أزمة "العقارات البيضاء"... جشع المطورين يجهض أحلام المُلّاك في الصين

09 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 12:57 (توقيت القدس)
10.6 % نسبة انخفاض الاستثمار العقاري خلال 2024 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه الصين أزمة عقارية مع وجود خمسة ملايين وحدة سكنية غير مكتملة، مما أدى إلى تراجع الاستثمار بنسبة 10.6% في 2024، حيث يجد المشترون أنفسهم مضطرين لدفع أقساط رغم توقف البناء.

- تُعرف الأزمة بـ"العقارات البيضاء"، حيث تتوقف المشاريع بسبب نقص التمويل أو الإجراءات القانونية، مما يخلق تداعيات اجتماعية خطيرة ويؤثر على استقرار الأسر.

- محاولات الصين لإلغاء نظام البيع المسبق باءت بالفشل، والمشترون يواجهون تحديات قانونية معقدة، حيث ينصح المستشارون باتخاذ تدابير لحماية حقوقهم.

خمسة ملايين وحدة سكنية غير مكتملة البناء في الصين، على الرغم من نيل المطورين العقاريين قيمتها بالكامل، في ظل فشل حكومي لمواجهة الظاهرة ما أسفر عن تراجع حجم الاستثمار في هذا القطاع الحيوي بنسبة 10.6% خلال عام 2024.

- قبل ثلاث سنوات اشترت الموظفة الصينية تسانغ يي (34 عاماً)، شقة سكنية قيد الإنشاء في مدينة شينزن، جنوب البلاد، عبر وكالة عقارية اشترطت دفع جزء من قيمة الوحدة البالغة 5 ملايين يوان (سبعمائة ألف دولار)، على أن تسدد بقية المبلغ المقدرة بـ 70% بموجب أقساط شهرية تستمر على مدار ثلاثين عاماً من خلال قرض عقاري.

ومثلما انتظمت يي في دفع الأقساط كانت أعمال البناء تسير بوتيرة مشابهة خلال العام الأول، قبل أن تلاحظ في العام التالي حالة من التلكؤ استمرت عدة أشهر، مع أنها وغيرها من المشترين لم يتوقفوا عن دفع المبالغ المقررة عليهم، وفجأة توقفت العمليات بصورة تامة نهاية العام ذاته، فتوجهت إلى شركة التطوير العقاري المسؤولة للاستفسار عن سبب ما جرى، ليتضح مواجهتها مشاكل في التمويل، بسبب استخدام أموال مالكي الوحدات في استثمارات خاصة، تكبدت فيها الشركة خسائر كبيرة حالت دون القدرة على الاستمرار في عمليات البناء الأساسية، وبالرغم من هذا تقول يي: "ما زلت مطالبة بسداد الأقساط الشهرية للبنك، باعتبار أن هذا الاستحقاق المالي لا علاقة له بحالة المطورين أو العقار، ومن بين 15 ألف يوان صيني (ما يعادل ألفين ومائة دولار) قيمة راتبي فإني ملزمة بدفع 6 آلاف يوان (850 دولاراً) للبنك".

ويطلق على الحالات الشبيهة، "العقارات البيضاء"، كما يوضح تشو جوي، مدير مكتب عقاري خاص، في منطقة لونغ خوا بمدينة شينزن، جنوب الصين، مفسراً المصطلح بأنه يعني مشاريع عقارية بدأ بناؤها بالفعل، ثم اضطر القائمون عليها إلى التوقف عن العمل لأسباب عدة، منها: نقص رأس المال، أو عدم استيفاء بعض الإجراءات القانونية (مثل عدم التزام المطور بصيغة العقود وتصاريح البناء من الناحية الفنية)، أو تعديلات في سياسات الحكومة (مثال: في بعض المناطق قد ترفض السلطات بناء وحدات سكنية بارتفاع معين، لأنها تكشف مواقع حكومية أو أمنية حساسة)، أو تغيرات في الأسعار وأذواق المستثمرين (كأن تُتاح فرصة لبناء وحدات سكنية قريبة من المرافق الحيوية: مثل محطات المترو والأسواق الرئيسية ويمكن بيعها بأسعار أغلى). وفي ظل هذه العوامل مجتمعة لا يمكن استئناف البناء لفترة طويلة، وفي النهاية لا يمكن تسليم المبنى أو المجمع السكني للاستخدام، كما هو متفق عليه في العقد مع المشترين.

 

5 ملايين وحدة غير مكتملة

يكمن أساس المشكلة، كما يوضح جوي، في مسألة البيع المسبق للوحدات السكنية، وبهذه الطريقة يتمكن مطورو العقارات من جمع الأموال مقدماً ويتحكمون فيها دون قيود، على سبيل المثال، يمكن طرح مبنى من 30 طابقاً للبيع، بعد بناء الطابق السادس. وفي هذه الحالة تصدر الجهات التنظيمية تصريح بيع مسبقاً، وتعد هذه المعاملة العقارية قانونية، لأنها تجري بالتراضي بين البائع والمشتري، بناء على قانون العقود في جمهورية الصين الشعبية الصادر عام 1999. ومع ذلك، تقع جميع المخاطر على عاتق المالك وحده وليس البائع، إذ تشير الإحصاءات الصادرة عن وزارة الإسكان والتنمية الحضرية والريفية الصينية، التي نشرتها منصة فينيكس ويكلي (خاصة تنشر تقارير عن السوق العقاري في الصين) بتاريخ 15 يوليو/تموز الماضي، إلى أنه بحلول عام 2024، تجاوز عدد مشاريع البناء غير المكتملة في جميع أنحاء البلاد 2000 مشروع، تشمل 5 ملايين وحدة سكنية، وتؤثر في أكثر من مليون أسرة.

فشلت محاولة إلغاء نظام البيع المسبق قبل خمسة أعوام

ومن بين أكبر الشركات المتورطة في تلك الظاهرة، مؤسسة إيفرغراند بديونها البالغة 2.4 تريليون يوان (340 مليون دولار أميركي)، إذ توقفت عن إكمال 1.6 مليون وحدة سكنية، وهو ما يمثل ثلث العدد على المستوى الوطني، حسب ما يقول جوي، موضحاً أن العقارات تترك على حالها عدة سنوات ما لم يكن وجودها مؤثراً، كأن تكون على أطراف المدينة، بعيداً عن المراكز الحيوية، ولكن إذا كانت في مناطق قريبة وظاهرة للجمهور يجري طرح العقار ضمن مناقصة تشرف عليها جهات حكومية تابعة لوزارة الإسكان، لاستكمال عمليات البناء عبر شركات أخرى، وتأتي هذه الخطوة بعد التأكّد من عدم قدرة الشركة المطورة على استكمال البناء بصورة نهائية.

 

تداعيات مجتمعية

يقول أستاذ الدراسات الاجتماعية السابق في جامعة صن يات سن الحكومية، وي لي فنغ، إن المنزل بالنسبة للصينيين أساس للاستقرار الاجتماعي والترابط الأسري، وقد يقضي الموظف سنوات طويلة في عمله ويتحمل كل أشكال الضغط وأعباء العمل من أجل جمع الأموال الكافية لشراء بيت لأسرته، ولكن حين يقع هؤلاء في شراك جشع المطورين، تتحول حياتهم إلى فوضى عارمة، على سبيل المثال هناك من يخططون لتسجيل أبنائهم في مدارس قريبة من الوحدات السكنية، وبالتالي فإن تعثر المشروع يعني إجهاض حلم التعليم، والبحث عن بدائل أخرى غاية في الصعوبة، ناهيك عن الالتزام بدفع الأقساط الشهرية التي تحول دون القدرة على التعامل مع فرص أخرى بسبب محدودية الدخل.

ويضيف: هذا الواقع يفرض حالة من العزلة الاجتماعية والحيرة إزاء مستقبل مبهم، وأسئلة معلّقة: متى نستعيد أموالنا؟ هل هناك فرص لاستكمال البناء؟ ما مصير الأبناء؟ هذه الهواجس دون أدنى شك تترك أثراً نفسياً بالغاً، وقد تخلق صراعات بين الأزواج حتى قد تفضي إلى الطلاق وتشتت الأسرة.

مسألة حظ

عادة ما يُطلب من المشترين دفعة أولى من قيمة العقار، ويحصلون على قرض مصرفي لتغطية المبلغ المتبقي، ما يعني عملياً تسليم المطور العقاري سعر المنزل كاملاً، كما تقول لي وانغ، المستشارة القانونية في المعهد الصيني للنزاعات (خاص مقره مدينة كوانجو)، وأدى هذا إلى تورط نسبة كبيرة من المطورين في المضاربة على الأراضي، وشراء مزيد منها بما يضمن تنويع الاستثمار، وتطوير مشاريع عقارية أخرى متزامنة في عدة مناطق داخل البلاد، اعتماداً على "أموال رخيصة بلا فوائد" يجنونها مسبقاً من المشترين، وهذا ما جرى في حالة شركة إيفرغراند، فقد أدى استثمار أموال الملاك في مشاريع عقارية متزامنة إلى تكبّد الشركة خسائر هائلة.

5 ملايين وحدة سكنية غير مكتملة البناء في جميع أنحاء البلاد

صحيح أن هذا الإجراء التعاقدي ساهم بشكل كبير في تسريع وتيرة بيع الأراضي وتطوير العقارات، وزيادة المعروض من الوحدات السكنية، وشكّل رافعة للاقتصاد على مستوى التنمية الحضرية في الريف والمدن على حد سواء، إلا أنه قائم على مخاطرة غير محسوبة، فيتحمل المشتري على كاهله العبء الأكبر، بينما الشركات تفعل ما يحلو لها، وبمجرد التعاقد يصبح الأمر برمته مجرد مسألة حظ، أشبه بلعبة اليانصيب، بحسب وانغ.

لذا ينبغي على الملاك، قبل شراء العقار، كما تقول المستشارة القانونية، تقييم الوضع المالي للمطور، ومحاولة الحصول على معلومات كافية عنه عبر التواصل مع عملاء سابقين، أو الاستفسار من خلال المكاتب الاستشارية، واللجوء إذا اضطر الأمر إلى شركات مالية للاطلاع على اتجاهات السوق، والقوانين واللوائح ذات الصلة، وعدم الامتثال لعملية الشراء بشكل أعمى، لأن ذلك ببساطة قد يجر وبالاً عليهم، وعلى مشاريعهم وأحلامهم المستقبلية.

 

فشل تجربة إلغاء نظام البيع المسبق

شهدت الصين قبل خمسة أعوام محاولة لإلغاء نظام البيع المسبق، لكنها باءت بالفشل، وتروي وانغ، ما جرى قائلة: "جرت مناقشة هذا الأمر على مستويات عليا خلال السنوات الأخيرة، وفي عام 2020 أعلنت السلطات المحلية في هاينان جنوب البلاد، عن تطبيق نظام البيع الفوري للمساكن التجارية المبنية على أراضٍ مخصصة لذلك، لتصبح أول مقاطعة في الصين تطبق هذه السياسة بالكامل".

ولكن تداعيات ذلك القرار حين يُطبق على نطاق واسع تكون خطيرة، وتمس بشكل مباشر وتيرة التطور الاقتصادي، لأنه في حال أُلغي نظام البيع المسبق واستُبدل بنظام البيع الجاهز، قد ينهار سوق العقارات بالكامل، في ظل مطالبة الشركات المطورة باستكمال بناء الوحدات السكنية قبل بيعها، وعملياً هذا الأمر مستحيل دون توفر السيولة اللازمة التي تأتي حصراً من الدفعات المسبقة من طرف المشترين.

وحسب بيان مكتب الإحصاء الوطني، المنشور على موقعه الإلكتروني مطلع العام الحالي، ففي عام 2024، بلغ إجمالي الاستثمار في التطوير العقاري الوطني 10 مليارات يوان (1.4 مليار دولار)، بانخفاض 10.6% مقارنة بالعام السابق.

الصورة
العقارات في الصين (Getty)
               وضع قانوني معقد لضحايا المطورين العقاريين (Getty)

لذلك يبدو أن الحكومة المركزية، حسب وانغ، ليست راغبة في إلغاء هذه السياسة، لأن الخطة كانت تقضي بأن تبدأ هاينان وفي حال نجاحها تطبق على نطاق أوسع، وتتخذ إجراءات تدريجية تعزز الرقابة على سوق العقارات والقروض المصرفية، مثل مراقبة حركة الأموال الخاصة بالمطورين في البنوك، وإن كانت هذه الرقابة لا تعالج المشكلة من جذورها، ولا تحول دون قدرة المطورين على استثمار الأموال في مجالات أخرى تحتمل الربح والخسارة، قائلة: "الحكومة لا تستطيع ضبط هذه العملية بسبب تضارب العقود، وجشع المطورين، وبالتالي فإن الأمر برمته يعتمد على مدى نزاهة هؤلاء، وهو أشبه بملاحقة ورصد النوايا، وهذا مستحيل لأنك لا تستطيع أن تتنبأ بأفكار الجناة، وإلا لما حدثت جرائم في العالم".

ويعد الوضع القانوني لضحايا المطورين المتعثرين شائكاً ومعقداً، بحسب تقييم وانغ، لأن اتفاقية القرض بين المشتري والبنك منفصلة تماماً عن عقد البناء مع المطور، لذلك عند شراء عقار، يوقع مشتري المنزل اتفاقية قرض عقاري مع البنك، ما يعني أنه يتعهد بسداد القرض، وفقاً للمدة والمبلغ المنصوص عليهما في العقد، وحتى في حال عدم اكتمال بناء المنزل، بسبب خطأ المطور، فإن علاقة الدين بين مشتري العقار والبنك لا تنقطع.

"ببساطة الأمر هكذا، ويصعب تصويبه وفق بند أو سند قانوني محدد"، وفق إفادة وانغ التي تضيف: "بناء على ذلك، ينبغي على المشتري اتخاذ تدابير استباقية لحماية حقوقه عند مواجهة مشاريع بناء غير مكتملة، مثل التعاون مع الملاك المتضررين الآخرين لرفع دعوى قضائية ضد المطور والمطالبة بتعويض عن الخسائر أو بمواصلة البناء. وفي الوقت نفسه، يمكنهم التفاوض مع البنوك لبحث إمكانية تأجيل سداد القروض أو تعديل خطط السداد لتخفيف الضغط المالي. ولكن استجابة المحكمة تتوقف على صيغة العقد التجاري، والأسباب التي حالت دون استكمال البناء، فإذا أقرّ المطور باستحالة تسليم الوحدات السكنية في الموعد المحدد، يمكن أن تلزمه المحكمة بدفع غرامة تأخير لا أكثر، لكنه غير مطالب بتسديد قروض المشتري، ولا يتحمل أي مسؤولية عن أي مخاطر تتجاوز ما هو منصوص عليه في العقد. وبالتالي على المقترض الاستمرار في سداد الأقساط".

وحتى استرداد الأموال من خلال التقاضي ليس بالأمر اليسير، تقول المستشارة القانونية إن رفع دعوى قضائية يعتمد على الظروف الخاصة بالمشروع وتقييم دقيق للخسائر والمخاطر، ففي بعض الحالات، استؤنفت أعمال البناء في بعض المشاريع، وتم تسليمها في النهاية بعد جهود حثيثة من أصحاب الوحدات. وفي حالات أخرى، وجد بعض الملاك أن موعد التسليم قد أُرجئَ إلى أجل غير مسمى، ما أدى إلى تفاقم الخسائر، فقد كانت دفعاتهم المقدمة، بالإضافة إلى أصل القرض، كافية لشراء عقار آخر في السوق.