استمع إلى الملخص
- يشير الخبراء إلى أن غياب الدراسات الفنية للتربة وعدم معالجة الرطوبة يؤديان لتشققات الطرق، واستخدام خلطات غير مطابقة يضعف التماسك السطحي، مما يساهم في تدهور الطرق وزيادة الحوادث.
- يوضح التقرير أن غياب الرقابة والحوكمة يفتح الباب للفساد، حيث تُبرم العقود دون مناقصات، مما يتطلب تعزيز الشفافية والمساءلة لضمان جودة الطرق.
يوثق التحقيق آثار الفساد في إنشاء الطرق الليبية على حياة المارّة، إذ يحظى مقاولون بمشاريع البناء أو الصيانة دون المرور بمقتضيات الحوكمة، ويستخدمون خلطات مخالفة للمعايير، لتتصدّر البلادُ القائمة العالمية لحوادث السير.
- في رحلته على طريق عين زارة - وادي الربيع جنوب شرقي طرابلس، ظل الخمسيني الليبي محمد الطرابلسي، يحاول تثبيت مقود سيارة الأجرة التي يعمل عليها، تجنباً للوقوع في حادثة مرورية، بسبب تشققات في طبقة الأسفلت، يقول إنّها ظهرت بعد عام ونصف العام من صيانة الطريق الذي يحفظ تفاصيله ويمرّ عليه دائماً، لكن لم يحمِه ذلك من السقوط في حفرة عميقة، ما تسبب في إصابته بكسور وجروح خطيرة.
غربيّ طرابلس، ظهرت تشققات مماثلة في الطريق الساحلي بعد عام من صيانته في أغسطس/آب 2023، كما يقول الدكتور موسى الموردي، عضو هيئة التدريس بقسم الهندسة المدنية في جامعة طرابلس، والسبب الرئيسي، كما يوضح لـ"العربي الجديد": "إزالة الطبقة الأسفلتية الأولى ووضع طبقة جديدة، دون معالجة الرطوبة في الطبقات السفلية، الأمر الذي أثر سلباً على جودة الطريق".
نتيجةً لهذا التقاعس، تسرّبت مياه الأمطار إلى الطبقة الأولى، لتخلق تشققات في الطريق، بحسب معاينة الموردي، مشيراً إلى أن معالجة الرطوبة قبل صيانة الطبقة الأخيرة هي خطوة بالغة الأهمية لضمان استدامة وجودة العمل في مشاريع الطرق، وكما ذكر في دراسة غير منشورة، أعدها في إبريل/نيسان 2025، بعنوان "تأثير إهمال معالجة الرطوبة تحت الطبقات السفلية على كفاءة إعادة تأهيل الطرق"، فإنّ نحو 40% من الطرق الفرعية و20% من الطرق الرئيسية الليبية تُعاني قصوراً في الجودة أو لا تطابق المواصفات الفنية المعتمدة.
ومن بين أهم المعايير إجراء دراسات جيولوجية ومسحية شاملة قبل بدء العمل، وتأسيس الطريق بطبقات متعدّدة، وهي التربة الأساسية، والأساس، تليها طبقة الأساس الحصوي، ثم الطبقة الأسفلتية الرابطة، والطبقة الأسفلتية السطحية، فضلاً عن إنشاء مجارٍ جانبية ومنحدرات مناسبة لتصريف مياه الأمطار، وإجراء اختبارات ميدانية لضغط التربة، ونسبة الرطوبة، وسمك الطبقات، وجودة الأسفلت، ومقاومة الانضغاط. بالتالي؛ فإن تجاهل ما سبق يؤدي إلى ضعف تطبيق المواصفات الفنية على أرض الواقع، وبالتالي تهدّد الطرق سلامة المواطنين، كما يوضح المهندس عمر المصراتي، مشرف الطرق بجهاز تنفيذ مشروعات المواصلات التابع لحكومة الوحدة الوطنية.
تلاعب بالمواصفات الفنية
تبدأ المشكلة من غياب الدراسات الفنية الدقيقة للتربة، إذ تُقام المشاريع أحياناً على أراضٍ طينية أو قابلة للانضغاط، دون معالجتها هندسياً، بالتالي يقع هبوط غير منتظم وتظهر تشققات طولية وعرضية في الطرق بعد فترة وجيزة من التشغيل، كما حدث في "كوبري 27" غربي طرابلس، وقد ظهرت تشققات به نهاية عام 2024 بعد فترة وجيزة من افتتاحه، ما يُعد دليلاً على أن الطبقة الأسفلتية قد خُلِطَت على نحوٍ غير صحيح، ليؤثر ذلك بوضوح على جودة المشروع، وهذا المثال يوضح حجم الفوضى واللامبالاة التي تُنفذ بها العديد من مشاريع الطرق في البلاد، كما يقول مشرف مشاريع الطرق بالمكتب الاستشاري الهندسي للمرافق التابع لوزارة الإسكان والتعمير التابعة لحكومة الوحدة الوطنية، علي الترهوني، لـ"العربي الجديد".
وتُستخدم خلطات أسفلتية غير مطابقة للمواصفات، من حيث نسب المزج بين البيتومين (الزفت) والركام (الحصى والرمل)، وفق الترهوني، قائلاً: "الركام المستخدم في الخلطات يكون في كثير من الأحيان غير مفرز (لم يعالج بصورة صحيحة بعد وضعه) أو مغطى بالأتربة، ما يمنع الالتصاق الجيّد بين مكونات الطبقة الأسفلتية، ويؤدي إلى تقشّرها وتكسرها خلال أشهر، فضلاً عن ضعف سُمك الطبقة السطحية أو عدم الالتزام بدرجة الضغط المطلوبة، الأمر الذي يؤدي إلى تكوين فراغات هوائية داخلية في الطرق تُسهم في انهيارها لاحقاً.
خلطات أسفلتية غير مطابقة للمواصفات تسفر عن تشققات مبكرة
تجلى ذلك في الطريق الساحلي (يمتد من الحدود الليبية التونسية في أقصى غرب ليبيا إلى الحدود الليبية المصرية) وتحديداً عند مدينة مصراتة شمال غربيّ ليبيا، إذ كان "متوسط نسبة البيتومين للطبقة السطحية، أعلى من 6% (علماً أن المواصفات القياسية 5.6%)، وفق دراسة "العوامل المؤثرة على خشونة الأرصفة المرنة: حالة مقاطع طرق داخل مدينة مصراتة"، المنشورة في مجلة البحوث الأكاديمية (علمية محكمة تصدر عن الأكاديمية الليبية فرع مصراتة) في 19 يوليو/تموز 2021، التي توصلت إلى النتيجة بعدما أجرت تحاليل لثلاثين عينة في ستة قطاعات بالطريق، موضحة أن هذه الزيادة، عملت على تقليل الاحتكاك الداخلي بين حبيبات الركام وضعف التكوين الإنشائي، وبالتالي فإن مقاومة طبقة الرصف للأحمال تقل، ما يؤدي لظهور عيوب بالخلطة، مثل زيادة التخدّدات (تشوه طبقات الأسفلت).
كما بلغ "متوسط نسبة الفراغات الهوائية للطبقة السطحية في الطريق الساحلي أقل من 1%، وهذه النسبة قليلة جداً مقارنة بالمواصفات التي تحدّدها بين 4 و8%. وتبين أن الطبقة الرابطة بلغ متوسط نسبة الفراغات بها 8%، وهي نسبة عالية وبعيدة عن الحد المسموح به في المواصفات (تتراوح بين 3 و5%)"، حسب ما ذكره الباحثون الخمسة المشاركون في الدراسة ويعملون في كلية الهندسة بجامعة مصراته الحكومية، وقد خلصوا إلى أن تغيّر نسبة الفراغات عن القيم التصميمية سبب رئيسي لتخدّد الطريق، ويؤدي إلى تأكسد الأسفلت وزيادة النفاذية (يسمح للمياه بالتسرب عبره بدلاً من أن يطفو على السطح) فيقل عمره، هكذا "يؤدي هذا الخلل في التركيب الكيميائي والفيزيائي للخلطة الأسفلتية إلى ضعف في تماسك الطبقة السطحية، فينتج عنه تشققات مبكرة"، كما يقول الأكاديمي الموردي.
وغالبًا ما تمرر مشاريع من دون أي اختبارات حقيقية على التربة أو المواد، بحسب الدكتور علي العرعود، أستاذ جامعي سابق في قسم هندسة الطرق بجامعة طرابلس، قائلًا لـ"العربي الجديد": "عندما لا تكون هناك جهة رقابية مستقلة تُشرف على التزام المقاول بالمواصفات الفنية، يسهل التلاعب في سُمك الطبقات، وجودة المواد، وسرعة الإنجاز مقابل الجودة، ومن أمثلة ذلك، طريق حي الأندلس الممتد من جزيرة أجنحة الشاطئ إلى جسر قرقارش على مسافة 2800 متر، إذ ظهرت فيه فجوات بسبب عدم دك الطبقة الأولى بشكل صحيح، ما تسبب في تفكك الطبقة الثالثة، كما يقول الأكاديمي العرعود.
المعطيات السابقة يؤكدها التقرير السنوي 2023 الصادر عن هيئة الرقابة الإدارية التابعة للسلطة التشريعية الليبية، مشيرًا إلى "افتقار جل مشاريع تنفيذ الطرق إلى المستندات الخاصة بالاختبارات والعينات والرسومات التوضيحية ودفاتر الحصر المعتمدة من المكتب الاستشاري"، مشيرًا إلى "عدم توفر المختبرات الفنية الخاصة بإجراء التحاليل والاختبارات وأخذ العينات للطرق والجسور للتأكد من مدى مطابقتها الشروطَ والمواصفات القياسية المعتمدة، وعدم تطابق الكميات والمواد المستخدمة مع المواصفات والمقايسات الواردة في العقود المبرمة"، كما يوضح "عدم التنسيق مع الجهات العامة ذات العلاقة قبل التعاقد على تنفيذ أو صيانة بعض الطرق والمسارات".
تعاقد بالتكليف المباشر
ثمة فجوة واضحة بين الجهة المنفذة وتلك المناط بها الإشراف على عملها، خصوصاً في المشاريع التي تُدار عبر "نظام التعاقد المباشر"، كما يسلم بعض المقاولين المشاريعَ قبل انتهاء فترات الإنجاز المحدّدة تعاقدياً، دون استكمال الاختبارات الفنية، وفق تأكيد خمسة مسؤولين في إدارتَي مشروعات الطرق الرئيسية ومشروعات الطرق الفرعية ومكتب الجودة، ومكتب المتابعة، في جهاز تنفيذ مشروعات المواصلات التابع لحكومة الوحدة الوطنية، مؤكدين وجود شبهات تلاعب فنية ومالية في تنفيذ عدد من مشاريع الطرق داخل العاصمة وفي مناطق أخرى من البلاد وسط غياب المتابعة الفنية الفعلية، وضعف الرقابة على المقاولين، وتضارب الاختصاصات بين الجهات المعنية.
إبرام عقود إنشاء الطرق بالتكليف المباشر يؤدي إلى إهمال قاتل
و"أبرمت مصلحة الطرق والجسور، عقوداً بالمناقصة المحدودة (يقتصر الاشتراك فيها على عدد محدود من المقاولين) والتكليف المباشر لـ 789 مشروعاً (تنفيذ – صيانة) بقيمة إجمالية بلغت ثلاثة مليارات و493 مليوناً و643 ألف دينار ليبي (الدولار الأميركي يساوي 5.41 دنانير)، بالمخالفة لقرار إنشاء المصلحة 1455 لسنة 2018 بشأن اعتماد الهيكل التنظيمي واختصاصات المصلحة الصادر عن المجلس الرئاسي بخصوص التعاقد على تنفيذ مشروعات جديدة"، بحسب تقرير ديوان المحاسبة (أعلى سلطة رقابية في ليبيا) السنوي الصادر عن عام 2023، مؤكداً أن "جهاز تنفيذ مشروعات المواصلات، يعتمد عند التعاقد، على طريقة المناقصة المحدودة، وعدم طرح عطاءاته بمناقصات عامة للحصول على أفضل العروض بأقل سعر، وإتاحة الفرصة لجميع الشركات في التقدم لتنفيذ المشروعات تطبيقاً لمبدأ تكافؤ الفرص بين المتقدِّمين، طبقاً لما جاء في الفقرة (أ) من المادة التاسعة من لائحة العقود الإدارية رقم 563 لسنة 2007".
كما يوثق تقرير هيئة الرقابة الإدارية السنوي لعام 2023 إبرام عقود لإنشاء طرق بالتكليف المباشر، موضحًا أن "هذا الأسلوب التعاقدي يفرغ التعاقد والتنافس من مضمونه، ويفتح الباب على مصراعيه للفساد والتلاعب بالمشاريع وقيمتها، بالمخالفة لأحكام لائحة العقود الإدارية.
جراء عملية الفساد الواسعة هذه، تفتقر مشاريع الطرق في ليبيا إلى المتانة الفنية وسلامة التعاقدات، كما يقول الدكتور علي العرعود، الأستاذ الجامعي السابق في قسم هندسة الطرق بجامعة طرابلس، موضحاً لـ"العربي الجديد" أنّ غياب الرقابة لا يخلق بيئة خصبة للفساد فحسب، بل يجعل من الفساد جزءاً مدمجاً في منظومة التنفيذ.
أوامر تعديلية مخالفة للائحة العقود الإدارية
"تضمنت بعض العقود أوامر تعديلية، ما يؤدي إلى زيادة كبيرة في الأسعار، إذ تصل نسبة الزيادة في بعض مشاريع البنية التحتية إلى 150%"، بحسب تقرير هيئة الرقابة الإدارية السنوي لعام 2023.
ينطبق ذلك على مشروع صيانة الطريق الساحلي، قطاع "مصنع النجمة/جسر القره بوللي"، الذي تضمن أمرًا تعديليًا، زاد بموجبه السعر من 301 مليون إلى 525 مليونًا و272 ألف دينار، وفق وثيقة تحمل رقم 2898 موجهة من جهاز تنفيذ مشروعات المواصلات إلى مدير الإدارة العام لفحص العقود ومتابعة تنفيذ المشروعات في هيئة الرقابة الإدارية في السابع من مايو/أيار 2025، وهو ما يخالف المادة 99 من القرار رقم 600 لسنة 2024 بإصدار لائحة العقود الإدارية، التي نصت على أن "المتعاقد يستحق المقابل المالي المتفق عليه وبالأسعار الواردة في العقد، ولا يستحق أية زيادة قد تنشأ عن ارتفاع أسعار السوق خلال مدة التنفيذ، وذلك مع مراعاة عدم الإخلال بالحق في أي تعويض أو زيادة في المقابل يقررها العقد في حدود أحكام هذه اللائحة. وتجوز زيادة أو إنقاص المقابل المالي للعقد في حال تنفيذ تشريعات تصدر بعد إبرام العقد يترتب عليها تغير في الالتزامات المالية للمتعاقد وذلك بناءً على اتفاق لاحق بين الطرفين، وعلى الجهة المتعاقدة القيام بالمعالجة المالية لقيمة العقد لمقابلة هذا التغيير، وفي كل الأحوال، لا تعدل قيمة العقد إلا بعد موافقة الجهة المختصة بإصدار قرار الترسية والإذن بالتعاقد.
وبعد رفض الإدارة العامة لفحص العقود ومتابعة تنفيذ المشروعات في هيئة الرقابة الإدارية لهذا الأمر التعديلي، لجأ جهاز تنفيذ مشروعات المواصلات إلى مجلس الوزراء، الذي أصدر بدوره القرار رقم 291 لسنة 2025 بشأن الموافقة على الأمر التعديلي، "من دون أن يتضمن القرار الحكومي لمبررات موضوعية تتمثل في تغييرات جوهرية وقاهرة طرأت على المشروع، مع تحديد النطاق الزمني الجديد، والتكلفة الإجمالية، والتزامات الطرفين بعد الزيادة"، وفق ما ينبغي أن يكون الأمر عليه بحسب المحامي والخبير القانوني الطاهر رضوان، مؤكدًا أن الطريق المؤدي إلى مصنع النجمة، شرق طرابلس، لم يشهد أي ظروف قاهرة تبرر هذه الزيادة المفرطة بالأمر التعديلي والتي تصل إلى 140%.
و"هذا يعزز الشكوك حول مشروعية التعديل ويفرض ضرورة إخضاعه للتدقيق والمراجعة من قبل الجهات المختصة"، كما يقول رضوان لـ"العربي الجديد"، مضيفا أن تلك الزيادة في قيمة العقد تُعتبر في حكم "تعاقد جديد" ضمن إطار التعاقد الأصلي، ومن الناحية القانونية، يجب أن يتم التعديل عبر عقد مستقل إذا اقتضى الأمر إعادته وفقًا لأحكام المنافسة العامة".
ويعلق مستشار في هيئة الرقابة الإدارية (رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول بالتصريح للإعلام) ويتابع الملف على ما سبق بالقول: "هذا الإجراء موقوف حالياً بسبب تضخيم القيمة بشكل كبير، ولا توجد مصادقة عليها"، مضيفاً لـ"العربي الجديد" أن الزيادة في العقد غير مبررة، ويتابع أن لائحة العقود الإدارية تجيز التعديل في العقود فقط عند وقوع ظروف طارئة أو استثنائية تؤثر على الالتزام الأصلي.
يؤكد ما سبق عدم إرفاق "كراسة الشروط والمواصفات الخاصة بالمواد الداخلة في تنفيذ الأعمال، وعلى وجه الخصوص: البيتومين، والإسمنت، والحديد، والطلاء، والخلطة الإسفلتية، والخلطة الخرسانية، والأساس الحبيبي، وأغطية غرف التفتيش، والحاجز الخرساني، فضلا عن عدم إرفاق ما يفيد مطابقة العينات وملاءمة المواصفات الخاصة لتلك المواد"، بحسب التقرير الفني الهندسي الخاص بمشروع صيانة الطريق الساحلي، قطاع "مصنع النجمة/جسر القره بوللي، الصادر عن هيئة الرقابة الإدارية في الرابع من أغسطس الجاري.
تصدُّر قائمة الوفيات العالمية لحوادث الطرق
يربط تقرير "النزيف الصامت: أزمة حوادث المرور في ليبيا وانهيار منظومة الحوكمة"، المنشور على موقع المجمع القانوني الليبي (مؤسّسة مجتمع مدني) في 18 يونيو/حزيران الماضي، بين الحوادث المرورية وشبكة الطرق المتهالكة، والمليئة بالحفر، وما يؤكد ذلك "وقوع 20 حادثاً مرورياً على طريق عين زارة وادي الربيع خلال الأشهر الثلاثة الماضية، بسبب سوء بنيته التحتية"، بحسب إحصائيات إدارة شؤون المرور والتراخيص التابع لحكومة الوحدة الوطنية المنشورة في الأول من مايو 2025، التي كشفت عن وقوع 9916 حادثاً خلال عام 2024، نتج عنها وفاة 2441 شخصاً، وإصابة 4139 شخصاً"، لذا "تتصدر ليبيا قائمة دول العالم في الوفيات الناجمة عن حوادث السير على الطرقات العامة بمعدل 74.3 وفاة لكل مئة ألف نسمة، إذ يلقي 7 أشخاص مصرعهم يومياً في عموم البلاد جراء الحوادث"، بحسب المصدر ذاته، ويجمع الترهوني والموردي والعرعود، على أن عدة أطراف تتحمل مسؤولية الفساد في تنفيذ مشاريع الطرق، وما ينجم عنها من كوارث مرورية، وعلى رأسها المؤسسات الحكومية المعنية بقطاع المواصلات والبنية التحتية، مثل جهاز تنفيذ مشروعات المواصلات ومصلحة الطرق والجسور، إضافة إلى الأجهزة الرقابية التي فشلت في أداء دورها بفعالية. كما تُلقى المسؤولية أيضًا على عاتق الحكومات المتعاقبة التي لم تُفعّل منظومة الشفافية والمساءلة.
ويرد رئيس مصلحة الطرق والجسور (تم حلها في 11 فبراير/شباط بقرار مجلس الوزراء رقم 39 لسنة 2025) التابعة لحكومة الوحدة الوطنية، المهندس الحسين إبراهيم سويدان، على ما سبق قائلاً إنّ "بعض الطرق تضرّرت بفعل مرور شاحنات ذات حمولات ثقيلة، خصوصاً في المناطق الزراعية، إضافة إلى أن غالبية مشروعات الطرق نُفذت على نحوٍ عاجل"، مشيراً إلى تنفيذ 210 مشاريع خلال الفترة الأخيرة لمعالجة ما يسميه بـ"النقاط السوداء" والانجرافات وتجمعات المياه، في ظل غياب أعمال الصيانة منذ عام 2014، وتزايد التعديات على الطرق، ويضيف لـ"العربي الجديد": "نعم نقرّ أن الوضع الراهن يتطلب صيانة عاجلة للطرق، لكن لا بُدّ من إطلاق مشاريع جديدة".
والمطلوب، كما يقول الدكتور العرعود، هو اعتماد تصاميم مرنة ومحدثة تستند إلى دراسات مرورية وبيئية وهيدرولوجية دقيقة، وتُربط بمعايير دولية يجرى تحديثها دوريًا"، ويقول:" في الهندسة المدنية، الدراسات الفنية تُمثّل العمود الفقري لأي مشروع ناجح. وعادة ما تستغرق هذه الدراسات من عام إلى ثلاث سنوات، وتُجرى عبر المعاينة الميدانية والتصوير الطوبوغرافي وتحليل التربة، وتحليل مروري مستقبلي لحجم الحركة".
على سبيل المثال، تنشأ الطرق في تكساس بأميركا بطبقة خرسانية قوية بسمك يصل إلى 20 سنتمترا، تُقسَّم على شكل مربعات تشبه الأسقف الخرسانية، ثم تُضاف فوقها طبقات القطران والأسفلت، ما يمنحها صلابة ومقاومة عالية لعوامل الطقس، بحسب المهندس محمد بويصير الذي يعمل مستشاراً في شركة للاستثمارات الهندسية بليبيا، ومن واقع تجربته في أميركا حيث يقيم يقول: "تعتمد الطرق في ليبيا على دكّ التربة مباشرة، ثم وضع طبقة أسفلتية، يليها القطران. وهو ما يُفقد الطريق مرونته ومقاومته الإجهاد الحراري والميكانيكي"، لذا يستمر النزيف الصامت على الطرق الليبية التي تسرق أرواح المارة بالرغم من نفقات البناء والصيانة الهائلة.