روس بلا إنترنت... انقطاعات مستمرة جراء هجمات المسيرات الأوكرانية

08 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 14:00 (توقيت القدس)
انقطاع متكرر للإنترنت جراء هجمات المسيرات الأوكرانية (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد روسيا انقطاعات يومية في الإنترنت المتنقل بسبب هجمات المسيرات الأوكرانية، مما أثر على الحياة اليومية والاعتماد على الاتصالات التقليدية والنقدية.
- أعدت وزارة التنمية الرقمية "القائمة البيضاء" للمواقع الأساسية لضمان استمرار الخدمات، لكن المسيرات الأوكرانية وجدت وسائل بديلة، مما يثير تساؤلات حول فعالية قطع الإنترنت.
- تواجه روسيا تحديات في السيطرة على الإنترنت، مع قرارات لتعزيز التحكم المحلي وحجب التطبيقات الغربية، لكن الخبراء يشككون في قدرتها على تطبيق نموذج مشابه لجدار الحماية الصيني.

يشهد 60 إقليماً روسياً انقطاعات يومية لخدمة الإنترنت المتنقل جراء هجمات المسيرات الأوكرانية المتكررة، وهو ما تحاول السلطات مواجهته عبر ما سمّته "فترة التبريد"، أي تعطيل الخدمات لقطع الإرسال عن الطائرات بدون طيار.

- "تحول جذري"، هكذا تصف الرئيسة المشاركة لنقابة الصحافيين والعاملين بوسائل الإعلام الروسية (منحلة حاليا)، صوفيا روسوفا انطباعاتها عقب زيارة عدة أقاليم تعاني انقطاعا مستمرا في خدمة الإنترنت المتنقل (4G) جراء التصدي للهجمات اليومية للمسيرات الأوكرانية، فالحياة في تلك المناطق أصبحت تشبه الوضع في عصر ما قبل الهواتف الذكية، حين كان تصفح الشبكة العالمية حصرا بالمنزل أو الأماكن التي تتوفر فيها خدمة الإنترنت اللاسلكي (Wi-Fi).

تقول روسوفا لـ"العربي الجديد": "ثمة مناطق روسية مثل جمهورية أودمورتيا (تقع في دائرة الفولغا الفيدرالية على بعد نحو 1200 كيلومتر شرق موسكو)، تعيش بلا خدمة الإنترنت المتنقل منذ يونيو/ حزيران الماضي، وعندما زرتها شعرت بأنني أصبحت في "واقع مغاير" لا يستطيع السكان فيه إجراء المعاملات المالية الاعتيادية بواسطة تطبيقات المصارف، بينما تحولت الهواتف إلى وسيلة للاتصالات الصوتية التقليدية وإرسال الرسائل النصية حصرا مع إمكانية تصفح المواقع والتطبيقات فقط بعد ربط الاتصال بخدمة الإنترنت اللاسلكي في المنزل أو المطعم".

علاوة على ذلك، خلق انقطاع الإنترنت صعوبات في عمليات الدفع بواسطة البطاقات المصرفية، إذ تشير بيانات المصرف المركزي الروسي إلى أن الاضطرابات في أداء الإنترنت المتنقل أفضت إلى زيادة اعتماد السكان على الأوراق النقدية بدلا من البطاقات. ورغم بقاء حصة المدفوعات غير النقدية مرتفعة بنسبة 87%، إلا أن القيمة الإجمالية للأوراق النقدية المتداولة بين أيدي السكان سجلت في نهاية عام 2025 قفزة مقدارها 659 مليار روبل (أكثر من ثمانية مليارات دولار)، لتبلغ نحو 17.2 تريليون روبل (حوالي 215 مليار دولار)، بحلول أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بزيادة نسبتها 2.8% مقارنة مع التوقيت ذاته من العام الماضي.

تصاعد حالات الانقطاع

رصد معد التحقيق من خلال جولات قام بها عدة حالات انقطاع للإنترنت المتنقل، بما في ذلك في وسط موسكو بتاريخ السابع من مايو/ أيار 2025 أثناء الاستعدادات للاستعراض العسكري بمناسبة ذكرى مرور 80 عاما على هزيمة ألمانيا النازية الذي أقيم في التاسع من مايو 2025. كذلك الحال في كافة أنحاء مدينة أودومليا الواقعة على مقربة من محطة كالينينسكايا الكهروذرية، غرب موسكو. كما تسنى التأكد من وجود الظاهرة خلال إجراء اتصالات ببضعة أشخاص في مدينة تولا المصنعة للسلاح على بعد نحو 200 كيلومتر جنوب موسكو، إذ أوضح المستطلعة آراؤهم أنهم يبقون يوميا لساعات طويلة بلا إنترنت.

الحالات السابقة توثقها بيانات خدمة "مونيتور رونت" (منظمة غير حكومية روسية تضم فريقا من خبراء تكنولوجيا المعلومات)، مؤكدة أن نحو 60 إقليما روسيا تشهد انقطاعات يومية لخدمة الإنترنت المتنقل بسبب الهجمات المتكررة للمسيّرات الأوكرانية على البلاد، والتي واجه السكان بسببها صعوبة في عملية الدفع بواسطة البطاقات المصرفية. ورصدت الخدمة قفزة كبيرة في عدد حالات Shutdown (أي القطع المقصود للإنترنت وليس نتيجة لخلل فني) في روسيا من 68 حالة في مايو الماضي إلى ما بين 1600 وألفي حالة شهريا منذ يوليو/ تموز الماضي.

ليس هذا فحسب، إذ أعلنت السلطات المحلية في مدينة ومقاطعة أوليانوفسك الواقعة على بعد نحو 800 كيلومتر شرق موسكو، في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، عن قطع خدمة الإنترنت المتنقل لمدة "غير محددة" حتى انتهاء أعمال القتال في أوكرانيا. إلا أن الناطق الرسمي باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف دافع عن حالات قطع الإنترنت بالأقاليم الروسية، قائلا في نوفمبر الماضي: "أتوقع، بالطبع، أن يدلي خبراؤنا والجهات المعنية بتقييمهم. أما نحن، فننطلق من أن أجهزة القوة التي تتحمل المسؤولية عن الأمن، ترى جدوى في ذلك".

60 إقليماً روسياً تعاني حالات انقطاع للإنترنت يومياً

ومن أجل استمرار أداء الخدمات والتطبيقات الرئيسية أعدت وزارة التنمية الرقمية الروسية في الخامس من سبتمبر/أيلول الماضي "القائمة البيضاء" للمواقع والخدمات الأكثر إقبالا وأهمية اجتماعية التي تواصل عملها حتى في أوقات قطع الإنترنت (بتوجيه حركة المرور من/إلى هذه المواقع عبر بوابات أو خوادم معينة مستثناة من الحجب).

وفي 14 نوفمبر الماضي، أضافت الوزارة إلى هذه القائمة مجموعة من مواقع الجهات الحكومية، بما فيها شركة البريد الروسي وأكبر مصرف روسي خاص "ألفا بنك" وبعص وسائل الإعلام الروسية الرائدة، مثل وكالة نوفوستي الحكومية وصحيفتي "إر بي كا" و"كومسومولسكايا برافدا". وفي الثامن من ديسمبر/ كانون الأول، تم توسيع القائمة للمرة الثالثة بمجموعة أخرى من المواقع، بما فيها موقع "دوم كليك" للبحث عن العقارات وموقعا صحيفة إزفيستيا ووكالة تاس الرسمية. وتسنى لمعد التحقيق التأكد من امرأة تقيم في مدينة تولا أنها تستخدم موقع شبكة فكونتاكتي المدرجة على "القائمة البيضاء"، للتواصل مع نجلها المقيم في موسكو في أوقات انقطاع الإنترنت.

تعطيل شرائح المسيرات

فرضت وزارة التنمية الرقمية الروسية منذ نوفمبر الماضي ما سمّته "فترة التبريد" التي يتم خلالها تعطيل خدمتي الإنترنت المتنقل والرسائل النصية بعد العودة من السفر إلى الخارج أو في حال التوقف عن استخدام الشريحة لمدة 72 ساعة، وهو ما يرجعه الخبير في "مكتب التحليل العسكري - السياسي" (مجموعة مستقلة تضم خبراء عسكريين وسياسيين روسا)، فاديم ماسليكوف، إلى دوافع تعطيل الشرائح الموجودة بداخل المسيرات الأوكرانية منذ لحظة اختراقها الأجواء الروسية.

ويقول ماسليكوف في حديث لـ"العربي الجديد": "أغلبية المسيرات التي تتجاوز خط الجبهة تعتمد على الاتصال بالإنترنت اللاسلكي، ولذلك يتم تعليق عمل هواتف الوافدين لما يعرف بفترة التبريد، لأن المسيرات تعتمد على مثل هذه الشرائح أيضا للحصول على الإشارة من أبراج الاتصالات، ولذلك يتم قطع الإرسال عنها".

قطع خدمتي الإنترنت المتنقل والرسائل النصية بعد العودة من السفر

ومع ذلك، يقر بأن المسيرات الأوكرانية تجد وسيلة بديلة لمواصلة التحليق فوق الأراضي الروسية حتى في ظروف انقطاع الإنترنت، مضيفا: "يمكن للمسيرة التحليق بواسطة نظم الملاحة ذات القصور الذاتي التي لا تتطلب تحكما خارجيا، والمسار المحدد مسبقا بواسطة عناصر أو برامج الذكاء الاصطناعي التي تتيح مقارنة الصورة في عدسة الكاميرا مع الخريطة، في ما يعرف بالبصر الآلي". ورغم أن الأغلبية الساحقة من المسيرات لا تزال تعتمد اليوم على الاتصال بالمشغلين بواسطة الإنترنت، إلا أن ماسليكوف يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيكون هو المتحكم الرئيسي فيها قريبا، ما يعني أن قطع الإنترنت لن يجدي نفعا في التصدي لها".

وبدوره، يقر الخبير في مجال تكنولوجيا المعلومات أليكسي غريشين هو الآخر بأن دوافع قطع الإنترنت المتنقل تنبع بالدرجة الأولى من دوافع حماية عناصر البنية التحتية، معتبرا في الوقت نفسه أن الأمر لا يقتصر على تعطيل الشرائح الأجنبية. ويقول غريشين في تعليق لـ"العربي الجديد": "تعود حالات انقطاع الإنترنت بالدرجة الأولى إلى تطبيق آليات حماية عناصر البنية التحتية، إذ إن فرض فلتر القيود يزيد سلاسة تحليل حركة مرور الإنترنت (ترافيك)، وقد تختلف دوافع ذلك من كيان إداري أو أمني إلى آخر من جهة آليات تحليل حركة المرور والاستنتاجات التي يتم الخروج بها"، ويخلص إلى أن قطع الإنترنت المتنقل لا يزيل التهديدات، وإن كان يزيد فرص رصدها والتصدي لها.

عزل روسيا عن الشبكة العالمية

أظهرت دراسة أجرتها وكالة كروس الإعلامية (شركة خاصة للإعلام والاتصال)، بعنوان "المؤشر الوطني للقلق" عن الربع الثالث من عام 2025، أن "قطع الإنترنت" جاء في المرتبة الأولى بين هموم الروس، وفق ما أظهره تحليل مواد بوسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، متفوقا بذلك على المخاوف من عمليات الاحتيال المالي وغيرها.

وتقر روسوفا إن قطاعا عريضا من الروس باتوا يخافون من انقطاع الإنترنت بشكل كامل، مضيفة أن "ثمة مخاوف في روسيا من قطع الإنترنت، إذ يشكو المستخدمون حتى في موسكو، فما بالك بالنسبة للأقاليم، من تردي جودة الاتصال بالشبكة وسوء أداء تطبيقات التراسل، وإن كان الناس يأملون ألا تنقطع الخدمات بشكل كامل".

الصورة
قطع الإنترنت المتنقل لا يزيل التهديدات
قطع الإنترنت المتنقل لا يزيل التهديدات (Getty)

تصعيد حكومي يؤكده القرار رقم 1667 الصادر بتاريخ 27 أكتوبر 2025 والذي يتيح لهيئة الرقابة الروسية "روس كوم نادزور" وجهاز الأمن الفيدرالي ووزارة التنمية الرقمية عزل الرونت (أي القطاع الروسي من الإنترنت) عن الشبكة العالمية في حال نشوب تهديد أمني جدي ما والتحكم اليدوي في الإنترنت، وذلك اعتبارا من الأول من مارس/ آذار 2026 وحتى الأول من مارس 2032.

إلا أن الخبير في الأمن السيبراني أليكسي لوكاتسكي يعتبر أن القرار الجديد لا يحمل في طياته شيئا جديدا باستثناء مزيد من التفاصيل، معتبرا أن السعي الروسي لتعزيز التحكم في الإنترنت يشكل خطوة استباقية تنبع من مخاوف نشوب وضع طارئ ما قد يُفضي يوما إلى قطع الخدمة من الخارج.

ويقول لوكاتسكي في حديث لـ"العربي الجديد": "أثار القرار رقم 1667 سيلا من التكهنات حول قدرة الرقابة الروسية على قطع روسيا عن الإنترنت العالمي بكبسة زر، ولكن فعليا القرار لا يحمل في طياته شيئا جديدا، إذ إن القرارين رقم 126 و127 لعام 2020 كانا يوفران فعليا مثل هذه الإمكانية، بينما يشكل القرار الجديد مجرد نسخة مفصلة من قواعد عمل الإدارة المركزية للشبكة العامة ولمدة محددة حتى عام 2032 ليجري تحديد التزامات وصلاحيات أوسع للشركات المشغلة وآلية أكثر وضوحا لدور روس كوم نادزور"، مضيفا :"القرار 126 الساري مفعوله حاليا يتيح للرقابة الروسية حجب ما تراه مناسبا من دون قدرة المشغلين على التأثير على ذلك".

وفي معرض تعليقه على دوافع السلطات الروسية لتعزيز السيطرة على الإنترنت، يستشهد بنظرية زعيم ثورة البلاشفة، فلاديمير لينين، القاضية بالسيطرة على مراكز الاتصال مثل مراكز البريد والتلغراف والسكة الحديدية، مضيفاً: "نشهد استمراراً لتعزيز مركزية الأمن المعلوماتي والرقمي، ربما تمهيداً لنشوب وضع طارئ ما. لو كان لينين حياً، لكان قد أضاف الإنترنت على قائمة الجهات التي تجب السيطرة عليها. يمكن تلخيص منطق السلطات الروسية في أن السيطرة الذاتية على الإنترنت خير من فرض سيطرة خارجية عليه يوماً".

التضييق على التطبيقات الأجنبية

أعلنت "روس كوم نادزور"، مؤخراً، عن حجب منصة الألعاب الأميركية روبلوكس وتطبيق "فيس تايم" للاتصالات بالصوت والفيديو من تصميم شركة آبل الأميركية وخدمات منصة "سناب شات"، لتضاف بذلك إلى قائمة المواقع والتطبيقات الغربية المحجوبة في روسيا مثل "فيسبوك" و"إنستغرام" و"إكس" ("تويتر" سابقا) منذ عام 2022 و"يوتيوب" منذ عام 2024، مع استمرار وصول البعض إليها باستخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (في بي إن)، وفق ما رصده معد التحقيق.

عقب ذلك دخل قانون حظر الإعلانات على موقعي إنستغرام وفيسبوك حيز التنفيذ، في 1 سبتمبر الماضي، وبموجبه تتراوح الغرامات على المخالفين بما بين 2000 و2500 روبل (25 - 32 دولاراً) فقط للأفراد وما بين 100 ألف و500 ألف روبل (ما بين 1250 و6200 دولار) للشركات. فضلاً عن معاناة الروس اضطرابات في أداء تطبيق "واتس آب" للتراسل منذ نهاية نوفمبر الماضي.

لا يقتصر الأثر على هذه الجهات، إذ تقر روسوفا بأن التضييق على المواقع الأجنبية بات يلقي بظلاله على المدوّنين، قائلة: "يتعرض المدوّنون لضغوط حتى ينقلوا حساباتهم إلى تطبيق ماكس الروسي الذي طورته شركة فكونتاكتي وأطلق في مارس الماضي، ولكن المعلنين يدركون أن حشد الجمهور على الصفحات الجديدة سيتطلب وقتاً على عكس حساباتهم السابقة على إنستغرام. من خلال تواصلي مع عدد من الصحافيين والمدونين، رصدت أن قسماً منهم كفّوا عن تحديث حساباتهم على إنستغرام ويُحجمون عن نشر إعلانات عليها، ما يعني أن الحجب وتشديد الرقابة أتيا بمفعولهما من جهة الحد من حصة المواقع الغربية للتواصل الاجتماعي في روسيا".

وفي وقت أثار فيه اعتماد البدائل الروسية للتطبيقات الغربية سيلاً من التكهنات حول عزل القطاع الروسي من الإنترنت، وفق نموذج جدار الحماية العظيم في الصين (Great Firewall of China)، يشكك الباحث في الشؤون الصينية، مدير مركز الاستشراق والدراسات المقارنة في الأكاديمية الروسية للاقتصاد الوطني والخدمة العامة في موسكو، دميتري خودياكوف، في واقعية تطبيق نموذج كهذا في روسيا، قائلاً  لـ"العربي الجديد": "من المستبعد أن تمضي روسيا على طريق الصين، لأن بكين كانت منذ البداية تنشئ نظاماً رقمياً داخلياً متكاملاً، وقد نجحت في ذلك. لم تضع موسكو هدفاً كهذا، وعلى الأرجح لن تضعه الآن. وحتى في الصين نفسها، يمكن تصفح أي مواقع أجنبية بواسطة الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، وحتى جدار الحماية العظيم ليس بتلك الخطورة كما يتم رسمه، ولكن أغلب الصينيين لا يحتاجون إلى اختراقه، نظراً لتوفر كل ما يحتاجونه".