الإعلام السوري بعد الأسد: محاولة إعادة بناء وسط أزمات تنظيمية

08 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:48 (توقيت القدس)
استأنفت "الثورة" إصدار نسختها الورقية في الأول من ديسمبر 2025 (لؤي بشارة/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بعد سقوط نظام بشار الأسد، تحول الإعلام السوري من منظومة محكومة إلى مشهد جديد يسعى للحرية، رغم غياب الأسس التقنية والسياسية الواضحة، وظهور "المطبلين" الداعمين للسلطة الجديدة.

- عانى الإعلام من انقطاع البث الرسمي وانتشار الشائعات، ورغم عودة بعض الوسائل، إلا أنها لم ترتقِ للتوقعات بسبب ضعف الإمكانات وتعيين غير ذوي خبرة، مع ترخيص وسائل إعلام جديدة وتسهيلات للوفود.

- اتسعت الحرية الإعلامية وانتقاد السلطة دون اعتقال، لكن الانفتاح أدى لفوضى وظهور إعلام مضاد، مما يستدعي قانونًا للإعلام وإعادة هيكلة المؤسسات لضمان استقلاليتها.

بعد عامٍ على سقوط نظام بشار الأسد، يبدو الإعلام السوري مختلفاً كلياً. وعلى الرغم من ميل الاتجاه العام نحو التحسّن، ما زال الأداء دون تطلعات معظم السوريين، إذ انتقل الإعلام من منظومة متخشّبة محكومة بتوجيهات سياسية وأمنية صارمة إلى مشهد يحاول شقّ طريقه نحو نموذج جديد، من دون امتلاك الأسس التقنية والتحريرية المطلوبة، ومن دون وجود سياسة إعلامية واضحة، فيما تظلّ مساحة الحرية وحدها معلّقة فوق الجميع، محمولة بروح الثورة التي ترفض الخضوع لعبودية جديدة، على الرغم من بروز ما يُسمّى "المطبلين" الذين يقفون إلى جانب السلطة الجديدة، ظالمة كانت أم مظلومة.

انقطع بث التلفزيون الرسمي في الأيام الأولى بعد سقوط النظام، ثم واصل عرض أناشيد ومقاطع جهادية قبل أن يتوقف ويقتصر بثّه على صور ثابتة للقرارات والبيانات العسكرية. وشمل هذا التوقف القنوات الأخرى التابعة للهيئة العامة للتلفزيون، ومواقع الصحف الرسمية، والموقع الرسمي لوكالة الأنباء الحكومية "سانا". واستمرت هذه الحالة شهوراً، في ظل تبريرات اعتبرها الجمهور غير مقنعة، وغياب كامل لصوت إعلامي وطني، مقابل طوفان من الشائعات والأخبار المتضاربة. وكان جواب المسؤولين حينها أنهم "ورثوا تركة ثقيلة" وأنهم يسعون إلى تأسيس إعلام جديد سيكون "قفزة كبيرة إلى الأمام".

وبعد انتظار طويل، عادت فضائية الإخبارية السورية إلى البث في مايو/أيار الماضي، لكنها لم ترتقِ إلى مستوى التوقعات، كما يؤكد كثير من الصحافيين السوريين، رغم الجهود المبذولة. ويعزو هؤلاء ذلك إلى ضعف الإمكانات المادية والبشرية، وغياب الرؤية والخطط اللازمة، إضافة إلى تعيين شبان صغار السن في مواقع قيادية من دون خبرة تلفزيونية أو حتى إعلامية. وتكرر الأمر نفسه في وكالة سانا وصحيفة الثورة، وهي الوسائل الثلاث التي قررت القيادة الجديدة الإبقاء عليها ومحاولة إحيائها بما يتناسب مع قيم المرحلة الجديدة. ومع محاولة بث روح جديدة في هذه المؤسسات، حاولت مواقع ومنصات أخرى من العهد السابق التخلّص من عباءة النظام السابق، ورفعت شعارات الثورة والعهد الجديد، لكن بعضها لم يصمد طويلاً قبل العودة إلى مناوءة السلطة الجديدة، بذريعة أنها تمارس إقصاءً وتستمر في انتهاكات بحق المدنيين.

ويبرز اليوم اتساع غير مسبوق لمساحة الحرية في الإعلام السوري سواء الخاص أو الحكومي أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ولأول مرة منذ ستة عقود، يستطيع أي شخص داخل سورية انتقاد السلطة، بما في ذلك رئيس الجمهورية، من دون التعرّض للاعتقال أو المساءلة. كما فُتح الباب واسعاً لمناقشة الشأن العام، بما يشمل قضايا حسّاسة تتعلق بالطوائف والمكوّنات المحلية، وتقديم روايات متعددة للتطورات بدلاً من الاقتصار على رواية السلطة.

هذه الحرية فرضتها الأجواء العامة في البلاد التي خرجت للتو من نفق حكم قمعي طويل، فانفجرت المكبوتات المتراكمة عبر الإعلام ووسائل التواصل والشارع، من تظاهرات واحتجاجات وأشكال تعبير مختلفة لم يعد يضبطها شيء تقريباً. هذا الانفلات دفع بعض الأصوات إلى المطالبة بتفعيل قانون للإعلام ووضع ضوابط لحرية التعبير، بما يضمن حماية الحقوق العامة والفردية. ومن المألوف في مراحل ما بعد سقوط الأنظمة الديكتاتورية أن تترافق الحرية الإعلامية المفاجئة مع فوضى وظهور إعلام مضاد، قد يكون بعضه مدعوماً من الخارج، إضافة إلى منصات تروّج الشائعات أو أجندات سياسية. وكشف تحقيق لـ"بي بي سي"، في مايو/أيار الماضي عن ملايين الحسابات تُدار من خارج سورية، خصوصاً من العراق واليمن وإيران ولبنان، وتسعى إلى بث الكراهية والتحريض على الفتنة. وبدلاً من تفعيل قانون الإعلام القائم أصلاً منذ عهد النظام السابق (والذي لم يُعمل به)، اختارت السلطات تشكيل ورش عمل لوضع "مدوّنة سلوك" ذات طابع أخلاقي غير ملزم، لا يرقى إلى مستوى قانون واضح يضبط الممارسة.

وشهد العام الماضي ترخيص عدد كبير من وسائل الإعلام الجديدة، مع تبسيط إجراءات الترخيص التي كانت في العهد السابق معقدة وتخضع لموافقات أمنية وإدارية طويلة. ووفق وزير الإعلام حمزة المصطفى، صدر أكثر من 450 ترخيصاً من أصل نحو 700 طلب. وأكد المصطفى، خلال لقائه مع وفد من معهد الشرق الأوسط الشهر الماضي، أن الوزارة توفر كل التسهيلات للوفود الإعلامية العربية والأجنبية للعمل بحرية وشفافية داخل سورية. وفي يوليو/تموز الماضي أعلنت الوزارة شروط ترخيص القنوات التلفزيونية والمنصات الإلكترونية، محددة رسوماً تبلغ 20 ألف دولار للقناة وألف دولار للمنصة. واشترطت أن يكون مقدم الطلب سورياً أو في حكمه، وأن يحمل إجازة جامعية أو يملك خبرة إعلامية لا تقل عن خمس سنوات، إلى جانب تشكيل مجلس إدارة يضم ثلاثة سوريين على الأقل، إضافة إلى وجود مقر لا تقل مساحته عن 160 متراً مجهزاً بالبنية التحتية اللازمة.

سينما ودراما
التحديثات الحية

ويقول الإعلامي السوري المقيم في الولايات المتحدة خالد سميسم، الحاصل على ترخيص لمنصة إلكترونية، إن تعامل وزارة الإعلام مع تراخيص المواقع تحسّن بشكل ملحوظ بعد سقوط النظام، وإن الإجراءات باتت أكثر سلاسة ووضوحاً. ويؤكد أن تجربة منصة "بلا فلتر" مثال واضح، إذ استغرق الحصول على الترخيص نحو شهرين فقط، بينما لم تتجاوز إجراءات تقديم الأوراق داخل المديرية عشر دقائق، وسط احترام كبير من الموظفين. ويضيف سميسم أن الوزارة لم تكن سابقاً صاحبة القرار، إذ كان فرع المعلومات في المخابرات العامة هو المتحكم الفعلي في عمل المواقع الإلكترونية، وكان رئيس الفرع بمثابة "رئيس تحرير غير معلن" يملك إيقاف أي موقع بلا مبررات. أما اليوم فالأمور تميل نحو تنظيم أكبر وشفافية أعلى.

أثار أيضاً تغييب الكوادر الإعلامية القديمة، بمن فيهم المنشقون عن إعلام النظام السابق ممن عمل بعضهم في وسائل إعلام عربية ودولية جدلاً واسعاً، إذ فضّلت الجهات المسؤولة الاعتماد على ناشطين إعلاميين من شمال غرب سورية قبل سقوط النظام، وأسندت إليهم مواقع قيادية رغم محدودية خبرتهم. كما اعتمدت الحكومة على صنّاع المحتوى والمؤثرين وهواة البث، مقدّمة لهم تسهيلات واسعة، مقابل تجاهل الإعلاميين "التقليديين"، ما يعكس إدراكاً بدائياً لطبيعة العمل الإعلامي لدى بعض المسؤولين الذين يختزلون المشهد بالناشطين والمؤثرين.

ويعاني الصحافيون غياب منظومة واضحة لتزويدهم بالمعلومات، إذ تتأخر الجهات الرسمية في تعيين ناطقين باسمها، وعندما يُعيَّنون لا يجيبون عادةً على أسئلة الصحافيين. كما تُلزم وزارة الإعلام أي صحافي ــ بمن فيهم السوريون العاملون داخل البلاد ــ بالحصول على إذن مسبق لأي مهمة صحافية أو تصوير، ما يعرقل العمل ويسبّب هدر الوقت والجهد.

وبشكل عام، تحتاج المؤسسات الإعلامية الموروثة من النظام السابق إلى إعادة هيكلة كاملة، لا إلى تغيير شعارات ووجوه فحسب. كما تحتاج وسائل الإعلام إلى مصادر تمويل مستقلة تضمن عدم خضوعها للتوجيه. ولا شكّ أن سقوط النظام يفتح نافذة تاريخية نادرة لإعادة بناء المنظومة الإعلامية من جذورها، على أسس مهنية راسخة، تُخرجها من إرث التبعية والدعاية إلى فضاء الصحافة المستقلة القادرة على مساءلة السلطة وكشف الفساد وتوثيق الانتهاكات، وإعادة الاعتبار لروايات الضحايا والمهمّشين. فالإعلام، حين يُعاد تأسيسه بجدية، لا يكون ملحقاً بأي سلطة، بل يتحوّل إلى مؤسسة عامة توازن بين المجتمع والدولة، وتؤدي دوراً محورياً في ترسيخ التحول الديمقراطي، وفتح نقاشات واسعة حول العدالة والمصالحة، وتعزيز الشفافية، وتشكيل وعي جماعي جديد أكثر استقلالاً ونضجاً. وفي هذه اللحظة السورية الحرجة، يصبح بناء إعلام مهني مستقل ليس خياراً تجميلياً أو مطلباً ثانوياً، بل شرطاً أساسياً لنجاح أي عملية تعافٍ وطني، ولتحرير صوت المواطن من كل أشكال الهيمنة، ليكون شريكاً فاعلاً في رسم مستقبل البلاد.

المساهمون