ولعلّ ما رسّخ هذا التحوّل هو ابتعاد هيفا وهبي التدريجي عن المقابلات التقليدية، مقابل تكريس حضور محسوب عبر حفلات محدودة ومنصّات التواصل الاجتماعي. فخلال السنوات الماضية، اكتفت بإطلالات سريعة تسبق مشاركاتها في المهرجانات، بينما ظلّ حضورها الأكثر تأثيراً مرتبطاً بأعمالها الفنية لا بخطابها الإعلامي. وتوازياً مع ذلك، أنشأت فريقاً فنياً ضيقاً يسهّل إدارة صورتها وينسّق مشاريعها الموسيقية، بدءاً من الغرافيك والتصوير وصولاً إلى الإنتاج والتوزيع، ما عزّز موقعها خارج منطق الظهور الدائم وداخل منطق العمل المتراكم.
ومن الواضح أن هيفا وهبي تراهن اليوم على الإصدارات الغنائية، وتدرك جيداً آليات كسب الجمهور، سواء من خلال اختيار الكلمات المؤثرة أو الألحان التي تبتعد أحياناً عن السائد. وبعد ما يقارب ثلاثين عاماً في مواجهة الأضواء، بين نجاحات وخيبات، لم تبتعد عن الموسيقى، بل عملت خلال فترة ابتعادها الإعلامي على خطة إصدارات مدروسة تضمن لها حضوراً دائماً، ولكن ضمن مساحة مختلفة لا تتقاطع مع أعمال زملائها.
في هذا السياق، أصدرت المغنية اللبنانية أخيراً الجزء الثاني من ألبوم "ميغا هيفا" عبر قناتها الرسمية على "يوتيوب" والمنصات الموسيقية الرقمية، ويضم ستّ أغانٍ جديدة هي: "غلّطني في إحساسي" و"بس بس" و"بتحبك فعلاً" و"أزمة نفسية" و"مراية الحب" و"بدنا نروق". تعاونت وهبي في ألبوم "ميغا هيفا 2" مع عدد من صنّاع الموسيقى في العالم العربي، هم سليمان دميان وجمال ياسين وعزيز الشافعي وتميم وديك بيتهام وتامر حسين وإسلام زكي وأحمد الموجي وعمر المصري وسامر أبو طالب وعمر الخضري وأحمد المالكي وأمين نبيل ورامي شلهوب ونادر عبد الله ومدين.
مضموناً، وقبل الشكل، ورغم محدودية الأداء الصوتي، اختارت هيفا كلمات تنسجم معها ظاهرةً، وأحسنت في انتقاء ألحان تتلاءم مع قدراتها، ما يحسب للمنتجين والملحنين الذين فهموا رؤيتها الموسيقية، وقدّموا لها ألحاناً. ولا يمكن إغفال دور التوزيع الموسيقي الذي شكّل عنصراً أساسياً في جذب انتباه المستمعين. في أغنية "بدنا نروق" على سبيل المثال، تقترب وهبي من لغة الشارع اللبناني، مستخدمة مفردة تحولت في وقت قياسي إلى تعبير شائع يتداوله الناس يومياً، ما فتح الباب أمام انتشار الأغنية على منصات مثل "تيك توك"، وساهم في رفع نسب المشاهدة والتفاعل.
اليوم، تراهن هيفا وهبي على الغناء بالدرجة الأولى، رغم نجومية الحضور التي رافقتها لأكثر من ثلاثين عاماً، وجعلتها أحد أكثر الوجوه شهرة وجدلاً في العالم العربي، وما رافق ذلك من ردات فعل وشائعات وأزمات. إلا أنها اختارت الهرب إلى الغناء كونه مساحة صراع من أجل الاستمرار، ومنافسة هادئة من بعيد، انطلاقاً من قناعة بأن العمل وحده هو الرد. ورغم الضجيج الذي أثير أخيراً، وليس آخره انتشار مقطع مصوّر منسوب إليها، جاء الرد عبر القضاء المصري، الذي أصدر حكماً بإلغاء قرار نقابة المهن الموسيقية بمنعها من الغناء داخل مصر، ما أتاح لها العودة رسمياً إلى إحياء الحفلات الفنية، بعد جدل قانوني استمر منذ مارس/آذار الماضي.