يوميات الصيدلانية: البرود العاطفي للنجاة من القصر الملكي

18 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 08:00 (توقيت القدس)
أنمي يحمل كل أنماط الشوجو المحببة للجمهور (IMDb)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أنمي "يوميات الصيدلانية" الذي بدأ عرضه في 2023، حقق نجاحاً كبيراً بفضل قصته المميزة التي تجمع بين الرومانسية والكوميديا والتحقيقات البوليسية، مما جعله يبرز في تصنيف شوجو ويتفوق على العديد من الإنتاجات الجديدة.

- تدور القصة حول ماوماو، الفتاة التي نشأت في حي المتعة وتعلمت الصيدلة، وتُكتشف موهبتها في البلاط الإمبراطوري، مما يبرز شخصيتها الفريدة ويكشف عن تعقيدات اجتماعية وأخلاقية.

- يعكس الأنمي قضايا نسوية من خلال شخصية ماوماو التي ترفض الديناميات التقليدية، ويتميز بأسلوب بصري يعزز هذه الأفكار، مما يضيف عمقاً إلى القصة ويثير نقاشات حول طبيعة ماوماو.

بدأ عرض أنمي "يوميات الصيدلانية" (The Apothecary Diaries) عام 2023. حصد العمل نجاحاً وضعه على قمة أعمال العامين الأخيرين. وهذا غير معتاد بالنسبة إلى أنمي شوجو (فتيات). في الفترة نفسها، اعتلى القمة أنمي آخر من تصنيف شوجو هو Frieren، ليتفوّق العملان بذلك على كل الإنتاجات الجديدة، ولا ينافسهما سوى الأعمال الشهيرة المستمرة مثل "قاتل الشياطين".
صعود "يوميات الصيدلانية" على مواقع التقييم ليس تماماً ما يجعله عملاً مميزاً في عالم الأنمي، إذ سبق أن حصدت أعمال شوجو مثل Clannad تقييماً مرتفعاً رغم كونه مجرد عمل رومانسي مبتذل، كما هو معتاد من الشوجو في السنوات الأخيرة. لكن، هذه المرة، تصنيف الشوجو جاء بعمل مختلف.
تبدأ حكاية ماوماو، بطلة الأنمي، في حي المتعة الذي نشأت فيه بين بيت دعارة تولت فيه المحظيات العناية بها، وبين عيادة والدها بالتبني الذي تعلمت مهاراتها الصيدلانية منه. في حيّ كهذا، تعرف ماوماو جيداً ما يعنيه أن تكون فتاة، وكم الخطر الذي قد تتعرض له، كما أنها متآلفة مع الجنس والعواطف بسبب نشأتها في بيت دعارة. لذلك، فإن الشيء الوحيد الذي يجذب اهتمامها هو السموم والأدوية. عندما تتعرض للخطف وتباع للبلاط الإمبراطوري لتعمل خادمة، تخفي ماوماو كل خبراتها لتجنب أي انتباه قد يضعها في مكان مختلف. كل ما تريده أن تكون غير مرئية، وأن تنجو بهذه الطريقة.
تُكتشف موهبة ماوماو بسبب تدخلها في قضية، لنرى أنمي يحمل كل أنماط الشوجو المحببة للجمهور التي تقدم متعة بسيطة ومريحة: رجل البلاط الوسيم الذي يفتن النساء، والفتاة العادية التي ينجذب إليها. بهذا القالب الناجح، تُقدَّم قصة ماوماو، ولأنها في هذا القالب، برزت قصةً مختلفةً.
الاختلاف هو في شخصية ماوماو، البرود وعدم الاهتمام بأي شيء ليس ناتجاً عن كبرياء، إنما عن خوف. الكبرياء نفسه موجود، فماوماو متعلمة ولديها مهارات بوليسية جعلت الأنمي يبدو وكأنه عن الطب الشرعي أحياناً. لكن النقطة الرئيسية هي أنها فتاة تحاول عدم التورط في أي شيء والالتزام بمكانتها حتى تنجو. هذا البرود برود ناتج عن صدمات نفسية شديدة، وتآلف مع القصر الخلفي المخصص للمحظيات بوصفه انعكاساً لحي المتعة الذي نشأت فيه. لا جديد هنا، الأجساد سلعة، والمتعة وظيفة، والفرق فقط أن الحمل مرغوب به في القصر، والعكس تماماً في حيّ المتعة.
في موسمه الأول، قدم "يوميات الصيدلانية" قالب شوجو محبباً، مع شخصية مميزة، وحبكات بوليسية لحكايات فرعية جعلت منه عملاً ممتعاً ومرضياً، وهذه لم تكن سوى الخطوة الأولى.
يبدأ الموسم الثاني مباشرة بعد نهاية الموسم الأول، إذ تواصل ماوماو عملها في القصر الإمبراطوري ضمن بيئة معقدة مليئة بالمخاطر والتوازنات السياسية الدقيقة. يحتفظ النصف الأول من الموسم (الحلقات 1–12) بطابعه القائم على حالة طبية/ بوليسية في كل حلقة، لكن سرعان ما تبدأ هذه الحالات في كشف تعقيدات اجتماعية وأخلاقية أعمق بكثير لننتقل من عالم ماوماو الضيق إلى ما هو أبعد شيئاً فشيئاً.
تتعقد الحبكة عند التحقيق في حالات إجهاض غير معلنة باستخدام أعشاب طبية سرّية، ما يكشف عن تعامل المجتمع مع أجساد النساء والسيطرة على مصيرهن، ووراثة طفرة جينية معينة تتحكم في النسل الإمبراطوري، استعداداً لرؤية كل الدوائر التي صنعت هذا العالم.
المنافسة بين المحظيات لم تعد مجرد منافسة على قلب الإمبراطور، تتكشف لاحقاً مؤامرات سياسية تتورط بها ماوماو من دون أن تدرك، مثلما تورطت عاطفياً وللمرة الأولى بعلاقة صداقة مع فتاة غريبة مثلها تدعى شيسوي، مهووسة بالحشرات.


توازياً مع هذا، نتعرف أكثر إلى الشخصية الرئيسية الثانية، جينشي الموظف الإمبراطوري الوسيم، ومن هو حقاً وما هي سلطته الحقيقية. وهو مثل ماوماو لديه صدمات نفسية تجعله يرتدي قناعاً لا يواجه فيه نفسه، ولا يعرفها جيداً، ليغرق نفسه في مهمات حكومية، مثلما تغرق ماوماو نفسها بالهوس بالأعشاب والسموم.
من هنا، ينمو الحب الحقيقي الوحيد في العمل، لكن ماوماو لا تتجاوب، وتنكر أمام نفسها رغم تأكدها مباشرةً من أن جينشي ليس مخصياً، متجنبةً بذلك أي مشاعر زائدة عن الحاجة، أي شيء قد يصنع ورطة.
ماوماو ليست بطلة ساذجة تستيقظ على واقع الظلم؛ إذ فقدت أوهامها منذ نشأتها. معرفتها بالأعشاب الطبية، والسموم، ووسائل منع الحمل، لا تأتي من تعليم نظامي، بل من البقاء والمعرفة المتناقلة في بيت الدعارة. تتنقّل في أروقة البلاط ليس بصفتها شريكة محتملة في قصة حب، بل شاهدة ومحللة مترددة. أنوثتها لا تجعلها شخصية خاملة، بل تُحدّد نظرتها الحادة. ترى ما يغفله الأطباء الذكور، ليس بسبب خبرتها وحسب، بل لأنها تفهم الكلفة الفادحة لأن تُولَد فتاة في عالم يعتبر النساء إما وعاء أو عبئاً.
ومع أن العمل يُصنَّف كوميدياً رومانسياً، إلا أنه لا يتجنب أية تفاصيل صادمة مثل محظيات يُعقمن قسراً، وفتيات يُتاجر بجمالهن، وخادمات يُعاقبن على العصيان بالموت. ومع ذلك، لا تتمرد ماوماو كما تفعل البطلات المثاليات، ولا تنهار تحت الضغط. إنها تنجو عبر عقلها التحليلي، بتجرّد طبي هو بحد ذاته استجابة للصدمة. مقاومتها ليست صاخبة، إنها ناجية فقط، لكن في الموسم الثاني سيتكسر هذا الجمود لنرى لحظات عاطفية تعرض ماوماو نفسها فيها للخطر، ليس من أجل الفضول العلمي وتجربة سم جديد، وإنما لأهداف إنسانية.

قلب العمل الخط التقليدي للحب في أنميات الشوجو التي تحدث في العصور الإقطاعية الآسيوية، لا تنبهر بجينشي سوى بكونه "حالة"، تعترف بجماله، لكنه لا يغويها، مثله مثل فطر أو نبتة جميلة.
لا يمكن تفسير لامبالاتها بالرومانسية على أنها براءة؛ إنها رفض واعٍ لديناميات الإغواء والسيطرة التي تحكم القصر. وقد أثار هذا نقاشات بين المشاهدين: هل ماوماو لارومانسية (Aromantic)؟ أم أنها ببساطة حذرة؟ هل هي لاجنسية بطبيعتها؟ أم أن ذلك انعكاس لصدمتها؟ هذا الغموض هو جزء من نسيج العمل النسوي من خلال رفض تعريف الأنوثة عبر الحب، حتى وهي محاطة باهتمام ذكوري مستمر.

سينما ودراما
التحديثات الحية

علاوة على ذلك، يعزز الأسلوب البصري للعمل هذه الأفكار. القصر الداخلي فضاء للقوة المرمّزة بالألوان: الرداء يدل على المرتبة، أدوات التجميل على الوظيفة. التركيز على الإيماءات، وتقليب المروحة، ووضع المكياج، وسكب الشاي، كلها طقوس محمّلة بمعانٍ مزدوجة. تتحول هذه الأنوثة المرمّزة إلى ساحة معركة، إذ تلتقط ماوماو إشارات يغفلها الآخرون، ويصبح العلم أداة للتمرد الصامت.
بعد عمل كهذا وترافقه مع صعود أنمي Frieren، قد نشهد عودة كبرى لسيطرة الشوجو مثل الثمانينيات والسبعينيات في أيام مجده، عندما كانت أعمال مثل "صاحب الظل الطويل" و"سالي" هي الأبرز في عالم الأنمي، أو الأكثر خلوداً واستمرارية من الشونين.

المساهمون