"الأفضل أنْ أُجنّ في البرّية": جاذبٌ بأسئلته ومناخه وتفاصيله المذهلة
استمع إلى الملخص
- يستعرض الفيلم حياة شقيقين توأمين في مزرعة نائية، حيث تتشابك حياتهما مع الطبيعة في تجربة مليئة بالتناقضات، مما يضفي طابعًا فريدًا ومثيرًا للتفكير.
- يتميز الفيلم بجماليات تصويرية وسردية، ويطرح أسئلة فلسفية حول العيش في عزلة والعودة إلى حياة بدائية، مما يجعله تجربة سينمائية ممتعة.
فوز "الأفضل أنْ أُجنّ في البرّية"، للسلوفاكي ميرو ريمو، بالجائزة الكبرى ـ الكرة البلورية (25 ألف دولار أميركي تُمنح للمخرج والمنتجين) للدورة 59 (4 ـ 12 يوليو/تموز 2025) لـ"مهرجان كارلوفي فاري السينمائي"، يُثير تساؤلاً غير نقديّ: إلى أي حدّ يُمكن لتوقّع الفوز بجائزة أنْ يتحقّق؟
بعد مشاهدته في عرضٍ صحافي سابق على إعلان النتائج (مساء 12 يوليو/تموز 2025)، وكعادة مُسلّية لا تخلو من سخرية من الذات أساساً، يتبارى زملاء/زميلات في توقّع (بل "تحديد") الفوز، والبعض يقول بالجائزة الكبرى، لأسبابٍ مرتبطة بالمحليّ التشيكي، وبحساسية الموضوع، وبرغبةِ المهرجان في كلامٍ نافعٍ بخصوص الحياة اليومية في مجتمعات استهلاكية، والانفضاض عنها إلى البرّية، أي إلى الطبيعة بما تملكه من مقوّمات عيشٍ مختلف.
والفوز، إذْ يؤكّد "صحّة" التوقّع/التحديد، يُلغَى من كلّ تفكيرٍ في نقاش نقدي، تتخلّله مقارنات بين الأفلام المُشاهَدة (هذا طبيعي في كلّ مهرجان، إذْ يصعب التخلّص كلّياً من تلك المقارنات لحظة المُشاهدة في مهرجان ما). فالفيلم، المأخوذ من كتاب بالعنوان نفسه (2019)، لأليش بالان ويان شيبيك (ثماني مقابلات مع أناس "يعيشون خارج الحضارة"، كما في تعريفٍ به)، جاذبٌ في تفاصيله المُصوّرة (دوشان هوسار وريمو) بعدسة تُسحر بجماليات المُلتَقط، والأخير (المُلتَقط) مُعبّأ بأسئلة تُتدَاول كثيراً، لكنّ قلّةً تتمكّن من إجابات شبه محسومة، تُترجَم (الإجابات) بالتزام محتواها.
الفيلم نفسه، بمفرداته الجمالية، يوهم (لكنّ الوهم يتبدّد سريعاً) باكتفائه بسرد حكاية شقيقين توأمين، فْرانْتيسك وأونْدرْجي كْليشيك، يُقرّران، بعد اختبارات حياتية جمّة، الانعزال المطلق في مزرعة بعيدة عن كل حياة خارجها، وهناك "تصبح الحياة والموت واحداً"، حيث "يستمتع توأمان ناسكان بصحبة أحدهما مع الآخر، كما مع حيواناتهما والمزرعة" (فكتور فْراغا، Dirty Movies ـ موقع إلكتروني باللغة الإنكليزية مقرّه لندن، 10 يوليو/تموز 2025).
إنّه سؤال أساسي: أيُمكن للمرء أنْ يعيش حياة كاملة في عزلةٍ تامة، وإنْ تكن العزلة في قلب الطبيعة؟ وإنْ تكن العزلة رفقة شقيق وحيوانات؟ الإجابة، لوهلة، سهلة وإيجابية. لكنْ، ما يُصوّره ميرو ريمو في فيلمه هذا (يُصنّفه البعض وثائقياً، رغم أنّه حاضرٌ في المسافة الضيّقة بين التوثيق والمتخيّل/الروائي) يُحيّر، إذْ إنّ يومياتهما مشحونة بتناقضاتٍ خانقة، من دون أنْ يبلغا مرتبة رفض المُعاش. فهناك قناعةٌ، تكاد تكون ثابتة وأصيلة، تتمثّل بما يقوله أحد التوأمين، في بداية جديد ريمو، بصوت "صارخ في البرّية": "من الأرض مولودٌ أنا. على الأرض مزيّنٌ بالعقل. عبر الأرض أضع طُرقي، وفي الأرض أجد مسكني. في الأرض سأرتاح دائماً". أهذه قصيدة قديمة، أمْ كتابةٌ جديدة تليق بموقفٍ يتجاوز "عبوراً" من مدينة (الحضارة؟) إلى فضاء خالٍ من كلّ أنسٍ وضغطٍ؟
إنْ يكن الواقع صفة تُلائم تلك التجربة الحياتية التي يخوضها الشقيقان التوأمان، بعد ماضٍ حافلٍ بنضال ومواجهة وتحدّيات (في لقطةٍ، تظهر مسؤولة على شاشة التلفزيون في حفلة تكريمهما سابقاً بمناسبة إنجازاتهما ضد النظام الشيوعي، عبر "حركة الحرية المدنية")، فالسخرية (أهذه واقعية سحرية؟) تظهر في غرائبية ذاك العيش، كما في تصرّفات وسلوك وحوارات وغضبٍ دفين وآخر مُعلن، ومحاولات خروج على المعتاد يمارسها فْرانْتيسك وأونْدرْجي (الأخير مقطوع نصف يده)، كلّ بأسلوبه الخاص. أمّا الكلام، ففي كثيرٍ منه نفحات تأمّلية وفلسفية، وشديدة الواقعية والهزء أيضاً، بينما إحدى البقرات تتولّى مهمة الراوي في الحكاية، الذي يكشف بعض ذاك الماضي، وكثيراً من الراهن (لقطةٌ تُبيِّن أحد التوأمين يتبادل القبلات مع بقرة، تبدو سعيدةً بها، كسعادته هو).
إلى هذا، يبرع التصوير الجميل في إضافة مزيد من الغرائبية والسحر على الحكاية وسردها، بألوان متداخلة تجعل الأساسي أقرب إلى "بهتان" و"غموض"، رغم أنّ أضواء تشعّ غالباً، وفق حركة الشمس. التلاعب بالألوان نهاراً، كما في عتمة الليل، انعكاس إضافي لحالةٍ وسلوك فرديّين إزاء ذاتٍ وآخر.
في تقديمه "الأفضل أنْ أُجَنّ في البرّية" (ترجمة عربية للعنوان السلوفاكي الأصلي)، يكتب كارِلْ أوخ، المدير الفني للمهرجان (الكاتالوغ)، أنّ خصوصية ميرو ريمو تكمن، من بين أمور أخرى، "في أصالة الأسئلة التي تطرحها أفلامه"، ويُشير إلى أنّ جديده هذا، الذي "يُطوّر" موضوع الكتاب، "يتساءل بشكل استفزازي عمّا إذا كان يُمكن تمضية الحياة كلّها في مكان واحد". فالتوأمان يبدوان، في فعلتهما هذه، كأنّهما عائدان إلى حقبة غابرة، وهذا بحدّ ذاته قرارٌ صعب وقاسٍ: "أهما غريبا الأطوار، أمْ أنّهما من رواة القصص الذين يتمتّعون بكاريزما وهوس؟".
غير أنّ الأجمل من طرح أسئلةٍ، وجهد البحث عن إجابات عليها، رغم أهمية هذا كلّه، يبقى في متعة المُشاهَدة، لما في الفيلم من جماليات مكثّفة ومتتالية، ومن سحر تصرّفات، وعمق كلامٍ، وغرائبية عيش رغم واقعيته الشديدة.