"ديفيا" في "كارلوفي فاري 59" وثائقيّ يتأمّل جمالياً أحوال موت وخراب
استمع إلى الملخص
- الفيلم يعتمد على التصوير البصري القوي والموسيقى المؤثرة لنقل معاناة الطبيعة والكائنات الحية، مع غياب الحوار، مما يعزز من تأثير الصور في توضيح حجم الدمار.
- "ديفيا" يدعو للتأمل في ثنائية الحياة والموت، ويبرز دعم المهرجانات السينمائية الدولية لأوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي.
يُلاحِظ التشيكي فويتِخْ كوتْشارنيك، في تقديمه "ديفيا" (2025) للأوكراني دْمِترو خْراشكو، المُشارك في مسابقة الكرة البلورية في الدورة 59 (4 ـ 12 يوليو/تموز 2025) لـ"مهرجان كارلوفي فاري السينمائي"، أنّ الحرب مأساة إنسانية، "لكنْ علينا ألا ننسى أنّ الطبيعة تعاني معنا غالباً" (كاتالوغ، الموقع الإلكتروني للمهرجان، علماً أنّ كوتْشارنيك أحد مبرمجيه). يُضيف أنّ هذا الوثائقي (79 دقيقة) "تأمّلٌ عميق مظلم، يُضيء العدوان الروسي غير المسبوق على الأراضي الأوكرانية"، مُشيراً إلى أنّ "أماكن" عدّة تتّهم بصمت العدوان وآثاره المُريعة عليها، مُعدِّداً بعض تلك الأمكنة: غاباتٌ متحوّلة إلى رماد، وحقولٌ تجتاحها انفجارات، ومدنٌ غارقة، وهياكل صدئة لمعدات عسكرية في مناطق مُدمّرة، "تلاشت الحياة فيها".
تصويرٌ صائب لوثائقيّ لا كلام فيه، لأنّ الصُور المتتالية (فلودومير أوسِك وخْراشكو)، الملتقطة من زوايا مختلفة (الأجمل بينها، رغم الخراب الفظيع، مُلتقطٌ من علوّ)، كافيةٌ لتبيان حجم ما تعانيه الأمكنة والمعدّات والكائنات الحيّة (نعيق البوم مثلاً منافسٌ أساسي لموسيقى سام سلايتر في مواكبة رحلة الجحيم تلك) من ألم وتمزّق وسواد تُخلّفه نيران تلتهم كلّ شيءٍ. وإذْ تُزيد الموسيقى، ولو قليلاً، من قوة الصورة في التأثير البصري المنفلش على روح وتفكير وقلب، فإنّ الصوت (فاسيل يافْتوشِنكو ومايكْخِلو زَكوتسكاي) مشغول بدقّة مؤثّرة بقدر تأثيرات الصورة والموسيقى.
إنّها حربٌ روسية جديدة على أوكرانيا (24 فبراير/شباط 2022)، ومهرجانات سينمائية دولية عدّة، أبرزها مُقامة في مدن أوروبية، تُساند بلداً صغيراً في مواجهة الدبّ الروسي، إلى حدّ أنّها تمنح رئيسه فولوديمير زيلينسكي صدارة المشهد في افتتاح دورات عدّة سابقة، و"كارلوفي فاري" مستمرّ في إتاحة حيّز لسينما أوكرانية، تواجِه وتكشف وتُحلِّل سينمائياً أحوالاً محلية جرّاء تلك الحرب أساساً، التي لن تظهر مباشرة في "ديفيا" (كلمة لاتينية، تعني الإلهي، السماوي، المقدّس)، وإنْ تُسمَع أصوات طائرات حربية، وصدى انفجارات صاروخية تندر مُشاهَدتها في الفيلم.
التأمّل. أقدر المفردات تعبيراً عمّا يصنعه "ديفيا"، المتوغّل في أراضٍ واقعةٍ في قبضة الحرب، أي الموت احتراقاً وقصفاً. فالتصوير، بما تملكه كاميرا الثنائي أوسِك وخْراشكو من معطيات ووقائع تتحوّل معها إلى انعكاسٍ حسّي لنتائج تلك الحرب، غير مكتفٍ بفعل مهنيّ أو فني، إذْ يبلغ مرتبة جمالية، ينقل معها ألم الطبيعة ونبضها الساعي إلى استعادة حيويتها، رغم كلّ خراب وموت. لا مبالغة في ذلك، فالتصوير، المُضاف إليه براعة صوت وموسيقى في نقلٍ كهذا، يضخّ في الجامد والمقتول والمُشوّه حساسية الانقلاب على الموت، وإنْ للحظاتٍ قليلة (قوس قزح قبيل اللقطات الأخيرة).
ندرة الكائنات الحيّة (بضع حيوانات، رجال قليلون يبحثون عن ألغامٍ، ويختبرون مياهاً، ويجهدون في تنظيفِ مكانٍ من آثار الموت والخراب)، تُقابلها مساحات شاسعة من أراضٍ وغاباتٍ وفضاءات مفتوحة على أفق غامض، وسماء غاضبة. انعدام كلّ كلامٍ أساسيّ، فالكلام غير نافع أمام قوّة الصُور الطبيعية لأحوالٍ، يُكثِّف تصويرُها المعنى الأعمق للحاصل في ذاك البلد، وأيضاً في كلّ بلدٍ يُشبهه في الجغرافيا والجيرة والحجم والتاريخ.
فيلم تأمّل؟ التمعّن أكثر في مساره الدرامي كافٍ للقول إنّ ما يُقدِّمه "ديفيا" دعوة إلى تأمّل عميق بالمعاني المختلفة لثنائية الحياة والموت.