التناقض يهيمن على مسار قانون الإعلام الجديد في لبنان

13 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:57 (توقيت القدس)
وزير الإعلام اللبناني بول مرقص (سكايز ميديا/ فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- وزير الإعلام اللبناني بول مرقص ينفي علاقته بملاحظات مسربة تقيد حرية الصحافة، رغم حضوره جلسات اللجنة المصغرة، ويؤكد دعمه لحماية الحرية الإعلامية.
- رئيسة اتحاد الصحافيين والمحامي فاروق مغربي يعربان عن استغرابهما من موقف الوزير، مشيرين إلى موافقته على التعديلات، بينما تؤكد لجنة الإدارة والعدل التزامها بتكريس الحريات الإعلامية.
- التناقضات في التصريحات تثير تساؤلات حول مصدر الملاحظات، وسط تحديات سياسية وتشريعية تهدد بتحويل قانون الإعلام إلى أداة للرقابة.

لم ينتظر وزير الإعلام اللبناني، بول مرقص، طويلاً قبل أن يتبرّأ من الملاحظات التي سُرّبت حول مسودة قانون الإعلام في لجنة الإدارة والعدل. مرقص أكّد أمام الكاميرات أنه "يدعم تعزيز حماية الحرية الإعلامية لا تقييدها"، وكأنّه لم يكن حاضراً في كل جلسات اللجنة المصغّرة، مشاركاً بصمت، وموافقاً على التعديلات والإصلاحات، قبل انقلاب الطاولة فجأة وظهور ملاحظات منسوبة إليه تعيد الصحافيين عقوداً إلى الوراء.

رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، إلسي مفرّج، قالت لـ"العربي الجديد": "فوجئنا بما وصل للنواب عشية بدء النقاش حول القانون على أنه ملاحظات وزير الإعلام، فيما كان حاضراً في كل الاجتماعات وموافقاً على كل التعديلات والإصلاحات". وعلقت: "هكذا نكون نعود إلى الوراء". الموقف نفسه ردّده المحامي فاروق مغربي، المشرف على القانون والحاضر في جميع الجلسات: "الوزير كان موجوداً طوال الوقت، وكان يمكنه طرح ملاحظاته حينها. أما الآن، فالمسار يقتل جوهر القانون، نقطة نقطة".

منذ تولي مرقص منصبه، حرص على الظهور بمظهر "الوزير الإصلاحي". ففي فبراير/ شباط الماضي، زار المراجع الدينية والسياسية مطمئناً إياها إلى أن القانون لن يمسّ "الكرامات والمقامات"، وأكد أن الهدف إصدار "قانون عصري" للإعلام. لكنّ الصيغ المسرّبة المنسوبة إليه قالت العكس: السماح بتوقيف الصحافيين احتياطياً، ومنع الصحافي من تناول أي ملف بمجرد تقديم شكوى، واستحداث لجنة للمؤثرين بديلاً عن الهيئة الوطنية للإعلام، وإعادة العمل بالترخيص المسبق للمواقع الإلكترونية. انتشار هذه البنود فجّر الشكوك، فجاء التحرك الرسمي سريعاً: الوزير جال على إحدى القنوات اللبنانية نافياً أن يكون قد أدخل أي ملاحظات على اقتراح القانون، مشدداً على تبنّيه نسخة اللجنة الفرعية المنبثقة عن لجنة الإدارة والعدل، ومكرراً أنّ الهدف "تعزيز حماية الحرية الإعلامية لا تكبيلها". لاحقاً، انتشرت معلومات عن اتصالات أجراها مرقص مع إعلاميين لينفي ما نُسب إليه.

في المقابل، واصلت لجنة الإدارة والعدل مناقشة القانون الأربعاء الماضي. رئيسها جورج عدوان اضطر أكثر من مرة إلى التوضيح: "أنا بصفتي رئيس لجنة الإدارة والعدل ملتزم بأن نرفع للهيئة العامة قانوناً يكرّس الحريات الإعلامية ويضمن أقصى حماية للصحافيين"، مؤكداً أن المتداول عن تقييد الحريات "غير صحيح وغير وارد". كما أصدرت اللجنة بياناً، وصفت فيه ما يجري "حملة مغرضة"، داعية المواقع الإعلامية إلى العودة إلى بياناتها الرسمية بدل "الأخبار الملفقة".

في العمق، يتجلّى التناقض: وزير ينفي أي ملاحظات ويؤكد أنه لن يتراجع عن مكتسبات الإعلاميين، ولجنة ترفع شعار الحماية القصوى، فيما الملاحظات المسرّبة تحمل كل أدوات التقييد. مرقص يصرّ على أنه يشارك فقط في النقاش، لكن توقيت التسريب وصيغ البنود تطرح سؤالاً أبسط: إذا لم تكن هذه ملاحظاته، فمن أين جاءت؟ ومن يملك المصلحة في إعادة النقاش إلى المربّع الأول؟ وإذا كان الوزير ينفي علاقته بها، أفلا يفترض سحبها من التداول في لجنة الإدارة والعدل؟ وإلا، فما معنى الاستناد إلى مقترحات لا يتبناها من نُسبت إليه أصلاً؟

حاولت "العربي الجديد" التواصل مع مرقص للحصول على هذه الإجابات، من دون جدوى.

هكذا يجد الجسم الإعلامي نفسه أمام لعبة سياسية ـ تشريعية مألوفة: لجان نيابية تعلن التمسك بالحرية، وزير يرفع لواء الإصلاح، لكن على الورق تبرز صياغات تقييدية تعيد الإعلام إلى زمن المطبوعات البالية. لعبة تبادل أدوار: نفي هنا، توضيح هناك، وطمأنة متواصلة، بينما يبقى الخوف الأكبر أن يُفرغ قانون الإعلام من مضمونه، وأن يتحول "العصري" و"التقدمي" إلى مجرد غطاء لنص يكرّس الرقابة بدل الحماية.

المساهمون