توت عنخ آمون... الملك في المتحف المصري الكبير

13 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 05:57 (توقيت القدس)
القناع الذهبي لتوت عنخ آمون في المتحف المصري الكبير، 8 نوفمبر 2025 (علي مصطفى / Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يُعرض المتحف المصري الكبير، الأكبر من نوعه والمخصص لحضارة واحدة، كنوز توت عنخ آمون لأول مرة في مكان واحد، بما في ذلك القناع الذهبي والتابوت المذهّب، مما يوفر تجربة بصرية وتعليمية فريدة.
- يكشف المعرض عن جوانب خفية من حياة توت عنخ آمون، مثل اهتمامه بفنون القتال وقيادة الجيوش، من خلال مجموعة نادرة من الأسلحة وعتاد الحرب، مما يعيد النظر في الصورة التقليدية للملك.
- إعادة عرض كنوز توت عنخ آمون في مصر تعزز الربط بين الأثر والمكان والذاكرة الوطنية، وتعيد للفرعون الشاب حضوره كرمز ثقافي مؤثر.

بعد قرن على اكتشاف مقبرة الملك الفرعوني توت عنخ آمون تفتح كنوزه أخيراً أبوابها أمام الجمهور في المتحف المصري الكبير، الذي افتُتح حديثاً عند هضبة الأهرام، في حدث يمثّل واحداً من أهم الفصول الثقافية في تاريخ مصر الحديث. حضور الملك الصغير داخل المتحف الجديد يُشكّل لحظة استعادة رمزية لتاريخ طويل ظلّ يُدهش العالم منذ أن رفع هوارد كارتر غطاء المقبرة في نوفمبر/ تشرين الثاني 1922.
المتحف المصري الكبير، الذي بلغت تكلفة إنشائه نحو مليار دولار، يمتدّ على مساحة 120 فداناً، ليكون أكبر متحف أثري في العالم مخصصٍ لحضارة واحدة. يضم المتحف أكثر من خمسين ألف قطعة أثرية تغطّي خمسة آلاف عام من التاريخ المصري، ويتبنى رؤية معمارية ومعروضات رقمية حديثة تجعل من التجربة متعةً بصريةً وتعليمية.
رغم أن المتحف فُتح جزئياً قبل عام تقريباً لاستقبال الزوار، فإن صالات توت عنخ آمون وهي جوهرة التاج في هذا الصرح العملاق، ظلت مغلقة حتى لحظة الافتتاح الرسمي، حفاظاً على طابع المفاجأة الذي رافق المشروع منذ انطلاقه. وللمرة الأولى منذ اكتشاف المقبرة، تُعرض جميع مقتنيات الملك الشاب البالغ عددها خمسة آلاف و398 قطعة في مكان واحد. كثير من هذه الكنوز ظلّ متنقلاً بين المتاحف والمعارض حول العالم أو محفوظاً في المخازن. أما اليوم، فقد أُعيد ترتيبها داخل قاعات ضخمة تحاكي تسلسل المقبرة الأصلية في وادي الملوك.
من بين المعروضات تلك القطع الأيقونية التي يعرفها العالم جيداً، مثل القناع الذهبي المهيب والتابوت المذهّب والكرسي المرصّع بالأحجار الكريمة، وكل ما كان يُرافق الملك في رحلته إلى العالم الآخر. لكن المعرض لا يكتفي بما هو مألوف، بل يكشف أيضاً عن جوانب خفية من حياة هذا الفرعون الذي حكم مصر وهو في التاسعة ومات قبل أن يبلغ العشرين. تشمل المعروضات مجموعةً نادرةً من الأسلحة وعتاد الحرب، تضم ست عربات حربية وأربعة خناجر وثماني دروع وعشرات الأقواس والسهام. تكشف هذه المقتنيات عن ملك شاب كان له اهتمام واضح بفنون القتال وقيادة الجيوش، وربما شارك فعلاً في معارك خارج طيبة القديمة. هذه الترسانة من الأسلحة المتنوعة قد تُغيّر نظرتنا إلى الملك الذي لطالما عومل على أنه طفل صغير.
ومن بين الكنوز التي تُعرض لأول مرة، تلك التي أُعيد تجميعها بعد 100 عام من اكتشافها، فهناك نحو 1500 قطعة ذهبية صغيرة عُثر عليها متناثرة أسفل العربات في الحجرة الثانية داخل المقبرة. هذه الشظايا ظلّت مهملةً لعقود حتى أعاد العلماء تركيبها لتُشكّل نحو سبعين لوحة زخرفية كانت تكسو جلود الخيول وأحزمة القيادة.
الزخارف المرسومة على هذه القطع تجمع بين رموز نباتية سورية ونقوش حلزونية من الطراز الإيجي، ما يشير إلى تفاعل فني بين مصر والعالم المحيط بها في ذلك الزمن. تُفسّر هذه التفاصيل بوصفها محاولة لإظهار الملك في هيئة الحاكم العالمي الذي تندرج تحت سلطته شعوب وأقاليم مختلفة.
ومن المعروضات التي جذبت اهتمام العلماء والزوار على السواء خنجر صغير كان موضوعاً فوق بطن المومياء. يبدو في ظاهره قطعةً فنيةً مذهلةً بقبضة مذهبة مرصّعة بالأحجار، لكن سرّه الحقيقي يكمن في مادته؛ فنصل الخنجر مصنوع من حديد مصدره نيزك سقط على الأرض قبل آلاف السنين. تحليلات حديثة أظهرت أن النصل يحتوي على نسب مرتفعة من النيكل والكوبالت، وهي عناصر لا تتوافر في الحديد الأرضي. بذلك، يكون هذا الخنجر أحد أقدم الشواهد على استخدام المصريين الحديد النيزكي، بل وربما رمز لعلاقة الفرعون بالعالم السماوي.
الاهتمام بهذه القطع لم يقتصر على قيمتها الجمالية، بل امتد إلى ما تحمله من مفاتيح لتفسير حياة الملك وموته. فبينما كانت النظريات السابقة ترجّح وفاته نتيجة الملاريا أو كسر في الساق، تُشير دراسات حديثة إلى احتمال موته في معركة خارج طيبة، ثم نقله لاحقاً لدفنه في مقبرته المعروفة. هذا التفسير، إذا صحّ، يُعيد قراءة القصة ويضع أمامنا صورة لملك محارب قُتل في ميدان القتال، وليس لفتى عليل قاده الحظ إلى العرش.

سوشيال ميديا
التحديثات الحية

تمثّل إعادة عرض كنوز توت عنخ آمون جزءاً من محاولة مصرية لإعادة كتابة السردية البصرية للحضارة المصرية القديمة أمام العالم. فبعد سنوات من التنقل بين المعارض الأوروبية والأميركية، تعود هذه الكنوز إلى مكانها الطبيعي، حيث وُلدت وصُنعت. في ذلك بعدٌ رمزي يربط بين الأثر والمكان والذاكرة الوطنية، ويعيد إلى الفرعون الشاب حضوره في وجدان المصريين، ليس بوصفه أيقونة ذهبية فحسب، بل رمزاً ثقافياً مؤثراً ومهماً.

المساهمون