استمع إلى الملخص
- دراسة فرنسية أظهرت أن هجوم أكتوبر 2023 أعاد القضية الفلسطينية للإعلام الفرنسي، لكن الاهتمام تراجع بنسبة 38% لاحقاً، مع استخدام مفردات تعكس رؤية الإعلام للصراع.
- تراجع الاهتمام الفرنسي يعود لأسباب منها الانشغال بالأحداث المحلية والخوف من "إرهاق المشاهد"، مع بقاء الإعلام أسير المعجم السياسي والأيديولوجي.
كانت التغطية الإعلامية الغربية لحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة موضوعاً لانتقادات واسعة. فقد انحازت غالبية الوسائل الإعلامية الغربية إلى السردية الإسرائيلية، فيما شكّلت تلك التي نقلت الواقع كما هو، من دون تأثّرها بالبروباغندا الإسرائيلية، استثناءً نادراً.
تنوّعت أشكال الانحياز، إذ تكثّف أو انكمش بحسب اللحظة. فعند تعاظم الموت الفلسطيني أو تحرّك الرأي العام العالمي، أفرد الإعلام الغربي مساحات محدودة لرواية أقرب إلى الواقع. لكنّ هذه الاستثناءات لم تحجب حقيقة أنّ السردية الإسرائيلية طغت على معظم التغطيات، ولا سيّما مع منع إسرائيل دخول الصحافة الأجنبية إلى قطاع غزة.
في الإعلام الفرنسي مثلاً، شكّك صحافيون ومحللون في برامج تلفزيونية في مصداقية الأخبار الواردة من غزة لمجرّد أنها منقولة عن صحافيين فلسطينيين أو مصادر حكومية محلية، تكرّر التشكيك في أرقام الضحايا، وفي هوية الصحافيين ودوافعهم، وحتّى في مدى ارتباطهم بحركة "حماس".
في هذا السياق، نشرت مجلة الصحافة الفرنسية الصادرة عن المعهد الوطني السمعي والبصري (INA) تحقيقاً موسّعاً حول كيفية تغيّر التغطية الإعلامية الفرنسية على مدار سنتين من الحرب على غزة: ما الكلمات الأكثر استخداماً؟ ما زوايا المعالجة؟ وأيّ الأحداث اعتُبرت الأكثر أهمية لدى الإعلام الفرنسي؟
شمل التحقيق 15 وسيلة إعلامية، من بينها أربع قنوات إخبارية، وسبع محطات إذاعية، وأربع نشرات إخبارية مسائية في قنوات رئيسية.
تنطلق الدراسة من أن هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 أعاد القضية الفلسطينية إلى واجهة الإعلام الفرنسي بعد غياب شبه تام دام سنوات. فخلال العقدين الماضيَين، انخفض حضور القضية الفلسطينية تدريجياً في الإعلام الفرنسي، وكان آخر حدث حظي بتغطية واسعة الانتفاضة الثانية عام 2005. بعد ذلك، اختفت فلسطين تقريباً من الأجندة الإعلامية حتى السابع من أكتوبر.
في الساعات التي تلت الهجوم، انشغلت القنوات الفرنسية بتغطية ما جرى من داخل إسرائيل، بدءاً من الصدمة في الشارع وصولاً إلى قضية الرهائن وهوياتهم وعائلاتهم. جعل ذلك الشهرَين التاليَين للسابع من أكتوبر الفترة الأكثر كثافةً في التغطية الإعلامية الفرنسية.
بعد تلك المرحلة، استمر الإعلام الفرنسي في تغطية الحرب على غزة، لكنّ نسبة الاهتمام بدأت تنخفض تدريجياً. فقد سجّل التقرير تراجعاً في التغطية بنسبة 38% خلال الأشهر الـ11 الأخيرة من الحرب. وكان التراجع أكثر وضوحاً في القنوات الإخبارية مقارنةً بالبرامج الإذاعية الصباحية أو النشرات المسائية.
ورصدت الدراسة ثلاث محطات أساسية حظيت بأكبر اهتمام إعلامي فرنسي بعد السابع من أكتوبر:
- في إبريل/ نيسان 2024، عند الضربة الإيرانية على إسرائيل رداً على قصف قنصليتها في سورية.
- في نهاية سبتمبر/ أيلول 2024، مع بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان.
- في يونيو/ حزيران 2025، عقب الهجوم الإسرائيلي على إيران.
عزت الدراسة تراجع اهتمام الإعلام الفرنسي بالحرب إلى أسباب متداخلة عدّة؛ أولاً انشغلت وسائل الإعلام بالأحداث المحلية الفرنسية، مثل إسقاط أو استقالة حكومات متعاقبة، ما صرف الاهتمام نحو الداخل.
وثانياً، كما حدث في تغطية الحرب الروسية على أوكرانيا، خشي مديرو التحرير من "إرهاق المشاهد" بسبب التكرار واستمرار المآسي، فقلّلوا من مساحة التغطية اليومية. وتشير الدراسة إلى أن نمط التراجع نفسه لوحظ في تغطية حرب أوكرانيا، التي بلغت ذروتها في الشهرين الأولين قبل أن تهبط بحدة في الفترات اللاحقة.
ركّزت الدراسة خاصّة على الكلمات المستخدمة في التغطية، بوصفها مؤشراً على الخط التحريري والموقف السياسي. فاختيار المفردات ليس بريئاً، بل يعكس رؤية المؤسسة الإعلامية إلى الصراع.
بين أكتوبر 2023 وأغسطس/ آب 2025، ذُكرت كلمة "الرهائن" الإسرائيليين بمعدل 825 مرة شهرياً، مع ذروة في الشهرين التاليين لهجوم السابع من أكتوبر.
أما كلمة "الإبادة"، التي أثارت جدلاً واسعاً في فرنسا إذ اعتُبر استخدامها في بعض السياقات معادياً للسامية، فاستُخدمت بمعدل 82 مرة شهرياً، وبلغت ذروتها بين إبريل ومايو/أيار 2024، تزامناً مع التحركات الطلابية في الجامعات الفرنسية، وتصاعد الجدل إثر تصريحات نواب حزب فرنسا الأبيّة اليساري.
تشير الدراسة إلى أن استخدام كلمة "الإبادة" لم يكن لوصف ما يجري في غزة، بل غالباً لإدانة من استخدمها من طلاب أو سياسيين، خصوصاً في القنوات القريبة من اليمين المتطرّف.
أما كلمة "مجاعة"، فذُكرت بمعدل 84 مرة شهرياً، مع ارتفاع ملحوظ في شهرَي يوليو/ تموز وأغسطس 2025، إثر بيانات المنظمات الإنسانية والتحذيرات من كارثة إنسانية في غزة.
تُظهر نتائج الدراسة أنّ الإعلام الفرنسي، وإن حاول الحفاظ على توازنٍ ظاهري، ظلّ أسير المعجم السياسي والأيديولوجي الذي يحدّد ما يمكن قوله وما يجب تجنّبه. فحتّى حين استخدمت وسائل الإعلام مصطلحات مثل "المأساة الإنسانية" أو "الوضع الكارثي"، نادراً ما ذهبت إلى توصيف واضح للحدث بوصفه عدواناً أو إبادة جماعية.
بهذا المعنى، تكشف الدراسة أن تغيّر المفردات لم يكن تطوّراً لغوياً فحسب، بل هو انعكاس لموقف سياسي متدرّج: من التعاطف المحدود مع المدنيين في غزة، إلى العودة التدريجية لتبنّي الرواية الإسرائيلية أو تجاهل الصراع كلياً.