توقّفي عن الأكل... قوافل من أجساد المراهقات على تيك توك
استمع إلى الملخص
- استجابةً للقلق المتزايد، حذرت الحكومة الفرنسية من خطورة هذا الاتجاه، ودعت إلى حماية القاصرين، ووقّع 25 ألف شخص على عريضة للتحذير من الظاهرة.
- وافقت الجمعية الوطنية الفرنسية على إنشاء لجنة تحقيق لدراسة الآثار النفسية لمنصة تيك توك، بعد شكاوى ودراسات أظهرت تعرض المراهقين لمحتوى ضار.
في الأشهر الأخيرة، يوحي الدخول إلى منصة تيك توك بالرجوع إلى التسعينيات. عودة إلى تمجيد النحافة عند النساء عبر هاشتاغ "سكيني توك" (Skinnytok)، الذي يجتاح المنصّة مع اقتراب موسم الصيف. تنميط فيه خروجٌ عن الطبيعة، أي تنوّع الأجساد إلى أحاديّتها (لدى النساء)، وتمجيدٌ لعادات أكل غير صحية، وتحميلُ النساء كامل مسؤولية الشكل الذي تأخذه أجسادهنّ... وذلك من خلال محتوى قاسٍ وصادم في كثير من الأحيان.
قبل الدخول في تفاصيل الترند الجديد على منصة تيك توك، لا بُدّ من التذكير ببعض الأرقام: تضمّ المنصة 1.59 مليار مستخدم نشط (وذلك حتّى شهر فبراير/شباط الفائت)، 57% من المستخدمين نساءٌ (حتى يناير/كانون الثاني 2022)، أمّا الفئة العمرية الأكثر استخداماً وحضوراً على المنصة فهي المُتراوحة بين 16 و24 سنة (ما يُمثّل 40% من المستخدمين ومعظمهم من النساء أيضاً).
في عام 2025، نعود إلى موضة الأجساد النحيفة، عند النساء حصراً. تحت هاشتاغ "سكيني توك"، تعبر قوافل من الأجساد، غالباً لمراهقات، يتباهينَ بأجسادٍ مثاليّة (يبدو على بعضهنّ علامات الإصابات بمرض فقدان الشهية العصابي/الأنوركسيا). قد يبدو غريباً بعض الشيء استخدام مصطلح موضة في سياق الحديث عن الجسد، لكنّه التعبير الأكثر تمثيلاً للواقع. الجسد موضة، تتغيّر حسب قواعد غير واضحة في معظم الأحيان. تتغيّر الموضة، فتضطرّ النساء إلى التأقلم، وتالياً أقلمة أجسادهنّ وأشكالهنّ، حتى لو اضطرَّهُنّ الأمر إلى دفع حياتهنّ ثمناً. هكذا، تدخل الأجساد في حلقات مفرغة من التجديد ومحاولة اللحاق باللحظة، ويبدو هذا منطقيّاً في سياق عالمنا الحالي، عالم السعي إلى المثاليّة افتراضيّاً، إذ لا يتوقف عن حثّنا على الاستيقاظ المُبكر، والانتظام، والمثابرة، وكسب أول مليون، والحصول على جسد مثاليّ.
تكمن خطورة الترند الجديد، بعيداً عن تمجيد النحافة، في الجمل والنصائح الصادمة المُترافقة معه. لا ينحصر المحتوى في عرض جسدٍ نحيف، بل يمتدّ إلى شرحِ نمط الحياة الذي أوصل صاحبته إلى هذه النتيجة، أو التنمّر على النساء غير النحيفات... هنا بعض نصائح مستخدمات "تيك توك" للوصول إلى جسد نحيف: كُلي في أيّامك العادية تماماً كما تأكلين أمام حبيبك، كُلي من خلال النظر إلى صور وفيديوهات الطعام (أي دون الأكل فعليّاً)، كُلي عن طريق عازل بلاستيكي (يبقى الطعام داخل العازل البلاستيكي، يُمضغ، ثمّ يُسحب العازل مع الطعام)، لا تأكلي، إذا آلمتكِ معدتكِ من الجوع يعني أنكِ على الطريق الصحيح!، أمّا العبارتان الأكثر رواجاً: هل أنا غيورة؟ أبداً، أنا طويلة ونحيفة! أنتِ لستِ بشعة! أنتِ فقط سمينة!
سيلٌ من الفيديوهات من الصعب إيقافه، خاصة مع سطوة الخوارزميّات التي لا ترحم. لهذا فإنّ الترند خطير، لا سيّما وأن أكثر من يتعرّض له هنّ المراهقات. استهلاك هذا النوع من الفيديوهات قد يؤدي إلى تبنّي عادات غذائية خطيرة، أو التوقف تماماً عن الأكل، كما قد يخلق عقداً ومشاكل نفسية لأسباب متعدّدة. في فرنسا، تحرّكت الحكومة منذ شهر للتصدّي للظاهرة. بهذا، توجّهت وزيرة الشؤون الرقمية كلارا شاباز، إلى هيئة رقابة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والرقمية، وكذلك إلى المفوضية الأوروبية، للتحذير من الظاهرة المنتشرة بكثرة على المنصة. واعتبرت شاباز أنّ الظاهرة أمر غير مقبول، مشدّدةً على أنّ حماية القاصرين على الإنترنت تقع في صلب أولوياتها. لهذا، وعدت بملاحقة الأمر وعدم ترك المنصات تتهرّب من مسؤولياتها.
إضافةً إلى التحرّك الرسمي، وقّع 25 ألف شخص على عريضة للتحذير من خطورة الظاهرة. بدورها، ردّت منصة تيك توك، على أسئلة وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس) حول الإجراءات المتخذة لحماية مستخدمي المنصة، عبر التأكيد على اتّباعها قواعدَ مشدّدة ضدّ التنمر الجسدي (Body Shaming) والسلوكيات الخطرة المتعلقة بخسارة الوزن. ولهذا، عند البحث عن الهاشتاغ على منصة تيك توك في فرنسا، تظهر في أعلى الصفحة إشارة بعنوان "وزنك لا يُشكّل قيمتك"، تدعو المتصفح الذي يُعاني من أسئلة متعلقة بشكله أو وزنه وعاداته الغذائية، إلى طلب المساعدة من متخصّصين أو أناس من محيطه الشخصي، وهذا أيضاً ما تعتمده منصة إنستغرام بمجرّد البحث عن كلمة نحافة (Skinny).
ومن الجدير بالذكر، أن الجمعية الوطنية الفرنسية كانت قد وافقت في شهر مارس/آذار الماضي على إنشاء لجنة تحقيق حول الآثار النفسية لمنصة تيك توك. مهمة اللجنة البحث والتدقيق في ما لو كانت المنصة تشجع فعلاً على الانتحار أو إيذاء النفس، وإذا ما كانت تضخّم مستوى التعرّض والوصول إلى محتوى جنسي مُفرط، بما قد يؤدي إلى حصول اضطرابات لدى المستخدمين. وفي وقت سابق، كانت قد تقدّمت سبع عائلات فرنسية بشكاوى قانونية ضدّ المنصة، بتهمة عدم كفاية إجراءاتها لحماية المراهقين، وتعريضها الأطفال لمحتوى يُشجّع على الانتحار أو أذيّة النفس وكذلك تشجيع محتواها على اضطرابات الأكل.
شكوى هذه العائلات، وما تحقّق فيه اللجنة النيابية الفرنسية، كان موضوع دراسة أميركية أجريت في عام 2022، خلصت الدراسة إلى أن المنصة عرضت 12 مرة محتوى يتضمّن إشارات إلى الانتحار أو أذيّة النفس، على المستخدمين المراهقين الذين يُعانون أصلاً من اضطرابات أو حالة من عدم الارتياح العام.