فوتوغرافيا إبراهيم عصام... البحر لا يزال هنا
استمع إلى الملخص
- وُلد في مخيم الشاطئ بغزة، وأسس استوديو لتعليم الشباب صناعة الأفلام، لكن الحرب دمرت كل شيء باستثناء كاميرته. أنتج ورشاً في غزة وتونس، وقدم أعمالاً مؤثرة مثل فيلمه الوثائقي "موعد مع النصف الآخر".
- رغم الحصار، شارك في مهرجانات دولية، متأثراً بوالده الفنان المسرحي. بدأ بتصميم ديكور العروض المسرحية وتوثيق الفعاليات، ملتقطاً صوراً تعكس قصصاً إنسانية، مسلطاً الضوء على الحياة في غزة.
من بين رماد الحرب في غزة، خرجت صور الفلسطيني إبراهيم عصام، الفنان والمخرج السينمائي، لتوثّق لحظات نادرة الجمال. شروق شمس تطلّ من خلف الأمواج، وغروب يتسلّل بين أشجار النخيل، ووجوه أطفال أنهكتها الحرب. يقدّم عصام صورة مختلفة لغزة: مدينة رقيقة، وبحر هادئ. ومن المقرّر أن يطلق عصام معرضه الجديد في أستراليا ضمن معارض عدة شارك فيها منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع.
يقول إبراهيم عصام في حديث إلى "العربي الجديد": "في البداية، توقفت عن التصوير. شعرت أن الكاميرا لم تعد قادرة على النطق أمام هذا الموت الكبير، أمام محو ملامح غزة الطيبة والجميلة"، رفض أن يصوّر الأطفال وهم ينتظرون وجبة في مراكز الإغاثة، يضيف: "تخيلت أن ابنتيّ قد تكونان مكانهم، لم أحتمل ذلك المشهد". عاد إبراهيم عصام إلى التصوير، لكن بروح جديدة؛ لم يبحث عن الدمار، بل عن لحظات الحياة وسط الركام. كان يصور الغروب وزوّار البحر: "هؤلاء لاجئون أيضاً، يأتون ليغتسلوا وليغسلوا ملابسهم، وليتذكروا أن البحر لا يزال هنا".
صور عصام لم تذهب سدى؛ فظهرت على أغلفة مجلات عالمية، وفي مهرجانات في فرنسا وتونس، وعلى غلاف كتاب في ماساتشوستس. جابت صوره معارض في أميركا واليونان وإسبانيا وفنلندا وتركيا. ومع تصاعد الحرب، تحولت الصور إلى مرآة للواقع: ظلال لأشخاص عاديين في مشاهد الغروب، ووجوه أطفال فقدت ألوانها وابتسامتها. إحدى الطفلات التي التقط لها صوراً عدّة من دون أن تبتسم، قالت له: "كنتُ أجمل قبل الحرب". تُفضّل عدسة عصام الصور الظلية، التي تتيح مساحة للتأويل. وبدلاً من نقل صور مباشرة للحرب، اختار أن يصور المشهد الجمالي بروح سينمائية تجمع بين الواقع والخيال: "أردت تقديم غزة بصورة مختلفة، نابضة بالحياة، حتى لو لم ترتبط مباشرة بالإبادة"، يشرح إبراهيم، مضيفاً: "البحر لم يتغيّر. الطبيعة بقيت، حتى غصن الزيتون نبت رغم الشوك والأسلاك".
وُلد إبراهيم عصام في مخيّم الشاطئ في غزة. علاقته بالبحر رافقته منذ طفولته، لكنّه ابتعد عنه بعد حادثة غرق، ليبدأ رحلة تأمل وتساؤل عن الطبيعة. تلك الأسئلة الطفولية كانت شرارة فنية نقلته من زقاق المخيّم إلى أفق الصورة السينمائية.
أسّس قبل الحرب استوديو بمعدات احترافية، ووحدة تدريبية لتعليم الشباب صناعة الأفلام، استثمر فيه 32 ألف دولار، لكن الحرب دمرت كلّ شيء، ولم يتبقَ له سوى كاميرته وذاكرة مصوّرة.
أنتج عصام عشرات الورش في غزة وتونس، وأسهم في تدريب شباب على أفلام الأنيميشن والوثائقية. منذ عام 2010، قدم أعمالاً مؤثرة منها فيلمه الوثائقي/الديكودراما "موعد مع النصف الآخر"، حول ضرير فقد ساقه ودفنها، ليعود إلى زيارتها، وينتهي الفيلم برغبته في أن يُدفن إلى جانبها. نال الفيلم جائزة لجنة التحكيم في مهرجان نابل، وحصل على المركز الثالث في مهرجان دولي للفيلم القصير في شمال أفريقيا عن "كم كنت وحدك"، وكرّمه مهرجان القاهرة لأفلام ذوي الإعاقة عن فيلمه NO WORRIES.
رغم الحصار، استطاع الفوتوغرافي الفلسطيني السفر والمشاركة في مهرجانات دولية، ليحتك بثقافات متعدّدة. تأثر بوالده، الفنان المسرحي عصام النواجعة، الذي زرع فيه حب الفن والمسرح والتصوير. بدأ مسيرته بتصميم ديكور العروض المسرحية وتوثيق الفعاليات، في هذا السياق يقول: "في بداياتي، فُصلت من عملي لأني احتفظت بالكاميرا ليومين. لكن في هذين اليومين تعلّمت التصوير".
من أكثر الصور التي ما زالت تؤثر فيه، صورة لطفلة تبيع الترمس. يوماً ما، لم يكن يملك المال لشراء كيس منها، فعاد في اليوم التالي بحثاً عنها... ولم يجدها. لا يعرف إن كانت حية أو جائعة. مثلها، كثير من القصص تبقى في جعبة عصام، وتغدو جزءاً من مشروعه الفني المستمر. في كل صورة، يحاول إبراهيم عصام أن يجيب عن سؤال: كيف نلتقط الحياة من تحت الركام؟ وفي كل معرض، يعيد تقديم غزة كما يريد لها أن تُرى: مدينة لا تموت.