- عبد الحليم نويرة، المولود عام 1916، كان موسيقياً بارزاً درس الموشحات والأدوار وقدم إسهامات في السينما والمسرح، حيث دمج الدقة الاحترافية مع التراث الموسيقي، مما جعله رائداً في تحويل التراث إلى مادة درامية.
- رغم الانتقادات، رسخ نويرة مفهوم "الوحدة الأدائية"، مما جعل الفرقة مؤسسة تعليمية وتوثيقية، وامتدت عروضها دولياً. بعد وفاته، أُطلق اسمه على الفرقة، مع دعوات لمراجعة اختياراتها الغنائية الحالية.
استضاف مسرح الجمهورية في القاهرة، الخميس الماضي، حفلاً غنائياً أحيته فرقة عبد الحليم نويرة للموسيقى العربية، بقيادة المايسترو أحمد عامر. كثفت الفرقة من أنشطتها خلال الأشهر القليلة الماضية، وأقامت عدة حفلات على مسارح مختلفة، استجابة للإقبال الجماهيري على عروضها.
في عروضها، تقدم الفرقة باقة من أغاني أبرز الملحنين والمطربين المصريين في القرن الماضي، وتتوزع هذه الأعمال على عدد من شباب المطربين والمطربات، وتلقى عروض الفرقة إقبالاً من ذلك القطاع الجماهيري الذي يؤمن بفكرة "الزمن الجميل" أو حقبة "الفن الأصيل"، وهي فترة تمتد، وفقاً لمختارات الفرقة، من منتصف الأربعينيات إلى منتصف الثمانينيات، مع هيمنة واضحة لعقد الستينيات الذي يشمل أم كلثوم بألحان عبد الوهاب وبليغ حمدي، وكثيراً من أغاني عبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، ومحمد فوزي ومنير مراد، ووردة، ونجاة، وشادية، وصباح، وفايزة أحمد، وسيد مكاوي، مع الإقرار بأن هذه الهيمنة ليست مطلقة، إذ تنتقي الفرقة بعض الأعمال من الأربعينيات، ومنها تمثيلاً أغانٍ لأسمهان أو ليلى مراد، وأم كلثوم بألحان القصبجي أو زكريا أحمد.
لم تكن هذه مهمة الفرقة التي أنشئت بقرار جمهوري عام 1967، باسم فرقة الموسيقى العربية، وإنما أرادت الدولة المصرية بتدشين الفرقة الحفاظ على الموروث الموسيقي والغنائي الكلاسيكي، من أدوار وموشحات وطقاطيق طربية، وأن تنقل للأجيال الجديدة ما انقطع عنها من تراث الآباء عبده الحمولي ومحمد عثمان وسيد درويش وأبو العلا محمد، وداود حسني وزكريا أحمد، وبواكير عبد الوهاب والقصبجي. وهذا الهدف هو ما استلزم استدعاء عبد الحليم نويرة للإشراف على بناء الفرقة، واختيار أعضائها، وتدريب مطربيها. لذا، يبدو البون شاسعاً بين ما كانت تقدمه الفرقة منذ إطلاقها أواخر الستينيات، وما تقدمه اليوم من ألوان الغناء الخفيف.
تمثّل لحظة تأسيس فرقة الموسيقى العربية محطة مهمة في تاريخ الفن المصري، فهي كانت استجابة استراتيجية لضرورة قومية فرضتها تحديات تلك المرحلة القاسية في أعقاب الهزيمة، إذ برزت الحاجة الماسة إلى استعادة الثقة بالذات الحضارية.
جاءت الفرقة في وقت كانت فيه الموسيقى الوافدة وأنماط الغناء السطحي تهدد بمحو ما بقي من الموشح والدور والقصيدة، وأدركت الدولة حينها مخاطر ضياع ما راكمته الأجيال من أعمال نفيسة، فكان تكليف عبد الحليم نويرة تشكيل الفرقة بمثابة وضع "حارس أمين" على كنوز الفن التي تراكمت عبر الأجيال.
ولد عبد الحليم نويرة في قرية الصالحية بمحافظة الشرقية عام 1916، لكن النقلة النوعية في شخصيته حدثت حين لاحظ والده أن دراسته في مدرسة سانت جوزيف الفرنسية بدأت تجذب لسانه نحو العجمة، وتُبعده عن مخارج الحروف العربية السليمة. هنا، قرّر الأب إلحاق ابنه بالكُتّاب ليحفظ القرآن ويرتله، ويستعيد فصاحة اللفظ بالكلمة والحرف.
لم تلبث الأسرة أن انتقلت إلى حي العباسية في القاهرة، وانفتح أمام الطفل عالم آخر. كان والده عاشقاً للموسيقى، يمتلك مكتبة من الأسطوانات لأعلام الفن من وزن الشيخ سلامة حجازي وسيد درويش ومنيرة المهدية. نشأ نويرة وهو يستنشق عبير النهضة الموسيقية الأولى. درس نويرة الموشحات على يد راويتها الأول الشيخ درويش الحريري، وأخذ الأدوار من أستاذها الأشهر فؤاد الإسكندراني، وفهم معالم الغناء المسرحي من العالم الموسيقي كامل الخلعي، ثم تعرف إلى الأستاذ الإيطالي ميناتو، وقضى معه 15 عاماً متواصلة في دراسة علوم التأليف الموسيقي الغربي والهارموني.
كان التحدي الأكبر الذي واجه نويرة كيفية تقديم التراث الغنائي العتيق إلى جيل معاصر اعتاد وسائل جديدة للجذب والإبهار. وضع نويرة للفرقة منهجاً صارماً يرفض أي قدر من التحريف أو الارتجال العشوائي المعتاد في الأداء الفردي، وقد مكن هذا الانضباط الفرقة من تقديم روائع الموسيقى التقليدية بأسلوب صارم، انقسم النقاد لاحقاً في وزنه وفائدته، فرآه بعضهم بالغ الأهمية للحفاظ على أصل الألحان بلا تلاعب أو تغيير أو أي محاولة لإظهار بصمة شخصية أدائية، ورآه آخرون مخالفاً لفلسفة الأداء الشرقي الفردي المتسم بقدر كبير من الحرية، والتباري في التصرفات، وتقديم العمل نفسه بتفاوت واضح بين مطرب وآخر، بل بين الأداءات المتكررة للمطرب نفسه.
وبالرغم من كل الانتقادات، نجح نويرة في ترسيخ مدرسة لا تعترف بـ"النجم الأوحد" قدر اعترافها بـ"الوحدة الأدائية". أصبحت الفرقة نموذجاً احتذت به لاحقاً دول عربية عديدة حاولت محاكاة تجربة نويرة في إنشاء فرق وطنية للموسيقى العربية. لكن بقيت فرقة الموسيقى العربية التي أسسها نويرة صاحبة الريادة والأولية. ولا ريب أن صرامة نويرة أدت إلى تجاوز الفرقة وجمهورها لفكرة الترفيه، بعد أن أصبحت مؤسسة تعليمية وتوثيقية.
قبل أن يتفرغ عبد الحليم نويرة لمهمته المقدسة في إحياء التراث، شق طريقاً إبداعياً مغايراً في عالم السينما والإذاعة. سجل التاريخ لنويرة سبقه بوضع الموسيقى التصويرية والألحان لأول فيلم كرتون مصري، وهي خطوة تعكس مرونة ذهنية فائقة وقدرة على تطويع النغم لخدمة عالم الخيال والرسوم المتحركة. امتدت هذه البراعة إلى أثير الإذاعة، فقدم الموسيقى والألحان لعدد من أهم المسلسلات الإذاعية، موظفاً خيالاً درامياً يعوض غياب الصورة.
كتب نويرة الموسيقى التصويرية ووضع الألحان لأكثر من 60 فيلماً سينمائياً، بدأها بفيلم مصنع الزوجات عام 1942، وشملت عدداً من العلامات المهمة في التاريخ السينمائي المصري، مثل فيلم "الماضي المجهول"، و"عنتر وعبلة"، و"سفير جهنم"، و"الشوارع الخلفية وفاطمة"، و"ابن النيل"، و"ليلى بنت الأغنياء"، و"نداء الحب"، و"سيد درويش"، و"عبيد المال".
استثمر نويرة شغفه بالأعمال الكبيرة من خلال المسرح الغنائي، فقدم أعمالاً مهمة مثل الأوبريت الغنائي "يا ليل يا عين" وأوبريت "هدية العمر". كانت هذه الأعمال بمثابة البروفة الكبرى لقيادة المجاميع، إذ تطلب الأوبريت إدارة متزامنة للعازفين والمطربين والممثلين، ما صقل مهاراته قائداً لأوركسترا يمتلك نظرة شمولية للعمل الفني.
منحت السينما والمسرح لنويرة حرية التجريب، وجعلته يدرك مبكراً أن الجمهور ينجذب إلى العمل المنضبط الذي يحمل طابعاً عالمياً في التنفيذ. هذا الإدراك هو ما نقله معه لاحقاً إلى فرقة الموسيقى العربية، فتعامل مع الموشح القديم بذات الدقة الاحترافية التي تعامل بها مع الموسيقى التصويرية لأضخم الأفلام، محولاً التراث إلى مادة تتسم بقدر واضح من الدراما. والتألف الآلي أحد أهم الميادين التي ارتادها نويرة، ومن مؤلفاته: بحيرة المنزلة، القومية العربية، منتجات عربية، حكايات عربية، منتجات شرقية، ليالي زمان، على شط الترعة.
في سعيه إلى إحياء الموشحات والأدوار القديمة، اعتمد نويرة على منهج التحقيق، الذي يشبه تحقيق المخطوطات التاريخية. فلم يكتف بالتدوين من الكتب، بل استعان برواة موثوقين وهبوا حياتهم لحفظ هذا الفن شفهياً، ومن أبرزهم محمود عبد السلام وعبده قطر.
كان الرجل يجلس مع هؤلاء الرواة، يستمع إلى أدق تفاصيل الأداء، ويناقشهم في مخارج النغم والقفلات اللحنية، ثم يصهر هذه الروايات الشفهية في قوالب صارمة منضبطة. كان نويرة يرى في هؤلاء الرواة خزائن الأسرار التي يجب نقل محتواها إلى الأجيال الجديدة قبل أن تضيع برحيل أصحابها.
امتدت خريطة عروض الفرقة إلى خارج مصر، مشاركة في المهرجانات الكبرى: جرش في الأردن وقرطاج في تونس وبابل في العراق، ومهرجان الموسيقى الأندلسية في الجزائر. وسافرت بأدائها الصارم إلى قطر والكويت والإمارات والبحرين وليبيا.
وتجاوزت البلاد العربية إلى الولايات المتحدة في شيكاغو وديترويت وواشنطن ونيويورك، ثم إلى عواصم الفن في باريس ومدريد وروما وطوكيو، وقدمت عروضها الرصينة في تركيا واليونان وإيطاليا وإسبانيا. ومع كل رحلة وعرض، كانت الفرقة ترسخ مرجعيتها وريادتها.
مع رحلته الفنية، امتلك نويرة مسيرة طويلة من العمل الأكاديمي والإداري، وتكشف سيرته الذاتية عن توليه مسؤوليات ومواقع في مراحل مختلفة من حياته، فقد عمل مفتشاً للموسيقى بوزارة التربية والتعليم، ومديراً لإدارة الموسيقى بوزارة الثقافة، وأستاذاً بالمعهد العالي للموسيقى المسرحية، وقائداً لفرقة الموسيقى العربية، ومراقباً عاماً للموسيقى والغناء بالإذاعة.
رفض عبد الحليم نويرة فكرة النجم الأوحد ورسّخ مفهوم الوحدة الأدائية
برغم التباين المعاصر في ذائقة العروض، بقي مشروع نويرة وكأنه معيار تُقاس به قدرة الفن على الصمود، إذ لم يكن يسعى إلى تقديم تسلية غنائية، وإنما كان يشيّد ذاكرة موثقة تمنح الجماهير ثباتاً وجدانياً في لحظات الانكسار.
لم يكن بمقدور أحد أن يتغافل عن الدلالة الرمزية للحظة رحيله، عام 1985، إذ فارق الحياة في أثناء تدريب فرقة الموسيقى العربية. ورأى المسؤولون أن الوفاء للرجل يقتضي تخليد اسمه بإطلاقه على تلك الفرقة التي أسسها ودرب أفرادها وحقق بها ذلك النجاح الكبير. ومن يومها، صار اسمها فرقة عبد الحليم نويرة.
لكن اختياراتها الغنائية التي هيمنت على عروضها في السنوات الأخيرة تحتاج إلى مراجعة، وإلى نظر في سنوات التأسيس، وصفحات النجاح الأولى، حتى لا يشعر المستمعون بأنها أضاعت هدفها أو فقدت بوصلتها.