- الشخصية الرئيسية، كرم، تعاني من عدم التماسك في تطورها، حيث تبدو وكأنها تخدم الحبكة دون تحقيق ذاتها، مما يجعل الفيلم بارداً وغير متفاعل بسبب الأداء المبالغ فيه والمشاهد المفتعلة.
- يحاول الفيلم تناول قضايا الهجرة والاندماج في المجتمع الألماني، لكنه يعاني من حشو مفتعل وعدم تعمق في بعض القضايا، مما يضيف تعقيداً دون تقديم حلول واضحة.
إن ردّت شخصية، في حوارها مع طفل صغير يسأل عن نساء محجّبات وأخريات غير محجّبات، بأن هناك طرقاً عدة ليكون المرء مسلماً، فـ"حِجامة" لم يتقيّد حقاً بهذه المقولة، إذ بدا المسلمون عامة على نمط واحد: متلاعبون، تحكمهم العقيدة ومظاهرها، ومتمسّكون بقيم جامدة.
في جديد الإيراني نادر ساعي وَر، "حِجامة"، المشارك في مسابقة الكرة الكريستالية بالدورة الـ60 (3 ـ 11 يوليو/تموز 2026) لمهرجان كارلوفي فاري، موضوع جاذب. فمَن في الغرب لا يهتم بمعرفة كيفية تعامل الإسلام مع المثلية الجنسية؟ موضوع رائج اليوم، لكن ساعي وَر ليس كالفرنسية حفصية حرزي والتونسية ليلى بوزيد، اللتين تعاملتا مع مثلية نساء مسلمات، وهذا أكثر جذباً، إذ اختار شاباً من أصول تركية، يقيم في برلين (حوارات الفيلم باللغتين التركية والألمانية، وساعي وَر ذو أصل آذري في إيران): كرم (جايل جيم إلهان)، في عشرينياته، يقيم مع عائلته الميسورة المهاجرة، مالكة مطعم شهير. تعتبر العائلة من وجهاء المجتمع التركي المسلم المحلي، ذات علاقة طيبة مع الألمان. يتجلى هذا في مشهد أول، موفّق وحيوي بتجسيده تقاليد لا تزال متّبعة لدى الجالية. اجتماع في حفل ختان طفل في عائلة مختلفة الأجناس، مع موسيقى الإنشاد الصوفي، وزّعت فيها هدايا عينية ومالية. كما بدت تناقضات مجتمعات مسلمة، كشرب الكحول في الخفاء، وعدم احترام خصوصية الفرد، مع معاقبة كرم بالضرب بسبب انتشار شائعة حول ميوله الجنسية.
تخشى العائلة استنكار مجتمعها المحافظ، والوقع على الأخ الأكبر مراد (اللبناني الألماني كيدا خضر رمضان)، ذي الـ50 عاماً، عنيف. فرغم رغبته في مساندة شقيقه (يُدرَك السبب لاحقاً)، تعارض العائلة التقليدية، ولا سيما الأب، الأمر برمّته. يخضع الشقيقان لضغوط هائلة من المحيط، ويُبنى الفيلم بشكل رئيسي عليها، مع تشعّب يتناول مواضيع أخرى: نفسية تأتي من إمام المسجد في لقاءاته الخاصة بالشاب، وإثارته الحرام والعذاب وضرورة بذل الجهد للتخلص من هذه الخطيئة؛ وجسدية من شباب الحيّ، الذين يختارون ردعه بالعنف، وكرم يفشل في مواجهة هذا، أقلّه حتى المشهد الأخير. يدخل في مواجهات مع الذات، تفسد عليه عيشه وعلاقته بالأهل. يعاني عذاباً نفسياً لا يطاق، موزّعاً بين غرامه برجل ألماني، لا يتمكّن من التحكّم فيه، وإيمانه الديني.
يفلح "حِجامة" في التعامل مع هذا الصراع النفسي، مبرزاً التناقض بين حكم الواجب وحكم المشاعر، وبين المعتقدات الدينية المحافظة للوالدين، ومعهما الجالية، وخطب الإمام التي تدفع الشاب إلى التزام ما فوق طاقته، وبين ميول مثلية، لا تتوافق مع الإسلام بحسب الفيلم. لكن شخصية كرم بدت غير متماسكة، ووظّفت لخدمة الحبكة وأفكار المخرج، من دون أن تحقّق نفسها، فلم تتطوّر بما فيه الكفاية. كما أن الأداء مُبالغٌ به.
بين والده، الذي تربطه علاقة وثيقة بإمام الحي، لا تخلو من مصالح مالية وتلاعب، ورغبته في إنقاذ أخيه، وتركه يعيش حياته بما يتلاءم وشخصيته، يجد مراد نفسه في دوامة صراعات وصعوبات متزايدة. يدرك أنه، هو الآخر، في حاجة إلى المساعدة، ولا سيما مع إيحاء بميول مشابهة له، لكن من دون تعمق، بل مجرد إشارات في البداية، تتأكد في النهاية.
هكذا، بعد بداية واعدة، ينزلق"حِجامة" تدريجياً إلى حالة رواح ومجيء للشخصيات، ومشاهد مكرّرة، ومعالجة مثيرة للسخرية، لقضية مثلية مراد: علاقته بزوجته، لجوؤه إلى الطب البديل. يضعه ساعي وَر في أجواء مفتعلة، يطبق فيه الحِجامة طبيبٌ، يبدو متنكّراً بصفة هيبي عجوز مع باروكة، وديكور مكان غير مُقنع بتعبيره عن روحانية ما. المشهد كله يبعث على التهكّم.
بسعيه إلى إثارة توتر مستمر بين الشخصيات، عبر مواقف بعضها مفتعل ومتقصد، لا ينجح "حِجامة" في تمرير هذا التوتر للمشاهد، فيبقى بارداً أمام ما يجري، كأنه يتفرّج على لوحة وجد نفسه أمامها، ولا تثير أدنى تفاعل معها. ورغم محاولة السيناريو (ساعي وَر) الخروج إلى قضايا مرتبطة بمحوره الرئيسي، وجعلها ركيزة أخرى في هذه الدراما العائلية، بإعطاء مساحة أوسع للهجرة والحوار، ليس فقط بين الأديان المختلفة، بل في المجتمعات نفسها، ولقضية عيش الإنسان في كذبة وتمثيلية حياته كلها؛ أكّد هذا حشواً مفتعلاً. فليلى، زوجة مراد، بوسنية الأصل، تُبيّن أن المسلمين تعرضوا أيضاً للاضطهاد من القوات الصربية، وأُجبر بعضهم على تغيير دينه ليعيش بسلام. لم يفسر السيناريو سبب عدم عودة ليلى إلى دينها الأصلي، بعد زواجها بمسلم. إنها نموذج لحالات لجوء وهجرة، عبر التأقلم في المجتمع الألماني، خلافاً للعائلة التركية بألمانيا، التي تعيش كأنها في تركيا، بعاداتها وتقاليدها وأفراحها وأتراحها.
قرر "حِجامة" الإلمام بكل أنواع الهجرة، فأقحم اللجوء الداخلي مع الجارة مارغوت (ناستازيا كينسكي بأداء عصبي متوتر وغير مقنع، ربما بسبب سخافة الطرح)، التي كانت تهذي الفيلم كلّه بمواقف مملّة ومكرّرة، لا معنى لها، عن عدم قدوم حبيبها من الجهة الأخرى لألمانيا، عبر الجدار، كما فعلتْ سابقاً.