استمع إلى الملخص
- أكد جندلي احترامه للاتفاقات والمعايير المهنية، معرباً عن استعداده لإعادة التفكير في الجولة مستقبلاً، وداعياً لدعم المخيمات عبر حفلات مجانية.
- أثار بيان جندلي ردود فعل واسعة، حيث يُعتبر من أبرز المؤلفين وعازفي البيانو العرب، ودمج بين الموسيقى الكلاسيكية والمقامات الشرقية، مع مواقف مؤيدة لثورة 2011.
اعتذر الموسيقار مالك جندلي عن السفر إلى سورية وألغى جولة "سيمفونية سورية من أجل السلام" التي كانت مرتقبة في حمص ودمشق، وذلك بعد إلغاء فعالية ساحة الساعة في حمص قبل ساعات من موعد سفره، رغم كونها الفعالية المحورية في البرنامج المتفق عليه.
وقال جندلي، في بيان صحافي أصدره مساء أمس الجمعة، إنه تلقّى خلال الأشهر الماضية عدة دعوات رسمية للمشاركة في فعاليات موسيقية داخل سورية، وكان التصوّر الأولي للجولة يشمل حلب وحماة ومدناً ساحلية، إلى جانب حمص ودمشق، بهدف أن تصل الموسيقى إلى أكبر شريحة من السوريين. وأضاف أنه جرى لاحقاً الاتفاق مع وزارة الثقافة والجهات الرسمية المعنية على تقليص البرنامج ليقتصر على حمص ودمشق، على أن تشمل الفعاليات حفلاً في ساحة الساعة، وحفلاً داخل المركز الثقافي في حمص، وأمسيتين في دار الأوبرا في دمشق، ضمن صيغة تُحيي الذكرى الأولى لإسقاط نظام بشار الأسد.
وأشار إلى أن التنسيق الفني جرى بمشاركة الفرقة السيمفونية الوطنية السورية والمايسترو الأميركي غاريت كيست، وأن محافظة حمص وجميع الجهات المعنية كانت على علم كامل بالبرنامج، بل وأُعلن عن فعالية ساحة الساعة في الإعلام الرسمي قبل أيام من موعدها. وشدد على أن حفل ساحة الساعة لم يكن فقرة عابرة، بل "جوهر المشروع ورمزيته"، باعتباره انطلاقة تعيد الموسيقى إلى إحدى أبرز ساحات الذاكرة السورية. ولفت إلى أن البرنامج الموسيقي المخصص للساحة كان مختلفاً تماماً عن ذلك المعدّ للقاعات، إذ اعتمد على تفاعل مباشر مع الجمهور من خلال مقاطع من "السيمفونية السورية" تحاكي هتافات الثورة وشعاراتها وبعض أناشيدها، بينما خُصصت حفلات القاعات لتقديم العمل بصيغته السيمفونية الكاملة.
وكشف أن فريق عمله أُبلغ قبل أقل من خمس ساعات من موعد سفره بإلغاء فعالية ساحة الساعة، مع تقديم تفسيرات متبدلة بين "أسباب لوجستية" و"أسباب أمنية"، قبل أن يُطرح لاحقاً تعديل التوقيت أو نقل الحفل أو الاكتفاء بإقامته داخل المركز الثقافي. واعتبر أن تلك التغييرات "شكلت تغييراً جوهرياً في الاتفاق وروح المشروع، لا مجرد تعديل يمكن تجاوزه". وبناءً على ذلك، قال جندلي إنه وجد نفسه "مضطراً للاعتذار عن السفر" حفاظاً على رسالة المشروع واحتراماً للجمهور، مؤكداً أن القول إن "الفعالية لم تُلغ بل نُقلت" لا يعكس الواقع، لأن المشروع كان قائماً على صورة متكاملة تبدأ من ساحة الساعة وبرنامج فني معدّ خصيصاً لها.
وأكد مالك جندلي على أن موقفه لا يحمل أي نية للتصعيد أو الإساءة لأي جهة، بل يأتي انسجاماً مع معايير مهنية واحتراماً للاتفاقات. ووجّه شكره للجمهور في حمص ودمشق، مؤكداً أن رغبته في تقديم موسيقاه على أرض سورية "لم تتغير"، وأنه مستعد لإعادة التفكير في الجولة متى توفرت الظروف المناسبة.
وكان قد أعلن قبل أسبوع أنه سيعود إلى سورية في الذكرى الأولى لإسقاط نظام الأسد، قائلاً: "أعود إلى وطني ومعي موسيقى كبرت في المنفى. أعود لا لأقيم حفلاً، بل لأضع نغمة في قلب مدينة وصوتاً في حضن بلدٍ حملتُه في روحي". وأوضح أن جولته كانت ستبدأ من ساحة الساعة في حمص، باعتبارها شاهداً على "الألم والكرامة"، وتختتم في دار الأوبرا في دمشق، بمشاركة الفرقة السيمفونية الوطنية والكورال السوري والمايسترو الأميركي غاريت كيست. وأشار حينها إلى أن جميع الأمسيات ستكون "مفتوحة ومجانية"، داعياً من يرغب بالحضور إلى جلب "علبة حليب أطفال" لإرسالها إلى المخيّمات، ومؤكداً أن "هذه العودة ليست ختاماً... بل بداية لنُعيد معاً لبلادنا صوتها، ولوجعنا لحناً لا يُنسى".
وأثار بيان مالك جندلي ردّات فعل واسعة في الأوساط الثقافية والإعلامية. وجاءت التعليقات سريعة ومتتابعة، إذ عبّر صحافيون ومحامون وناشطون عن استيائهم ممّا وصفوه بـ"التصرف غير المفهوم" من محافظة حمص ووزارة الثقافة. وتعكس هذه المواقف حجم الحساسية المحيطة بفعالية ساحة الساعة التي تُعدّ واحدة من أبرز رموز الذاكرة الحمصية خلال سنوات الثورة.
وتواصل "العربي الجديد" مع وزارة الثقافة السورية للحصول على تعليق بشأن إلغاء فعالية ساحة الساعة، ولم يتلقَّ رداً حتى الآن.
ومالك جندلي واحد من أبرز المؤلفين وعازفي البيانو العرب في المشهد الموسيقي المعاصر. وُلد عام 1972 في ألمانيا لأسرة سورية، ونشأ في حمص قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة لاستكمال دراسته العليا في التأليف والعزف. وتمكّن عبر مسيرته من بناء هوية موسيقية خاصة تجمع بين المدرسة الكلاسيكية وروح المقامات الشرقية، مستنداً إلى التراث السوري ضمن رؤية حداثية واضحة. وإلى جانب نشاطه الفني، برز جندلي بوصفه شخصية ثقافية وإنسانية، إذ أسّس منظمة Pianos for Peace التي تعمل على نشر ثقافة السلام عبر الموسيقى والتعليم في المجتمعات المهمّشة. كما يشغل منصب المؤلف المقيم في جامعة كوينز في مدينة شارلوت الأميركية وفي متحف قطر، ضمن برامج تعزّز دور الموسيقى بوصفها جسراً للتواصل بين الثقافات. أصدر سلسلة من الألبومات البارزة، منها: "أصداء من أوغاريت" (2009)، و"ساحة سوهو" (2015)، و"الحنين" (2016)، كما قدّم عدداً من السيمفونيات مثل "السيمفونية السورية"، و"سيمفونية الحنين"، و"سيمفونية وردة الصحراء"، إضافة إلى كونشيرتوات عدة للبيانو والكمان والكلارينيت والفيولا.
وأطلق خلال السنوات الماضية جولة "السيمفونية السورية من أجل السلام" في مدن عالمية عدة بهدف تعزيز الوعي ودعم التعليم. ونال مجموعة من الجوائز الدولية، من بينها "جائزة الموسيقى الإنسانية العالمية" عام 2014، كما كرّمته مؤسسة كارنيغي في نيويورك عام 2015 ضمن قائمة Great Immigrants Pride of America. وعُرف جندلي بمواقفه المؤيدة لثورة عام 2011 ومشاركاته في حملات إنسانية ودولية للتعريف بقضية بلده، وتعرضت عائلته حينها لاعتداءات على منزلها في حمص بسبب مواقفه.