استمع إلى الملخص
- يشير الإعلامي واصف عواضة إلى ضرورة تأمين التمويل والدعم السياسي لتطوير تلفزيون لبنان، حيث تراجعت ميزانيته من 13 مليون دولار إلى مليون دولار فقط، مما يعيق التطوير.
- تأسس تلفزيون لبنان في 1959 ومر بفترات ذهبية، ويأمل الموظفون في استعادة مكانته من خلال التعيينات الجديدة وفتح المجال لموارد مالية ذاتية.
يعود تلفزيون لبنان، أحد أقدم المحطات التلفزيونية في العالم العربي، وصاحب واحد من أثمن الأرشيفات المصورة في المنطقة، إلى الواجهة، وهذه المرة من بوابة تعيين رئيس وأعضاء مجلس إدارة بعد شغور إداري "أصيل" دام منذ عام 1999. يأتي ذلك وسط حديث رسمي عن تصحيح مسار المؤسسات العامة، وبعد عقود من الإهمال الحكومي، في بلد يملك فيه أغلب السياسيين وسائل إعلام خاصة، ويموّلون محطات محلية تُعطى الأولوية على حساب الشاشة الوطنية.
في هذا السياق، حرص رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على أن تكون أولى إطلالاته التلفزيونية بعد تعيينه عبر شاشة تلفزيون لبنان، في خطوة أراد منها إعادة الحياة إلى مؤسسة تعاني من أزمات مالية خانقة. تلك الأزمات بدأت قبل سنوات، وبلغت ذروتها في نهاية عام 2019، مع الانهيار الاقتصادي الذي ضرب لبنان، وتسبب في تأخير رواتب الموظفين، وقطع البث في أكثر من مناسبة نتيجة احتجاجات متكررة، وما زال العاملون بانتظار أن تُنصفهم الدولة.
كسر للاحتكار الذكوري... ومجلس إدارة جديد
في جلسة عقدها مجلس الوزراء الأسبوع الماضي في القصر الرئاسي في بعبدا، تم تعيين مجلس إدارة جديد لتلفزيون لبنان، وشكل القرار سابقة في تاريخ المؤسسة من خلال كسر احتكار الرجال لمنصبَي رئيس مجلس الإدارة والمدير العام، إذ تم اختيار الصحافية إليسار نداف لتتولى المنصبين، إلى جانب الأعضاء: جنان وجدي ملاط، وشارل رزق الله سابا، ومحمد نمر، وزكريا مصطفى، وعلي إبراهيم قاسم، وريما هاني خداج.
يُذكر أن آخر مجلس إدارة تم تعيينه عام 1999 برئاسة إبراهيم الخوري (وهو منصب يعود عرفاً للطائفة الكاثوليكية) في عهد حكومة الرئيس الراحل سليم الحص. لكنّ إصابة الخوري بالمرض عام 2013، قبل أقل من شهر على وفاته، دفعت القضاء إلى تعيين طلال المقدسي بالوكالة، واستمر في منصبه حتى عام 2017، حين صدر قرار بعزله. ومنذ ذلك الحين، لم تتوصل الحكومات المتعاقبة إلى توافق حول تعيين مجلس إدارة جديد، ما أبقى الموقع تحت إشراف وزير الإعلام بوصفه وزير الوصاية.
نداف: هذه الشاشة تخصّ كل اللبنانيين
في حديث لـ"العربي الجديد"، تقول رئيسة مجلس إدارة تلفزيون لبنان إليسار نداف إن تعيينها يُشكّل مصدر فخر لها ولكل امرأة لبنانية معروفة بكفاءتها وقدرتها على الإدارة والعمل العام وتولّي مراكز القرار، وتلفت إلى أن المجلس الجديد يواجه تحديات كبيرة، على رأسها التحديات الاقتصادية والمادية، من بينها تأمين رواتب الموظفين، تحديث المعدات، سدّ الثغرات التقنية، وتأهيل الكادر البشري، إضافة إلى ضرورة تحديث شبكة البرامج وتدريب الطواقم وتطوير الإنتاج.
وتؤكد أن اللبنانيين ما زالوا يعتبرون هذه الشاشة ملكاً عاماً ومؤسسة وطنية، ويحنّون لعودتها بصورتها الأم، بسبب ما تميّزت به من تغطية حيادية وموضوعية. كما تنظر نداف بإيجابية إلى ما تعتبره "عودة للاهتمام الرسمي" بالتلفزيون، سواء من خلال اختيار رئيس الحكومة له منبراً أول، أو من خلال الزيارة التي قام بها الرئيس جوزاف عون إلى مبنى التلفزيون، إضافة إلى الإصرار على التعيينات بعد سنوات طويلة من الإهمال.
نداف تأمل بألّا يتكرر مشهد الاحتجاجات، وتوضح أن "هناك دراسة تُجرى لمعالجة ملف الرواتب والزيادات المحتملة"، مؤكدة أن العاملين في التلفزيون "يحبّونه ويعتبرونه بيتهم"، لكنهم بحاجة إلى تحفيز وضمان حقوقهم، خاصة في ظل الظروف المعيشية القاسية.
أسباب "سخيفة" وراء الجمود في تلفزيون لبنان
من جهته، يقول وزير الإعلام السابق ملحم رياشي لـ"العربي الجديد"، إن عدم إجراء التعيينات خلال السنوات الماضية يعود إلى "أسباب سخيفة"، ما أدى إلى تدهور وضع التلفزيون، ويضيف: "أنا شخصياً أرسلتُ تشكيلة مجلس الإدارة في عهدي إلى مجلس الوزراء مع ثلاثة أسماء لرئاسة المجلس، لكنهم رفضوا وضعها على جدول الأعمال".
الكاتب والإعلامي واصف عواضة، الذي عمل 37 عاماً في تلفزيون لبنان، يرى أنّ هناك عنصرين أساسيين لنهضة حقيقية: أولاً تأمين الأموال، وثانياً وجود قرار سياسي فعلي بدعم المحطة، ويشير في حديثه إلى "العربي الجديد"، إلى أن ميزانية التلفزيون كانت تصل في الماضي إلى 13 أو 14 مليون دولار سنوياً، لكنها لا تتجاوز اليوم مليون دولار، مع غياب شبه تام للمداخيل البرامجية أو الإعلانية، ما جعل العجز دائماً وترك أثره على جميع الأقسام، من الأخبار إلى البرامج والصيانة والأرشيف.
ويؤكد أن تلفزيون لبنان شركة خاصة تملكها الدولة، لكنّ الإدارات السياسية المتعاقبة لم تضعه يوماً على لائحة أولوياتها، ويشدد على ضرورة إنصاف الموظفين الذين يتقاضون "فتاتاً لا يكفي للعيش".
برأي عواضة، فإنّ رئيس الجمهورية الحالي جوزاف عون يملك نظرة مختلفة تجاه التلفزيون الرسمي، وقد يكون قادراً على دفع الأمور نحو تمويل أفضل، لكن العقبة الكبرى تكمن في مجلس النواب، إذ إنّ العديد من أعضائه يمتلكون أو يدعمون وسائل إعلامية ولا مصلحة لهم في تقوية شاشة الدولة، ويشير إلى أن عودة تلفزيون لبنان إلى ساحة المنافسة تتطلب ما لا يقل عن 25 مليون دولار سنوياً. ويضيف أن "مجلس الإدارة الجديد يملك صلاحيات تنفيذية واسعة تشمل التوظيف، ووضع البرامج، والإعلانات، على غرار أي شركة خاصة، طالما لم يعترض مفوّض الحكومة"، وعندها يُرفع الاعتراض إلى وزير الإعلام الذي يبتّ به.
أما رئيس المجلس، بصفته مديراً عاماً، فيتمتع، بدوره، بصلاحيات إدارية كبيرة، من بينها إدارة التلزيمات، واستقبال الإعلانات، وتوقيع العقود.
نظرة إيجابية من داخل التلفزيون
مصادر من داخل تلفزيون لبنان تعتبر أنّ التعيين يمثّل بداية نحو اتخاذ قرارات طال انتظارها، وعلى رأسها استعادة صلاحية التوقيع، ما سيسمح بفتح المجال أمام موارد مالية ذاتية، مثل الإعلانات وبيع البرامج، وتشير إلى أنّ هذه الموارد كانت شبه معدومة خلال السنوات الأخيرة، وأنّ غياب سلطة التوقيع عطّل أي فرصة للنهوض.
المصادر توضح أنّ التلفزيون كان يتلقى بعض المساهمات العينية من رعاة ومعلنين، لكن من دون مقابل مادي فعلي، وتشدد على أنّ أي تحديث يحتاج إلى تمويل مباشر من الموازنة العامة، ما يجعل موقف مجلس النواب أساسياً.
في المقابل، يبدي الموظفون تفاؤلهم بالتعيينات الجديدة، ويستعدّون لمنح المجلس فرصة حقيقية، على أمل أن يتحقق الإنصاف المنتظر.
من أرشيف الذهب إلى موضع السخرية
بدأ تلفزيون لبنان بثه الرسمي في 28 مايو/ أيار 1959، ليكون أول محطة تلفزيونية في الشرق الأوسط. وفي عام 1977، حصل على ترخيص باحتكار البث لمدة 25 عاماً، انتهى عام 2012، وبعدها تحوّل إلى شركة مساهمة مختلطة بين القطاعين العام والخاص، قبل أن تعود الحكومة اللبنانية وتشتري حصة القطاع الخاص عام 1996، لتصبح المالك الوحيد.
شهدت الثمانينيات ما يُعرف بـ"المرحلة الذهبية"، حيث بقيت السياسة التحريرية رصينة، وبرز نجوم من أمثال عادل مالك، ونجيب حنكش، ورياض شرارة، الذي لا يزال يُعدّ أحد الوجوه المحبوبة لدى اللبنانيين، وكان الناس يتوافدون إلى مبنى المحطة في الحازمية لحضور برامجه. أما أرشيف هذه الحقبة، فيُحفظ احتياطياً في مصرف لبنان، ويُعامل كأحد الأصول الثمينة، وفق ما يوضح الباحث رازي أيوب لـ"العربي الجديد".