ريبيكا زلوتوفسكي: "نعتقد أننا نروي قصة لكننا في الواقع نروي أخرى"

29 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 08:42 (توقيت القدس)
ريبيكا زلوتوفسكي: "جزء من مسؤوليتي تقديم عمل ممتع" (ستيفان كاردينالي/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- "حياة خاصة" هو فيلم يجمع بين التحقيق البوليسي والإثارة النفسية والكوميديا، حيث تتورط المحللة النفسية ليليان ستاينر في تحقيق حول وفاة غامضة لمريضتها بولا، مما يؤثر على حياتها الشخصية.
- الفيلم يعكس رحلة ليليان في إعادة النظر في حياتها من خلال تحقيقها، ويبرز تأثير السينما في استكشاف العلاقات والتجارب الشخصية، مستنداً إلى تعاون بين المخرجة وكاتبة السيناريو آن بيرست.
- يتميز الفيلم بإيقاع سريع ومليء بالتوتر، مع حوارات دالة وموسيقى تعزز الأجواء الدرامية، مما يبرز التلاعب بالكلمات وفهم اللحظات من زوايا مختلفة.

 

في "حياة خاصة" (2025)، المعروض في قسم "عروض غالا" بالدورة الـ22 (28 نوفمبر/تشرين الثاني ـ 6 سبتمبر/أيلول 2025) للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، تجنح ريبيكا زلوتوفسكي إلى ميدان لم تطأه قبلاً: مزيج بين أفلام التحقيق البوليسي والإثارة النفسية والكوميديا: تنجرف ليليان ستاينر (جودي فوستر)، المحلّلة الأميركية المقيمة بباريس، في تحقيق بوليسي عن ظروف غامضة تلفّ وفاة بولا (فيرجيني إيفيرا)، التي تتابع علاجاً عندها، فتصطدم باتهامات زوج هذه الأخيرة (ماتيو أمالريك) لها بالتسبّب بالوفاة. تفقد ليليان التحكم بحياتها الخاصة تأثراً، وتنخرط في نوبات بكاء لاإرادي، تفاجئ طليقها (دانيال أوتوي) المعتاد على شخصيتها الهادئة ورباطة جأشها، فيحدث تقارب بينهما.

تكمن جاذبية الفيلم أولاً في ذكاء سيناريو آن بيرِست (كتبته مع غايل ماسي والمخرجة)، القائم على تحولات درامية غير متوقّعة، ووضعيات مُشبعة بالمفارقات. إضافة إلى حوارات دالة، تجعل من اللغة والتلاعب بالكلمات رهاناً بحدّ ذاته، خاصة أن لكنة فوستر، رغم تحدثها الفرنسية بطلاقة (لها دورين في فيلمين فرنسيين: "دم الآخرين" لكلود شابرول عام 1984، و"خطوبة طويلة جداً يوم الأحد" لجان ـ بيار جوني عام 2004)، تسهم في ذلك. كما أن إخراج زلوتوفسكي يستثمر ببراعة أجواء الشك، حين تتابع ليليان حصص علاج بالتنويم المغناطيسي، فيتساءل المشاهد عن الواقعي والمستهام فيما تعيشه. مثلاً: مشهد تستمع فيه إلى تسجيلات حصص العلاج مع بولا، بحثاً عن أدلة تعزّز فرضية الجريمة أو تنفيها، تعالجه زلوتوفسكي بنَفَس هتشكوكي، بإدراج الصوت من خارج الإطار، فيبدو كأن بولا عادت إلى الحياة لتقضّ مضجع طبيبتها.

في القسم الأخير، تهيمن على الفيلم جمالية كوميديا إعادة الزواج (Comedy Of Remarriage)، عبر عودة الحياة إلى العلاقة بين ليليان وطليقها، فيفصح اللقاء بين فوستر وأوتوي عن كيميائية لافتة للانتباه، لا سيما أن انقلابات درامية، تلامس البورليسك وتذكّر بأسلوب وودي آلن، تستمر في خلفية الحكي، ممتحنة التقارب بين شخصيتيهما.

 

(*) كيف جاءت فكرة تحقيق فيلم عن الحياة الخاصة لطبيبة نفسية؟

المقصود بـ"حياة خاصة" ليس حياة الشخصية الرئيسية فحسب، بل أيضاً الحياة الخاصة لباولا. أولاً، أعتقد أن الفكرة لم تنبع من عقلي بمفردي، بل من العقل "المريض" لكاتبة السيناريو آن بيرِست. إنها روائية تكتب بغزارة، وصديقتي منذ أيام الثانوية. مشهورة جداً في فرنسا، بيعت نسخ كثيرة من كتب لها في العالم. لديها هواجس لا أشاركها إياها، لكنها تتناغم معي بشكل رائع. هذا ليس تواضعاً زائفاً، لكن كل شيء موجود بالفعل في المخطوطة الصغيرة، المكوّنة من 30 صفحة، التي عرضتها عليّ.

نبعت الفكرة من شخصية ليليان ستاينر، التي أحببتها. طبيبة نفسية تبكي، وتشعر بتعاطف جنوني عندما تتوفى إحدى مريضاتها. قلت لنفسي إن الأمر أشبه بنكتة يهودية. كان هناك عنوان يطاردني منذ سنوات: "حياة خاصة"، وصورة ممثلة لم تبرح مخيلتي منذ 15 عاماً: جودي فوستر. لقاء هذه العناصر الثلاثة أسفر عن الفيلم.

 

(*) بالحديث عن الصورة المتكررة لامرأة تبكي، في مشهد معين، نرى فوستر تركض وهي تلفّ شالاً حول رأسها. لا أعرف لماذا يستحضر هذا المشهد، مُقترناً بلازمة البكاء اللاإرادي، صورة مريم العذراء في ذهني.

هناك شيءٌ ما من هذا القبيل. بالنسبة إلي، كان ذلك فقط لأني أكره المظلاّت. في أفلام كلود سوتيه، عندما تمطر، يقوم الممثلون بهذه الحركة. هذا يؤثر فيّ كل مرة. لكن، من المثير للاهتمام أنك لاحظت ذلك. أعتقد أن الجميل في السينما أن كل شخص يفتح ويغلق أبواباً على لاوعيه الخاص، وعلى علاقاته وتجاربه. يكون الفيلم غنياً عندما يحقّق استعارة لشيء آخر. أحب هذا النوع من المشاريع التي تسمح بـإقامة حوار عما رأيتَه أنتَ، وأنا لم أره. ربما لأنك تمتلك ثقافة مختلفة عنّي.

 

الجمهور داخل "لا كلي"، 16 يناير 2020 (فيليب لوبيز/ فرانس برس)
سينما ودراما
التحديثات الحية

 

(*) ما أثار إعجابي أيضاً أنك، من خلال إخراجك، بنيتِ نسقاً ذهنياً لطبيبة نفسية. بهذا النسق، وبذريعة جريمة محتملة، تمكّنت من دفعها إلى إعادة النظر في حياتها برمّتها. أكان هذا الرهان الدرامي منذ البداية؟

الأمر يتمحور حول اتباع مسار أساسي في اشتغالي: نعتقد أننا نروي قصة محدّدة، لكن في الواقع نروي قصة أخرى. هذا يحيل إلى أفلام وودي آلن، كـ"لغز جريمة قتل في مانهاتن"، حين يحقّق الزوجان في مقتل جارتهما، وتبدو الجريمة غريبة للغاية في البداية. يدرك المشاهد سريعاً أن التحقيق ليس في موضوع الجريمة، بل في موضوع آخر. المشاهدون ليسوا أغبياء إطلاقاً. إنهم يعلمون جيداً أننا نحقق لهم متعة الإثارة. لكن، في الواقع، الأمر يتعلق بأزمة شخصية، وأننا، طبيبة نفسية أم محقّقة أم مخرجة، نحقّق دائماً في شأن يخصّ حياتنا الشخصية.

 

(*) هل كان الاشتغال على فلتر النوع، للتساؤل عن أمور تنتمي إلى المجال الحميمي، نهجاً واضحاً في ذهنك منذ البداية؟

ليس هذا الهدف الأصلي للمشروع، لكنه النتيجة التي وصلت إليها. أعتقد أن جزءاً من مسؤوليتي كمخرجة محاولة تقديم عمل يبعث على المتعة أولاً، لكنه في الوقت نفسه غير متوقَّع. إذا منحتني برنامجاً مُعدّاً سلفاً لهذا اللقاء، أستمتع به في البداية، لكني سأتوقف في منتصف الطريق. لذا، لم نُقرّر، آن بيرست وغايل ماسي وأنا، صنع مزيج من الأنواع. الأمر ببساطة أننا وصلنا إلى هذه النتيجة.

 

(*) إيقاع الفيلم سريع، إذ يكاد المشاهد لا يلتقط أنفاسه بين مشهد وآخر. كيف توصلت إلى تبني هذا الإيقاع؟

أعتقد أن ذلك عائدٌ إلى شيء ما شعرت به منذ بداية التصوير. ضرورة أن أركض من شيء إلى آخر. لذا، حرفياً، كنت أجعل جودي فوستر تجري كثيراً، وحرصت أن يكون لشخصيتها جانبٌ بدني بارز، حتى لو كانت ترتدي كعباً عالياً. كانت تسألني في كل مرة: "لماذا جعلتني أرتدي هذه الأحذية؟". ثم هناك تأثير الموسيقى. أعتقد أننا نفهم شيئاً ما عن الفيلم عندما ندرك أن الموسيقى يجب أن تكون سريعة للغاية. بدأت بتوجّه هيتشكوكي نوعاً ما، أي أكثر إثارة وتشويقاً وجاذبية، على غرار برنارد هيرمان. عندما أعدت مشاهدة فيلم «الأحجية" (Charade) لستانلي دونِن، كوميديا خفيفة كحلوى مُشكّلة، فرضت موسيقى هنري مانسيني نفسها في نقاشاتي مع روبن كُدَرْ، ملحن موسيقى الفيلم. هكذا، اتفقنا، المونتيرة جيرالدين مونْجُنو والملحن وأنا، على ضرورة الإسراع باستمرار، حتى نشعر أننا تائهون وسط دوامة أحداث وتطوّرات.

(*) هناك أيضاً مسألة إيقاع الحوارات، خاصة مع جودي فوستر التي تتقن اللغة الفرنسية.

لنقل إن الصعوبة تكمن في وجود حوارات طويلة إلى حدّ ما، وفي الوقت نفسه، كان لا بدّ أن تتقدم الأحداث، وألا نحصل على فيلم ثرثار. جزءٌ من التحديات التي واجهتها أن التحليل النفسي وعيادة الطبيب النفسي مجالان يتعلّقان برهان حوارات طويلة. كان لا بدّ أيضاً من احترام هذا النوع من الحبكة اللغوية، أو شيء يدور حول مفهوم سرد الإنسان قصته الخاصة. هذا يحيل إلى اللعب بفكرة تعدّد معاني الكلمات التي استعملتها بولا.

إذاً، نحن بصدد تحقيق في الكلمات التي تُشكّلنا، والكلمات التي ربما لم نتمكن من نطقها لسبب أو لآخر. هذا، كما أعتقد، التحدي الذي واجهته فوستر أيضاً، لأنها كانت تخشى بشدة أن تفقد كلماتها. لذا، شعرتُ أنه لا ينبغي الارتجال. ضروري حقاً أن تحفظ النص بطريقة موسيقية. تتحدث جودي الفرنسية بطلاقة تامة. قالت لي في لحظة معيّنة: "آه. مُحزن أنّي لن أستطيع الارتجال". مع ذلك، هناك مشهد كامل تمّ ارتجاله مع دانيال أوتوي في نهاية الفيلم. واضح أنها قادرة على ذلك.

هذا رهان "حياة خاصة": المزج بين الحركة والجانب الكوميدي اللغوي، أو كوميديا الكلمات.

 

(*) اشتغالك على شريط الصوت رائع. أحب المشهد الذي تصعد فيه فوستر السلم متجهة إلى الشقة، ويُسمع صوت المريضة المقبل من خارج الإطار، كأن هذه الأخيرة بُعثت مجدّداً بفضل الصوت المُسجّل.

غششنا تماماً في هذا المشهد، لأن جودة الصوت الذي تسمعه جودي من الأسفل كأنها موجودة فعلياً في الغرفة. كل شيء مرتبط بالدماغ أكثر من ارتباطه بالواقعية، في تلك اللحظة. أحببت فكرة شغلت بال مخرجين كثيرين: متعة الحصول على تسجيلات صوتية تعود إلينا لاحقاً، وتلقي الضوء على حقيقةِ لحظةٍ كنا نعتقد أننا عشناها، لكننا لم ندرك مضمونها حينها. هذه استعارة عن السينما، أي كيف أننا نعيش لحظة معيّنة، ونعتقد أننا فهمناها. لكن، إذا أُعيد عرضها علينا من وجهة نظر مختلفة، وبمونتاج جديد، ندرك أننا أغفلنا جوهر وجودنا برمّته.