صحافي فلسطيني يروي تفاصيل تعرضه للاغتصاب والتعذيب في سجون الاحتلال
استمع إلى الملخص
- أوضح الساعي أن تجربته الأخيرة في الاعتقال كانت مختلفة تماماً، حيث تعرض لأشد أنواع التعذيب رغم وضعه الصحي الحرج، بما في ذلك الضرب والإهانة والتهديدات.
- عبر الساعي عن خيبة أمله من الجهات الرسمية الفلسطينية لعدم تقديم الدعم، مؤكداً على أهمية تدويل شهادته للدفاع عن قضية الأسرى الفلسطينيين.
قدّم الصحافي الفلسطيني سامي الساعي شهادة قاسية ومروّعة عن ظروف اعتقاله في سجون الاحتلال، ولا سيّما جريمة الاغتصاب التي تعرّض لها، وذلك خلال جلسة استماع عُقدت في مقرّ مركز مدى للحريات الإعلامية في رام الله، وسط الضفة الغربية. وسرد الساعي، الأحد الماضي، تفاصيل ما تعرّض له من تنكيل وضرب وإهانات وتجويع، وصولاً إلى الاغتصاب باستخدام عصا ومواد صلبة، مقروناً بتهديدات بتكرار ما جرى معه بحقّ الصحافيين الفلسطينيين كلهم.
ولم يكن سرد هذه التجربة سهلاً عليه، كما يقول، نظراً لهول ما عاشه. إذ التزم الصمت قرابة شهر ونصف الشهر بعد الإفراج عنه في يونيو/حزيران من العام الماضي، قبل أن يدرك أن الصمت عمّا يجري بحق الأسرى جريمة بحدّ ذاته، ليقرّر لاحقاً الإدلاء بشهادته في أكثر من مناسبة.
وأكد سامي الساعي أن تجربة اعتقاله الأخيرة، في ظل حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة وما رافقها من حرب ممنهجة على الأسرى داخل السجون، كانت مختلفة كلياً عن تجارب الاعتقال السابقة. ففي الأيام التسعة عشر الأولى، احتُجز في مركز توقيف حوارة جنوب نابلس، المعروف لدى الأسرى بوصفه مكاناً مؤقتاً يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، ويأمل المحتجزون فيه عادة الانتقال سريعاً إلى أحد السجون حيث تكون الظروف "أقل سوءاً"، إلّا أن الساعي فوجئ هذه المرة بنصيحة محاميه له بالبقاء في حوارة وعدم نقله، وهو ما لم يفهمه آنذاك بحكم خبرته السابقة.
بعد نقله على يد ما يُسمّى حرس الحدود إلى سجن مجدو، تبيّن له ما كان يقصده المحامون، إذ يقول إنه عاش هناك "أصعب قصة في حياته". وأبلغ سامي الساعي سجّانيه بوضعه الصحي، كونه قد خضع عام 2022 لعملية تبرّع بإحدى كليتيه لابنه، إلّا أن ذلك لم يشفع له. استقبلتْه في سجن مجدو سجّانةٌ ضخمة البنية، مقنّعة الوجه، فتفحّصت نظارته الطبية، ثم أدخلته إلى زنزانة حيث عُصبت عيناه، قبل نقله إلى العيادة الطبية. وكان الذهاب إلى العيادة بحد ذاته لحظة مرعبة، إذ سمع الساعي صراخ أسرى يتعرّضون للتعذيب من دون أن يراهم، كما سمع الجنود يطلبون منهم ترديد عبارة: "علم إسرائيل حي". عند وصوله إلى الطبيب، أُزيلت العصبة عن عينيه، ليهدّده أحد الجنود بالاغتصاب بإشارات وعبارات سوقية، واصفاً إياه بـ"الخماسي" (أي حماسيّ)، فيما قال له مسؤول صرف الأدوية: "اليوم ستموت".
أما الطبيب فهو، بحسب شهادة الساعي، من أعطى الإشارة للجنود ببدء التعذيب، إذ فحصه سريرياً وهو مقيّد، ثم أشار بيده قائلاً: "كله تمام، خذوه". نُزعت معظم ملابس الساعي في أجواء باردة، ولم يُترك له سوى قميص صيفي وبنطال خفيف وحذاء بلاستيكي، فيما طُلب منه وضع بقية ملابسه وحذائه في وعاء يحتوي على فضلات. وبعد إخضاعه لفحص عارٍ، نُقل إلى غرفة أخرى، إذ تعرّض أثناء الطريق للضرب على مختلف أنحاء جسده، بما في ذلك الرأس والوجه والفم، مع شتائم وتهديدات استهدفت الصحافيين عموماً، من بينها "أنتم الصحافيون سنربيكم".
في الغرفة، نُزع بنطاله وملابسه الداخلية، وأُجبر على الجلوس بوضعية السجود، واضعاً رأسه وركبتيه على الأرض. هناك شمّ رائحة كريهة وشعر برطوبة تحت جسده، ليدرك لاحقاً أن المكان مخصّص لتعذيب الأسرى، وأن ما على الأرض هو قيء ودماء ناتجة عن التعذيب. وهو معصوب العينين، ضرب في البداية على المؤخرة. ولم يكن يدرك ما الذي يجري، أو يتخيّل ما ينتظره، إذ لم يكن قد سمع من قبل بحالات اغتصاب داخل السجون. وقال إنّه اعتقد في البداية أن الجنود يسعون فقط لإهانته أو تصويره في وضع مهين، خصوصاً مع ضحكاتهم واستهزائهم. بعدها، شعر بمحاولة إدخال جسم صلب في منطقة المستقيم. حاول المقاومة بما تبقى لديه من قوة، لكن الألم الناتج عن الشدّ مع استمرار اعتداء الجنود كان لا يُحتمل، ما اضطره للتوقف. أدخل الجنود العصا، وتعمدوا تحريكها جانبياً وعلوياً وسفلياً، بالتوازي مع الضرب المستمر، والضغط الشديد على الأعضاء التناسلية. عندها، صرخ الساعي بأعلى صوته، وتلوّى على الأرض من شدة الألم، فيما قام أحد الجنود بالوقوف بكل ثقله على رأسه ورقبته، بينما وضع آخر قدمه على ظهره.
في تلك اللحظة، بدأ سامي الساعي يختنق ويُصدر صوت شخير، وبدأ شريط الذكريات يمر في ذهنه، متمنياً رؤية طفلته التي وُلدت أثناء وجوده في الأسر. وتداخلت الأفكار والمشاعر لديه، فراح يتساءل عمّا هو الأفضل: أن يموت؟ وماذا يمكن أن يفعلوا به بعد ذلك؟ وشعر فعلاً أنه على وشك مفارقة الحياة.
بعد ذلك، أمسك أحد الجنود بعضوه الذكري وشدّه بقوة، فيما قال آخر بالعبرية لزميله: "أحضر جزرة"، ليجري إدخالها أيضاً في المستقيم. كل ذلك جرى وسط ضحك متواصل واستهزاء وتهديدات، من بينها جلب جميع الصحافيين وتعريضهم لما تعرّض له.
استمرت جريمة الاغتصاب، بحسب الساعي، ما بين 20 و25 دقيقة، وهي مدة وصفها بأنها طويلة لا يمكن لإنسان استيعابها، فيما استمر التنكيل والضرب والإهانة قرابة 40 إلى 45 دقيقة. لكن انتهاء الاعتداء لم ينهِ المعاناة. عجز الساعي عن الوقوف أو السير، إلّا أن الجنود أجبروه على ذلك. تحامل على نفسه وتمكّن من الوقوف تحت الضرب، قبل أن يسقط أرضاً، ليبدأوا بسحبه وسحله، مواصلين الاعتداء عليه، ولا يتوقفون إلا عندما ينبه أحدهم بالعبرية إلى وجود كاميرات تصوير، ليعاودوا الضرب بعد تجاوز تلك المنطقة.
لم يدرك سامي الساعي حجم الأذى الذي لحق به إلّا عند وصوله إلى أحد الأقسام ودخوله للاستحمام، إذ لمس منطقة الاعتداء واكتشف وجود دماء. حاول إيقاف النزيف باستخدام بقايا مناديل ورقية كانت بحوزة الأسرى، لكن الدم لم يتوقف، فاضطر إلى لف منديل ورقي على شكل فتيلة ووضعه في مكان الجرح. لاحقاً، عانى في القسم من حكة شديدة ليلاً بسبب انتشار البقّ، ما دفع الأسرى إلى نصحه بالنوم على الأرض بدل "البرش"، لقلّة الحشرات هناك، كما عانى من بقاء ثيابه المتسخة عليه، تلك التي اختلطت بما كان على أرضية غرفة التعذيب من قيء ودماء.
وتعرّض، كسائر الأسرى، لسياسة التجويع، إذ فوجئ بأن حصته من الطعام لا تتعدى كأساً صغيراً من الشوربة يحتوي على بضع حبات فاصولياء منقوعة في الماء، وقليل جداً من الأرز غير الناضج لا يتجاوز بضع ملاعق، كما عانى من الاقتحامات المتكررة للأقسام، ولا سيّما بعد نقله إلى سجن ريمون، إذ أطلقت قنابل صوت داخل الغرف، واقتحمت بالكلاب البوليسية، وسحل الأسرى إلى ساحة السجن تحت المطر.
وعبّر سامي الساعي عن عتبه على الجهات الرسمية الفلسطينية، ولا سيّما بعد قراره الإدلاء بشهادته علناً من دون إخفاء هويته أو تغطية وجهه في المقابلات الصحافية. إذ قال إنه لم يتلقَّ أي اتصال من مسؤول فلسطيني للاطمئنان عليه أو السؤال عن حاجته إلى دعم أو علاج نفسي. وعلى العكس، جرى قطع راتبه كأسير أثناء وجوده في السجن، وهو الراتب الذي كان مصدر الدخل الوحيد لزوجته وأبنائه الستة، وأضاف أنه كان يأمل أن تُؤخذ شهادته ويجري تدويلها ضمن ملف أوسع حول ما يتعرّض له الأسرى، خصوصاً أنه من القلائل الذين تجرؤوا على الحديث علناً، ليس لعرض قصته الشخصية فحسب، بل دفاعاً عن قضية الأسرى كافّة.