استمع إلى الملخص
- يركز الفيلم على تأثير التكنولوجيا على العلاقات الإنسانية، حيث يبرز التوترات في زواج سكوت نتيجة هوسه بالتكنولوجيا.
- يقدم الفيلم تأملًا في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، ويثير تساؤلات حول تأثير التكنولوجيا على العلاقات العاطفية، مما يجعله استعارة لعلاقة الإنسان المعاصر بالتكنولوجيا.
منذ أن طرح مصطلح السايبورغ (كائن نصف آلي نصف بشري) في الستينيات، احتلَّ مكانةً مركزية في الخيال السينمائي. من سلسلة "المنتقمون" في الثمانينيات إلى "الشبح في القوقعة" في العقد الأخير، ظلَّ السايبورغ تجسيداً للتناقض بين المخاوف البشرية من ذكاء الآلات وأملهم في الخلود. الفيلم الوثائقي الجديد "زوجي السايبورغ" (My Husband, the Cyborg) للمخرجة سوزانا كابيلارو، يقلب هذه الصورة رأساً على عقب.
بدلاً من ممثلٍ يلبس بدلةً معدنية في استوديو، نرى شخصاً عادياً يدعى سكوت كوهين يُوثِّق تحوُّله الحقيقي إلى سايبورغ عبر كاميرا زوجته، ذلك من خلال زرع جهاز نورث سينس في صدره، مُحاولاً بذلك دمج التكنولوجيا بجسده لتعزيز إدراكه للمجال المغناطيسي للأرض. هذا الانتقال من الخيال إلى التوثيق تلتقطه كابيلارو، على الرغم من أن العمل هو أول تجربة إخراجية لها بعد أن عملت ممثلة في العديد من الأفلام، وبصدفة غير محسوبة وثقت المخرجة هشاشة العلاقات الإنسانية في عصر تهيمن فهي التكنولوجيا على التفاصيل الأكثر حميمية.
في الأفلام التقليدية، يُقَدم السايبورغ بوصفه آخر مخيفاً، وكائناً يعبر عن صراع بين البشرية والتكنولوجيا. في The Terminator الصادر عام 1984، كان السايبورغ قاتلاً لا يعرف الرحمة، عَكَسَ هاجس البشر من فقدان السيطرة على اختراعاتهم، أما في RoboCop الصادر عام 1987، تحوَّل البطل إلى آلةٍ خاضعة للبرمجة، تعكس أزمة الهوية في عصر الرأسمالية المتوحشة. بين هذا وذاك يقع فيلم كابيلارو (قصةً). قرَّر سكوت، المؤسس لشركة "ذا أوركارد" الموسيقية أن يزرع في صدره جهازاً يهتزّ كلما اتجه شمالاً، مُحاكياً حاسة الملاحة المغناطيسية لدى الطيور. الفكرة كما يرويها سكوت هي خطوة نحو ما بعد الإنسانية، إذ يصبح البشر جزءاً من التكنولوجيا، وليس مُستخدمين لها.
ما سبق شرح لوجهة نظر سكوت. أما وجهة نظر زوجته تتمثل بإدراكها بأن الصراع الحقيقي ليس في نجاح التجربة من عدمه، بل في تأثيرها على نسيج زواجهما. الفيلم، الذي يُقدَّم بأسلوب الفيلم المنزلي عبر لقطات مصوَّرة بالهاتف الذكي أو كاميرا متوسطة الدقة، يتحوَّل تدريجياً من توثيق علمي إلى سرد درامي لعلاقة تتهاوى تحت وطأة الهوس التكنولوجي.
تظهر المشاهد الأولى الزوج بشخصية المدير العقلاني الطموح، دوافعه واضحة وخطته أيضاً؛ إذ يريد أن يشعر بالكوكب كما تشعر به الكائنات الأخرى. مع تقدم الأحداث، تظهر التناقضات، كرفضه العاطفي لانتقادات زوجته، وإصراره على الاستمرار رغم الالتهابات الجسدية الناتجة عن الزرع، وتحوُّله إلى شخصية منعزلة منشغلة بتجربتها عن أي تواصل إنساني.
الفيلم بسيط من تقنياً، لكن هذه البساطة المتمثلة بلقطات مهزوزة وإضاءة عشوائية وأصوات غير متوازنة، تضفي مصداقية على السرد. بضعة مشاهد أخرى مُنتِجَت بذكاء، فتُحوِّل التكرار الممل في حياة الزوجين إلى إيقاع درامي تكبر الفجوات فيه لإظهار الفراغ العاطفي المتزايد لدى المخرجة، علماً أن كابيلارو، مخرجةً وزوجةً، لم تقدم نفسها ضحيةً، وقد يكون هذا بسبب انشغالها بالتصوير والتوثيق.
في مشهد الذروة، تُحاول الزوجة لمس صدر زوجها المُصاب بالالتهاب مراراً على الرغم من احتجاجه، وكأنها تختبر حدوده الجسدية في هذا العرض السينمائي. هنا، يُصبح الفيلم تأملاً في ثنائية المراقِب والمرصود، فبينما يسعى سكوت إلى دمج التكنولوجيا بجسده، تندمج كابيلارو مع كاميرتها. إضافة إلى ما سبق، لم يُصوَّر السايبورغ بوصفه كياناً منفصلاً عن البشر، يحمل دائماً بذرة تهديد، هذه نقطة تحسب للمخرجة.
يرسم الوثائقي صورة قاتمة مسحوبة الدسم ولا تلبي الطموحات إلى مابعد الإنسانية، الجهاز الذي زرعه لا يمنحه قوى خارقة، بل يجعله أسير اهتزازٍ ميكانيكي لا معنى له. حتى حين تُجرّب كابيلارو زرع مغناطيس في إصبعها، تكتشف أن القوة الخارقة الوحيدة هي التقاط مشابك ورقية. الكاميرا هنا لا تُصوِّر كائناً خارقاً، بل إنساناً يعاني التهاباتٍ جلدية بسبب زرعةٍ فاشلة، وزوجةً تكافح لفهم تحوُّلات شريكها.
الفيلم يُثير الانزعاج لأنه يطرح أسئلة لا نملك إجاباتها. ما الثمن الذي ندفعه مقابل انغماسنا الأعلى في التكنولوجيا؟ وهل يمكن للحب أن ينجو في عصرٍ نفضل فيه الاتجاهات المغناطيسية على الاتجاهات العاطفية؟ كابيلارو تنجح في تحويل قصتها الشخصية إلى استعارة واسعة عن علاقة الإنسان المعاصر بالتكنولوجيا، لكنها تُخفق في تقديم رؤية فنية متكاملة.