ورطة الموازنة العمّالية: رهان في بريطانيا على "لحظة الانعطاف"

26 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 05:12 (توقيت القدس)
راشيل ريفز في كلمة في داونينغ ستريت، لندن، 4 نوفمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه بريطانيا تحديات اقتصادية كبيرة مع تقديم موازنة حساسة تهدف لمعالجة تكاليف المعيشة المرتفعة وإصلاح الاقتصاد، وسط قلق الأسواق من تأثيرات ضريبية جديدة.

- تشمل الموازنة إجراءات لتحقيق توازن بين دعم المواطنين والانضباط المالي، مثل تخفيض ضريبة القيمة المضافة على فواتير الطاقة، لكنها تتضمن زيادات ضريبية متعددة لجمع الإيرادات.

- رغم تراجع التضخم واستعداد الأسواق لخفض الفائدة، تظل الحياة اليومية معقدة مع تغيير الأسر لنوعية مشترياتها وارتفاع حالات الإفلاس، مما يعقد المشهد الاقتصادي.

تنتظر بريطانيا، اليوم الأربعاء، واحدة من أكثر الموازنات حساسية منذ سنوات، في خطوة تصفها الحكومة بـ "لحظة الحسم" في مواجهة تكاليف المعيشة. القلق يسيطر على حزب العمال الحاكم، كذا على الأسواق. الأول تعهد في الانتخابات العامة (البرلمان البريطاني) التي جرت في 4 يوليو/تموز 2024، على لسان راشيل ريفز وزيرة الخزانة، بإصلاح المالية العامة والاقتصاد المأزوم الذي زعمت أنه تُرك من المحافظين في أسوأ حالاته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

إلّا أنه حتى اللحظة، لا يزال الحزب يتخبط بسياسات قاصرة عن تعزيز النمو، وسط استمرار تصاعد تكاليف المعيشة. أما الشركات، فتواجه القلق من سلة ضريبية تعيد خلط أوراقها الاستثمارية وتنعكس تراجعاً في ثقة الأسواق. "التكهنات بشأن الميزانية قبل يوم الأربعاء كانت مزعزعة للاستقرار على نحوٍ لا يُصدق"، وفق تصريحات ريفز، محاوِلةً حثّ نواب حزب العمال خاصّة على دعم ميزانيتها التي تحدد مصير البلاد أو مصيرها، وفق "الغارديان".

وتستعد ريفز إلى زيادة كبيرة في الميزانية لتمكينها من الوفاء بقواعدها المالية، والتي تهدف إلى تحقيق 20 مليار جنيه إسترليني. بداية في الشق الاجتماعي، فقد ألمحت ريفز، في تصريحات عدّة إلى أن هدف الموازنة ليس خفض التضخم فحسب، بل "إعادة الأمل إلى الأسر" من خلال تقليص الضغط المالي.

وذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن الحكومة تدرس تخفيض ضريبة القيمة المضافة على فواتير الطاقة المنزلية، وهو إجراء قد يوفّر للأُسر نحو 80 جنيهاً سنوياً بيد أنّه، سيكلّف الخزانة العامة 2.5 مليار جنيه، ما يعكس صعوبة الموازنة بين دعم المواطنين والالتزام بقواعد الانضباط المالي.

وتعليقا على هذا المشهد، قال إدوارد ألينبي، كبير الاقتصاديين في مؤسسة أوكسفورد إيكونوميكس (Oxford Economics)، في تعليق خاص لـ "العربي الجديد"، إنّ بريطانيا "اقتصاد صغير ومفتوح"، وبالتالي "أكثر عُرضة للصدمات الخارجية مقارنة بالعديد من الاقتصادات النظيرة".

وتابع: "نعتقد أن أكبر خطر يواجه توقعات التضخم الحالية لا يعود إلى الأسواق العالمية، بل إلى موازنة المملكة المتحدة المرتقبة، والمخاطر فيها ثنائية الاتجاه. فإذا قدّمت الحكومة حزمة مالية تشدّد السياسة بشكل كبير، فمن المرجح أن يؤدي ذلك إلى تخفيف الضغوط السعرية، خصوصاً إذا تضمنت الحزمة إجراءات تؤثر مباشرة في التضخم، مثل خفض ضريبة القيمة المضافة المفروضة على فواتير الطاقة المنزلية. أما السيناريو المعاكس، فيتمثل في أن الجنيه الإسترليني يتداول حالياً عند مستوى أعلى بكثير من قيمته العادلة أمام الدولار، وإذا أدت الموازنة إلى فقدان الأسواق ثقتها، فإنّ الإسترليني سيكون عُرضة للانخفاض. وهذا من شأنه أن يفاقم المشكلات التضخمية القائمة، خصوصاً في القطاعات الأكثر اعتماداً على الواردات، ويبطئ عودة التضخم إلى المستوى المستهدف البالغ 2%".

وشرح ألينبي أن "مسار الأسعار في بريطانيا خلال الفترة المقبلة سيعتمد إلى حدّ كبير على توازن القوى التي تتحكم في قدرة الشركات على التسعير"، وأضاف "من جهة، قد تسعى الشركات إلى إعادة بناء هوامش أرباحها بدل تمرير مكاسب انخفاض التكاليف إلى المستهلكين، خصوصاً أن مستويات الربحية لا تزال منخفضة جداً بعد الزيادات الأخيرة في تكاليف العمالة والطاقة.

ومن جهة أخرى، كان أداء إنفاق المستهلكين في المملكة المتحدة ضعيفاً في السنوات الماضية، في وقت باتت فيه الأسر تدّخر نسبة كبيرة من دخولها على نحو غير معتاد. وهذا يعني أن قرارات التسعير لدى الشركات ستقوم على إيجاد توازن بين رغبتها في إعادة بناء هوامش الأرباح والحفاظ على القدرة التنافسية وسط ضعف الطلب الاستهلاكي. وبناءً على ذلك، ما زلنا نرى مجالاً لانحسار الضغوط التضخمية خلال العامَين المقبلَين".

على الجانب الآخر، أعلنت ريفز قبل عام "لن نضطر إلى إعداد ميزانية كهذه مرة أخرى أبداً"، مؤكّدة أنها أعادت الاستقرار للمالية العامة في محاولتها الأولى ولن تعود للمطالبة بمزيد من الزيادات الضريبية، وعندما تقدم ريفز ميزانيتها السنوية الثانية اليوم الأربعاء، فمن المتوقع أن تعلن عن جولة أخرى من الزيادات الضريبية الضخمة، وهو ما من شأنه أن يختبر ثقة حزب العمال الحاكم ويثير التدقيق من جانب سوق السندات غير المستقرة.

وفي أوائل نوفمبر/تشرين الثاني، بدا أن ريفز تضع الأساس لزيادة معدل ضريبة الدخل، محذرة من أن الالتزام بوعد انتخابي بعدم رفعها من شأنه أن يعني تخفيضات كبيرة في الاستثمار.

ولقد صدم المستثمرون عندما أعلنت مصادر حكومية عن تحول واضح في موقفها: لن ترتفع ضريبة الدخل، ما أثار احتمال فرض زيادات ضريبية متعدّدة أصغر حجماً مع مكاسب غير واضحة في الإيرادات. ومن المرجح أن يكون الإجراء الأكبر لجمع الإيرادات في الموازنة المقبلة، هو تمديد التجميد الحالي على شرائح ضريبة الدخل لمدة عامين، وهو ما يدر ما يصل إلى 8 مليارات جنيه إسترليني بحلول عام 2029-2030، وفقاً لمعهد الدراسات المالية، كما سيجري تطبيق ضريبة مجلسية جديدة على المنازل التي تزيد قيمتها عن مليونَي جنيه إسترليني، ومن المتوقع أيضاً زيادة الضرائب على المقامرة وزيادة الرسوم على الكحول والتبغ، فضلاً عن فرض رسوم محتملة قدرها 3 بنسات لكل ميل للسيارات الكهربائية بدءاً من عام 2028، بحسب "فايننشال تايمز".

ومن المرجح أن تعد ريفز باتخاذ إجراءات جديدة لجمع الضرائب غير المدفوعة ومكافحة الاحتيال، وهي الوسيلة التي اعتاد المستشارون استخدامها لتخصيص بضعة مليارات من الدولارات من الإيرادات الإضافية. من المقرر خفض المخصص السنوي للادخار النقدي المعفى من الضرائب في حسابات التوفير الفردية (من 20,000 جنيه إسترليني إلى 12,000 جنيه إسترليني)، ومن الممكن زيادة معدل ضريبة الأرباح. ومن المرجح أن يكون الإعلان عن الإنفاق الأكبر هو إلغاء الحد الأقصى لطفلين في المملكة المتحدة البالغ 3 مليارات جنيه إسترليني.

وأعلنت ريفز بالفعل عن سلسلة من الإجراءات للسيطرة على فواتير المنازل، بما في ذلك تجميد أجور القطارات ورسوم الوصفات الطبية، وتخصيص أموال لمراكز الصحة المجتمعية والملاعب ومكتبات المدارس، كما بحث الوزراء تخفيضات ضريبة القيمة المضافة على تكاليف الطاقة المنزلية. يأتي ذلك، فيما تشهد حالات الإفلاس في المملكة المتحدة ارتفاعاً حاداً، بحسب "بلومبيرغ"، إذ إنّ أي سياسات حكومية جديدة من شأنها رفع تكاليف الأعمال من شأنها أن تفرض المزيد من الضغوط على القطاعات الضعيفة، تعكس هذه الزيادة تأثير التدابير المُعلنة في ميزانية العام الماضي، بما في ذلك رفع الحد الأدنى للأجور وخفض معدلات إعفاء الشركات، وفقاً لشركة كوفاس إس إيه.

وأظهرت البيانات التي حللتها الشركة ارتفاع حالات الإعسار بنسبة 3.9% على أساس سنوي بين مايو وأكتوبر. ويُخشى أن يتفاقم الوضع بسبب سياسات الهجرة الأكثر صرامة، والتي قد تُفاقم نقص العمالة في القطاعات الرئيسية. من ناحيتها، لم تنتظر البنوك التجارية قرار بنك إنكلترا بشأن أسعار الفائدة، إذ بادرت منذ بداية نوفمبر إلى خفض أسعار الرهن العقاري في سباق واضح على جذب العملاء قبل نهاية العام. وفي الوقت الذي تتحرك فيه المؤشرات الاقتصادية ببطء نحو الاستقرار، يبقى الواقع أكثر قسوة داخل المتاجر ومحلات السوبر ماركت.

فقد أظهرت هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي في تقرير نشرته في 19 نوفمبر أن الأسر البريطانية ما تزال تشتري تقريباً الكمية نفسها من الطعام كما في السابق، لكنها تغيّر نوعية السلة بدل كميتها، المزيد من الخضروات وأقل من اللحوم والعودة إلى المواد الأساسية على حساب الخيارات المتنوعة. وتشير التطورات إلى مفارقة لافتة: الاقتصاد يعطي إشارات تهدئة، والأسواق تستعد لخفض الفائدة، والبنوك تخفض أسعار الرهن، والحكومة تتحضر لموازنة تقول إنها ستعيد التوازن، بيد أنّ موائد الطعام لم تطاولها بعد ملامح التحسّن.

إذ لم تنخفض الأسعار على نحوٍ ملموس في بريطانيا بعد، بيد أنّ الهواء الاقتصادي تغيّر أخيراً. فبعد عامين من الارتفاعات المتلاحقة، بدأ التضخم يتراجع ببطء ومعه بدأت الأسواق والقطاع المصرفي والحكومة تتصرّف وكأنّ مرحلة الأزمة الشرسة أوشكت على الانتهاء. مع ذلك، تبدو معادلة الحياة اليومية أكثر تعقيداً؛ إذ تبدو إشارات الانفراج موجودة في الأرقام وغائبة عن الجيوب.

المساهمون