همتي محافظاً للبنك المركزي الإيراني: كبح التضخم وضبط سوق الصرف

31 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:42 (توقيت القدس)
محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي، طهران في 2 مارس 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تم تعيين عبد الناصر همتي محافظًا للبنك المركزي الإيراني لمواجهة تدهور الريال واضطرابات سوق الصرف، مع التركيز على كبح التضخم وإدارة عجز البنوك، مشيرًا إلى أن عجز الموازنة والفساد يساهمان في ارتفاع التضخم.

- همتي يتمتع بخبرة في إدارة البنك المركزي خلال فترات صعبة، لكن التحديات الحالية تتطلب تحسين العلاقات الخارجية وتخفيف العقوبات لتحقيق فعالية سياساته.

- تعيين همتي أثار ردود فعل متباينة؛ المحافظون انتقدوا عودته بسبب سجله السابق، بينما يرى البعض أن خبرته قد تساعد في تحقيق استقرار نسبي.

أكد محافظ البنك المركزي الإيراني الجديد عبد الناصر همتي، اليوم الأربعاء، على هامش الاجتماع الأسبوعي للحكومة، أن "الواجب الأساسي للبنك المركزي يتمثل في كبح التضخم، وضبط سوق الصرف، والإشراف على عمل البنوك"، مشددًا على أنه سيكون مسؤولًا عن الأداء في هذه المجالات خلال المرحلة المقبلة. وأضاف همتي، في أول تصريحاته عقب تعيينه، لوسائل إعلام إيرانية، أن "السبب الرئيسي لارتفاع معدلات التضخم هو عجز الموازنة الحكومية واختلال التوازن في القطاع المصرفي"،

وأوضح أن "عجز الموازنة يُفرض على البنك المركزي، ولا دور له في نشوئه، إلا أنه يستطيع التحكم في آثاره وتداعياته". وشدد رئيس البنك المركزي على أن ظاهرة الفساد والريع الناجمة عن تعدد أسعار الصرف سيتم القضاء عليها بشكل حتمي. في السياق ذاته، وعد همتي بالتشاور مع نواب البرلمان، مستدركًا: "إلا أنني ملزم باتخاذ القرارات الاقتصادية استنادًا إلى ما أراه صحيحًا، وبالاعتماد على علم الاقتصاد، والظروف الاقتصادية للبلاد، وخبرتي العملية".

وكانت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، قد أعلنت في وقت سابق من اليوم الأربعاء، تعيين عبد الناصر همتي محافظًا جديدًا للبنك المركزي الإيراني، خلفًا لمحمد رضا فرزين الذي قدم استقالته في وقت سابق من الأسبوع، على خلفية التدهور الحاد وغير المسبوق في قيمة الريال الإيراني خلال الأسابيع الأخيرة، إذ بلغ سعر الصرف للمرة الأولى نحو مليون و460 ألف ريال للدولار الواحد قبل أن يتراجع في معاملات اليوم إلى مليون و381 ألف ريال.

وأضافت مهاجراني، في منشور لها على منصة "إكس"، أن همتي حصل على أعلى عدد من الأصوات من الخبراء في المجال المصرفي، قبل أن ينال ثقة الحكومة ويُعيَّن في المنصب. وأشارت إلى أن همتي حدّد ثلاثة محاور رئيسية لبرنامجه محافظاً جديداً للبنك المركزي، تتمثل في احتواء التضخم، والسيطرة على سوق العملات من خلال إنهاء الفساد وتعدد أسعار الصرف، وإدارة عجز البنوك ومنع السحب المفرط من حسابات المصارف لدى البنك المركزي.

وكان عبد الناصر همتي قد شغل منصب وزير الاقتصاد والمالية في الحكومة الإيرانية الحالية، غير أن البرلمان عزله مطلع مارس/آذار الماضي، على خلفية ما اعتبره النواب ضعفًا في أدائه في كبح جماح الغلاء وارتفاع الأسعار. 

من هو عبد الناصر همتي؟

وُلد همتي عام 1956 في مدينة كبودر آهنگ بمحافظة همدان غربي إيران، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة طهران، ويُعرف بوصفه أحد مؤسسي قطاع التأمين الأهلي في إيران. وبدأ همتي مسيرته المهنية في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، وتقلّد فيها عدة مناصب إدارية، من بينها نائب رئيس الهيئة للشؤون السياسية.

وتولى لمدة 12 عامًا رئاسة هيئة التأمين المركزي الإيراني، كما شغل عضوية اللجنة الاقتصادية في المجلس الأعلى للأمن القومي لمدة خمس سنوات. وعلى الصعيد الدبلوماسي، عمل همتي سفيرًا لإيران في الصين بين عامي 2016 و2018، ثم شغل منصب محافظ البنك المركزي الإيراني بين عامي 2018 و2021. وفي أغسطس/آب 2018، عيّن الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني همتي محافظًا للبنك المركزي، غير أنه أُقيل من منصبه في يونيو/حزيران 2021 بسبب ترشحه للانتخابات الرئاسية.

وكان همتي قد صرّح لاحقا أن عزله جاء نتيجة خلافات في الرؤى الاقتصادية بينه وبين روحاني. وفي عام 2024، ترشّح همتي للمرة الثانية للانتخابات الرئاسية، بعد مشاركته الأولى في انتخابات عام 2021. ويُحسب عبد الناصر همتي على التيار الإصلاحي الإيراني، وهو عضو سابق في المجلس المركزي لحزب كوادر البناء، الذي كان محسوبًا في بداياته على تيار اليمين الوسطي المقرب من الرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، قبل أن يلتحق لاحقًا بالأحزاب والتيارات الإصلاحية. 

ماذا بعد تعيين همتي؟

من جانبها، قالت الخبيرة الاقتصادية والمصرفية كتايون ملكي لـ"العربي الجديد"، إن تعيين عبد الناصر همتي محافظًا للبنك المركزي جاء في وقت يشهد سوق الصرف اضطرابات وتقلبات حادة، انتقلت من دورات تمتد لأيام إلى تذبذبات تحدث خلال ساعات، ما أثّر سلبًا على الأنشطة الاقتصادية وقيّد أفق التخطيط. وأضافت أن تقييم قدرة همتي على تحقيق استقرار سوق الصرف وتحسين قيمة الريال يمكن الاستناد فيه إلى خبرته السابقة، إذ تولى رئاسة البنك المركزي عام 2018 عقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي واشتداد العقوبات، وتمكّن رغم التقلبات من إدارة الأوضاع النقدية لثلاث سنوات.

وأوضحت ملكي أن الفارق بين تلك المرحلة والمرحلة الراهنة يكمن في تصاعد التحديات المرتبطة بالتجارة الخارجية وعودة العائدات بالعملة الأجنبية، ما يجعل توفير النقد الأجنبي أكثر صعوبة. كما أشارت إلى أن اعتماد موازنة انكماشية للعام المقبل يعكس صعوبة بيع النفط، إلى جانب تصاعد التهديدات الأمنية ووصف بعض المسؤولين الوضع بأنه "ظرف حربي"، كل ذلك يزيد من تعقيد مهمة همتي مقارنة بفترته السابقة.

وأكدت أن معالجة مشكلات الاقتصاد وتراجع الريال لا يمكن أن تتحقق عبر سياسات البنك المركزي وحدها، معتبرة أن جوهر الأزمة يرتبط بتدهور العلاقات التجارية مع العالم. وأضافت أن سياسات همتي قد تكون فاعلة فقط في حال تحسن العلاقات الخارجية وتراجع العقوبات. ولفتت إلى أن السوق شهد انخفاضًا مؤقتًا في سعر الصرف بنحو 70 ألف ريال عقب أنباء عن تعيينه خلال الأيام الماضية، قبل الإعلان عنه اليوم رسميا، لكنه تلاشى سريعًا بعد انتهاء الحالة الانفعالية مع عودة السوق إلى مسار الارتفاع، مؤكدة أن استمرار العقوبات والظروف ذات الطابع الحربي يحدّان من فعالية أي سياسة نقدية.

وخلصت ملكي في حديثها مع "العربي الجديد" إلى أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه السياسات في الوضع الحالي هو دور "المسكن المؤقت" لمنع الارتفاع الحاد في سعر الصرف، مؤكدة أنه في ظل شح النقد الأجنبي واستنزاف الاحتياطيات، لا يمكن التعويل على سياسات همتي لإنقاذ الوضع الاقتصادي الراهن في إيران.

 إلى ذلك، قال الخبير الاقتصادي الإيراني مرتضى ميري لـ"العربي الجديد" إن اختيار عبد الناصر همتي لا يُعدّ، برأيه، خطوة في اتجاه تحقيق استقرار سوق الصرف بشكل فعلي، موضحًا أن السياسات التي انتهجها في السابق جرى اختبارها ولم تفض إلى هذا الاستقرار. وأضاف أن من بين العوامل التي ساهمت في تفاقم اختلال ميزان العرض في سوق العملات، مع بداية العقوبات وبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، كانت سياسات همتي حين تولى رئاسة البنك المركزي، ولا سيما تلك التي أدّت إلى تقييد الصادرات غير النفطية.

وأشار ميري إلى أن جوهر مشكلة الاقتصاد الإيراني وتراجع قيمة الريال يعود أساسًا إلى تردي العلاقات الدولية والعزلة التي تعانيها إيران، ما أفقد اقتصادها القدرة على تحقيق تدفقات مستقرة من العملات الأجنبية، موضحًا أن هذا الاختلال في الميزان النقدي يفرض ضغوطًا متزايدة على الاقتصاد ويؤدي إلى إضعاف قيمة العملة الوطنية الإيرانية. 

وأكد الخبير الاقتصادي أنه في ظل هذه الظروف، لا يستطيع لا محافظ البنك المركزي ولا وزير الصناعة والتعدين والتجارة، ولا أي جهة حكومية أخرى، حلّ المشكلات الاقتصادية الراهنة بمفردها، مشددًا على أن تجاوز الأزمة يتطلب تغييرًا شاملًا في النهج الحاكم، قائمًا على تحسين العلاقات الدولية وإعطاء الأولوية للاقتصاد في السياسات الخارجية، محذرا من أن استمرار الوضع القائم يعني، أن هذه المشكلات ستبقى من دون حل.

ردات فعل وانتقادات

وأثارت عودة همتي إلى رئاسة البنك المركزي ردات فعل متباينة في الأوساط الاقتصادية الإيرانية، تراوحت بين الدعم والأمل في خبرته الإدارية، وبين انتقادات حادة لسجله السابق وللأبعاد السياسية لهذا التعيين. وفي هذا السياق، تسببت أنباء عودته في تصاعد انتقادات المحافظين، ولا سيما أنه سبق أن أُقيل بقرار من برلمان ذي أغلبية محافظة. وفي ردة فعل على تعيينه، كتبت وكالة مهر الإيرانية المحافظة أن "الوزير الاقتصادي الذي استُجوب بسبب الارتفاع المنفلت في سعر الصرف، يعود إلى البنك المركزي في وقت تتصاعد أسعار العملات يومًا بعد يوم". 

وأضافت الوكالة أنه في الوقت الذي ينتظر فيه المواطنون قرارات حاسمة وفعالة من الحكومة، في ظل الارتفاع المتواصل في أسعار الذهب والعملات، جرى عزل محمد رضا فرزين، محافظ البنك المركزي، ليُعيَّن بعد ذلك عبد الناصر همتي، الذي كان قد قُدّم في بداية الحكومة الرابعة عشرة وزيرًا للاقتصاد، ثم أُقيل في 2 مارس/آذار 2025 بعد الارتفاع الحاد في أسعار الصرف، محافظًا جديدًا للبنك المركزي في خطوة وصفتها بـ"اللافتة والمثيرة للتساؤلات".

المساهمون