استمع إلى الملخص
- تناولت السينما السورية موضوع السجون بشكل غير مباشر لتجنب الرقابة، حيث ظهرت أفلام مثل "القلعة الخامسة" و"خارج التغطية" التي عكست تأثير السجن على الأفراد والمجتمع.
- بعد الثورة السورية، ازدادت الرغبة في توثيق قضايا الاعتقال، وظهرت أفلام وثائقية مثل "عيوني"، مما أثار تساؤلات حول توثيق الكارثة الإنسانية في السجون.
لم تكن السجون في سورية مجرّد مؤسّسات عقابية تؤدي دوراً اجتماعياً وقانونياً، وإنما تحولت عبر عقود الاستبداد إلى ماكينة سياسية لتوليد الخوف، وصناعة الطاعة، وتحويل العنف إلى نظام حياة، متجاوزةً حيّزها المكاني نحو مركز ثقل رمزي في الذاكرة الجمعية والحياة اليومية على حدٍّ سواء. ومع تولي عائلة الأسد السلطة، تجذّر حضور السجون في حياة السوريين وتحوّل إلى مفهوم يختزل معانٍ شتى من العنف والظلم وإنتاج علاقات ذات أساس سلطوي بين سجان وسجين، وبين السجناء أنفسهم، وبين السجانين على المقلب الآخر.
أمام هذا التصاعد الحاد في عنف السجون، وجد الكتّاب السوريون أنفسهم أمام تجربة تتجاوز القدرة التقليدية للسرد؛ فلم تعد الكتابة عن السجن مجرّد وصف لمكان وزمان، بل محاولة لمواجهة جرح إنساني عميق، وسبر الأسئلة الأخلاقية والنفسية التي ينتجها هذا الفضاء. ومع تكدّس أدب السجون، بدا واضحاً أنّ اللغة تسعى إلى توليد صورة، وأنّ الشكل البصري سيكون، في لحظة ما، الوسيط الأقدر على حمل هذا الثقل.
في عام 1979، أنتجت المؤسّسة العامة للسينما أول فيلم سوري يتناول الاعتقال السياسي، وهو فيلم "القلعة الخامسة" للمخرج بلال الصابوني، والقصة من تأليف الكاتب العراقي فاضل عزاوي، والحوار للكاتب المصري صنع الله إبراهيم والكاتب رياض عصمت. يحكي العمل قصة اعتقال أستاذ مدرسة بسبب تشابه أسماء، لتتحوّل المصادفة إلى بوابة نحو عالم السجن وعمق التجربة السياسية-الإنسانية التي قد يسبّبها مجرّد التباس في الهوية. ما أنقذ الفيلم من المنع حينها أنه لم يقترب من زمن الأسد، بل عاد إلى مطلع الخمسينيات، إلى ما بعد الانقلابات العسكرية وقبل تشكّل النظام الأمني الحديث. بعد عام من صدور الفيلم نفّذ النظام واحدة من أشد المجازر دموية في سجن تدمر حيث أعدم 1200 معتقل خلال ثلاث ساعات، وفق تقديرات حقوقية. هكذا، بينما كانت السينما تُعيد صياغة الماضي القمعي بمسافة زمنية مريحة، كان الواقع يعيد إنتاج حاضر أكثر وحشية.
منذ تلك اللحظة، دخلت السينما السورية مرحلة المواربة، فمُنعت السينما من تناول الاعتقال السياسي، وكذلك الاقتراب من رموز السلطة. ومع اكتمال ملامح الدولة الأمنية واكتظاظ سجن تدمر بالمعتقلين، تخلّت السينما (التي كانت حكراً على القطاع العام) عن تمثيل السجن مباشرة، ونقلته إلى المعنى المضمَر. مع الزمن، راكمت الذاكرة السورية قصصاً لم تروَ حول سجني تدمر وصيدنايا والفروع الأمنية الكبرى، وأحاطت بالسجون هالة من الأسطرة والسرية، وباتت أمكنة تمتلك حضوراً ثقيلاً في المخيّلة المشتركة للسوريين.
كانت المخرجة هالة العبد الله تنوي إنجاز فيلم عن الشاعرة السورية دعد حداد التي غادرت الحياة دراماتيكياً في تسعينيات القرن الماضي، فاستقرّت أخيراً على سطر لحداد وجعلته عنواناً لفيلمها الوثائقي "أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها" (2006). الفيلم ليس عن السجن بصفته مكاناً، وإنما عن الأثر الذي يخلفه في نفوس من عاشوا التجربة، بالتحديد عن ثلاث نساء ورابعتهنّ هالة العبد الله نفسها، وعن ذكرى الاعتقال التي يحملنها. الفيلم يجسد هذه الذاكرة القلقة للمعتقل والمنفي وعلاقته المضطربة بالمكان (المنفى والوطن).
بعد عام، أخرج عبد اللطيف عبد الحميد فيلم "خارج التغطية" (2007) الذي وضع السجن خارج الكادر تماماً، وجعله مركز الحكاية في الوقت نفسه. شخصية المعتقل لا تحتل في ظهورها سوى جزء يسير من الفيلم، لكن غيابه يشبك مصائر ثلاثة أشخاص ينتظرون حسم علاقاتهم به (الابنة، الزوجة، الصديق).
في فيلم عبد الحميد، السجن يخلق حبكة درامية متخيّلة لكنها واقعية. أما في فيلم العبد الله، السجن يهدد الذاكرة نفسها، الأول يطرح سؤالاً أخلاقياً عن الوفاء للغائب مجهول المصير. المعتقل في "خارج التغطية" غائب لكن غيابه يحرك القصة وإمكانية عودته تهدد الحكاية بالانتهاء، أما في فيلم هالة العبد الله تحضر المعتقلات السابقات بذواتهنّ وذكرياتهنّ وآمالهنّ وانكساراتهنّ.
في أدب السجون السوري، الحكايات ليست مجرّد شهادات فردية، بل هي شكل من أشكال المقاومة ضد النسيان، وصوت جمعيّ يبحث عن الاعتراف والعدالة. الرواية الذاتية التي كتبتها رغدة حسن "نجمة الصبح" مثال دالّ على رغبة أدب السجون في التحول إلى سينما. الرواية تحكي قصة حب تشتعل عبر الزنازين، بين رغدة حسن وزوجها الفنان الفلسطيني عامر داوود. هذه الحكاية لم تبقَ في حدود السرد، بل تحوّلت إلى الفيلم الوثائقي الذي صدر عام 2015 بعنوان "قصة حب سورية" (Syrian Love Story) من إنتاج "بي بي سي". يرصد العمل خمس سنوات من حياتهما بعد السجن والمنفى، ليكشف كيف يمكن لتجربة شخصية أن تتحوّل إلى سرد بصري مفتوح على الذاكرة والمجتمع والسياسة.
هذا التحوّل يظهر بوضوح في رواية القوقعة لمصطفى خليفة؛ إذ لم يعد السجن خلفية للأحداث، بل أصبح هو الحدث نفسه، وهو اللغة، وهو الزمن المتعفّن الذي لا يمضي. هنا، كما يقول فرج بيرقدار عن الزمن داخل السجن "اللحظة ليست لحظة، إنها دهر كامل". السجن، في هذه الأعمال، ليس مكاناً فحسب، بل تعطيلٌ للزمن، مترافق مع انكسار إنساني، وانقطاع عن العالم.
في كتابها "أدب السجون السوري: بويطيقا حقوق الإنسان"، تنطلق ريبيكا شريعة طالقاني في مصطلح "بويطيقا الاعتراف"؛ إذ تتحوّل تجربة الاعتقال من سرد ذاتي إلى خطاب حقوقي وجمالي وأخلاقي، يطالب بالظهور وإعادة تعريف الذات خارج دور الضحية الصامتة بوصفه حقاً.
هذا الانتقال من الحكاية إلى الصورة جسّدته سينما المنفى السورية، خصوصاً أعمال مجموعة "أبو نضارة" التي قدّمت مفهوم "سينما الطوارئ" ورفعت شعار: "الحق في الصورة". هنا، لم تكن الكاميرا وسيلة لتوثيق السجن، بل لاستعادة الكرامة، ورفض تحويل الألم إلى مشهد بكائي أو استهلاك بصري.
من جهة أخرى، أعاد فيلم "تدمر" (2016) لمونيكا بورغمان ولقمان سليم بناء سجن تدمر ليس كما كان في الواقع، بل كما ظلّ في ذاكرة الناجين. يُعاد إنشاء السجن داخل مدرسة مهجورة في لبنان، ويتولى المعتقلون أنفسهم تشكيل المكان، وتحديد مواقع الأبواب والزنازين وأصوات السجانين وشخصياتهم، وحتى أساليب تعذيبهم. السجن هنا لم يعد هندسة معمارية، بل هندسة نفسية وإعادة تعريف علاقة الإنسان بمكان لم يعد موجوداً، بعد أن فجّره "داعش" عام 2015.
ومع ذلك، تظلّ السينما عاجزة عن تمثيل زمن السجن؛ فزمن الفيلم محدود، بينما زمن السجن كما يصفه بيرقدار "رخو، بليد ثقيل، لا يتحرّك".
مع اندلاع ثورة 2011، تحوّلت السجون إلى واقع دامٍ يتسرّب إلى الشارع والوجوه والشاشات. اعتقل نظام بشار الأسد ما يتجاوز مئة ألف شخص، وباتت فكرة المعتقل جزءاً من الحياة المعيشة، وكان لا بدّ من انفجار الرغبة في القصّ، ولا سيّما حين اضطر ملايين السوريين إلى ترك بلادهم واللجوء إلى بلادٍ أكثر أماناً. ومع أنّ الخوف لم يسقط تماماً، إلّا أن كثيراً من اللاجئين أثاروا القص عبر شهادات، أو أفلام وثائقية، أو محاولات روائية وبصرية تحاول التقاط معاني هذه التجربة.
ظهرت أفلام وثائقية عدّة مثل "عيوني" لياسمين فضة عام 2020. يتناول هذا العمل قضية الاختفاء القسري من خلال شخصية الأب باولو والشاب السوري الفلسطيني باسل خرطبيل المعروف باسم باسل الصفدي.
وعند سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، تحول ثقل سينما السجون من خارج البلاد إلى داخلها حين فتحت أبواب الزنازين، وخرج مَن تبقى من المعتقلين الناجين. حينها، كشف عن حجم الكارثة الإنسانية، كما انتشرت شائعات تعظم وحشية السجان في حين كانت الحقيقة وحدها كافية.
صورت وسائل إعلام كبرى وثائقيات عن السجون مثل "وما أدراك ما صيدنايا" من إنتاج قناة الجزيرة، و"النجاة من صيدنايا" من إنتاج "بي بي سي"، و"صيدنايا... الثقب الأسود" من إنتاج قناة العربية، و"الناجون من سجون الأسد" من إنتاج "فرانس 24"، إضافة إلى عشرات الأفلام المستقلة الأخرى التي جاء مخرجون من أصقاع الأرض لتصويرها عن سجون الأسد ذائعة الصيت، سيئة السمعة.
تزامن دخول الكاميرا إلى السجون مع اختفاء وثائق وملفات كانت قد تكشف مصير مئات المغيّبين؛ ما يضع الفن أمام سؤال أخلاقي حاد: هل يجوز تحويل مسرح جريمة لم يُقفل بعد إلى موقع تصوير؟