفاض النمو العالمي إلى 2.5%. لكن الأهم هنا طبيعة التضخم نفسه وليس مستوى النمو فقط؛ إذ يصبح أكثر رسوخاً وأقل قابلية للانحسار، ما يدفع البنوك المركزية إلى إبقاء سياسات نقدية مشدّدة (رفع الفائدة وتقليل السيولة وشروط إقراض أصعب) لفترة أطول، وهو ما ينعكس عملياً على حياة المواطنين من خلال ارتفاع كلفة القروض وتراجع القدرة على الاقتراض، وزيادة أسعار السلع الأساسية والطاقة والنقل، ومن ثم تآكل القدرة الشرائية للأسر بشكل مباشر، بما يضع ضغطاً متزايداً على الاستهلاك اليومي و"جيب المستهلك".
أما السيناريو الشديد، فيفترض اضطرابات ممتدة في أسواق الطاقة قد تدفع الاقتصاد العالمي إلى الاقتراب من الركود، مع نمو يقارب 2% وتضخم عالمي يقترب من 6%. وفي هذا المستوى، يتحول التضخم إلى عامل هيكلي، وليس مؤقتاً، إذ يترافق مع ارتفاع أسعار النفط إلى 110 دولارات في 2026 و125 دولاراً في 2027. وعند هذه النقطة، يظهر السؤال الجدير عن قدرة الأسر على الاستمرار في الاستهلاك الأساسي. لأن التضخم، هنا، يضغط على الغذاء والطاقة والسكن وليس على الكماليات فحسب.
الشرق الأوسط ذروة الصدمة
وعلى الرغم من أن السيناريو المرجعي يفترض عودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته بحلول منتصف 2026، لن يمنع حدوث تباطؤ حاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ إلى 1.4%، مع خسارة قدرها 2.3 نقطة مئوية. غير أن هذا الرقم يخفي تباينات حادة، حيث تتعرض الاقتصادات الناشئة لضغط أكبر بسبب اعتمادها على الطاقة، في حين يتراجع نموها إلى 3.9%.
وتبلغ الصدمة ذروتها في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، حيث ينخفض النمو إلى 1.9%، مع انكماشات حادة في إيران (6.1%) وقطر (8.6%) والعراق (6.8%)، مقابل تراجعات أقل في الكويت (0.6%) والبحرين (0.5%)، مع افتراض تعافٍ سريع في حال كان النزاع قصيراً، حيث يرتفع النمو إلى 4.6% في 2027.
إيران تمثل الحالة الأكثر وضوحاً لتداخل الحرب بالعقوبات والهشاشة الاقتصادية المزمنة. فوفق قاعدة بيانات التوقعات الاقتصادية العالمية، تراجع ناتجها المحلي من 401 مليار دولار في 2024 إلى 341 مليار دولار في 2025، بخسارة تقارب 60 مليار دولار. أما دخل الفرد فقد انخفض إلى 3,897 دولاراً سنوياً، أي نحو 325 دولاراً شهرياً، وهو مستوى يعكس تآكلاً شديداً في القدرة الشرائية، خصوصاً في ظل تضخم مرتفع يجعل القيمة الحقيقية للدخل أقل بكثير من قيمته الاسمية.
وفي المحصلة، يعيد تقرير الصندوق رسم مسارات النمو، ويكشف في الوقت نفسه، كيف تتحول اضطرابات مضيق هرمز إلى موجة تضخمية تمتد آثارها مباشرة إلى حياة الناس اليومية. فبينما تتحدث النماذج عن نقاط مئوية، نجد أن المستهلكين، ونحن منهم، يترجمونها المستهلك في إيجار السكن، وفي سلة الغذاء اليومية، وفي كلفة التنقل، أي في قلب "جيب المستهلك" نفسه. ومن هنا، تبدو التمنيات ملحّة، بأن يبقى الاقتصاد العالمي ضمن حدود السيناريو الأول، الأقل كلفة والأكثر قابلية للاحتواء، تفادياً لانزلاق نحو الأسوأ.