أحمد عبيدات... في مديح النزاهة

05 فبراير 2026
+ الخط -

يكشف رحيل رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات، وهو أيضاً مدير أسبق لجهاز المخابرات القوي والمتنفذ في بلاده، حنين الأردنيين إلى عهودٍ سلفت، ورجال دولة عُرف عنهم النزاهة والإخلاص والتفاني في العمل، حتى لو شابته الأخطاء. وليس ثمّة غرابة في هذا، في ظل أزمة اقتصادية حادة وتدهور أحوال الناس المعيشية في البلاد، ما يجعلهم يصبّون جام غضبهم على المسؤولين الحاليين (ظالمين أو مظلومين)، رغم أن بعض مشكلات الأردن ليست آنية، بل نتيجة تراكمات طويلة، وبعضها الآخر يتعلق بالإمكانات، وهي قليلة، وبالإدارة وهي سيئة في بعض الملفات.

أياً يكن الأمر، يظل الراحل عبيدات نموذجاً يكاد يكون نادراً في البلاد وجوارها، فأن ينتهي رجلٌ تبوأ مناصبه إلى راتب تقاعدي لا يغطي مصاريفه وأسرته، يؤكد أنه لم يستغل يوماً نفوذه حين كان في السلطة لغاياتٍ فردية أو عائلية، في بلاد يتمتع فيها بعض من هم أقل منه منصباً وكفاءة بمزايا يُحسد عليها، في شبابه وشيخوخته، خلال عمله وبعد تقاعده.

وليست أهمية عبيدات هنا وحسب، بل في انسجام مواقفه في السلطة وخارجها، فلم يُعرف عنه بطشه خلال ترؤسه جهاز المخابرات (1974 - 1982)، وكان مجرد ذكر أسماء بعض مدراء المخابرات يثير الرعب في النفوس، خصوصاً في حقبة الأحكام العرفية التي امتدت حتى نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

على خلاف ذلك، عُرفت عن عبيدات صرامته، وهي ليست بطشاً في كل الأحوال، ودقته وسعة صدره وأفقه في إدارة ملفاته.

ويروي بنفسه في الحوار الطويل الذي أجراه معه التلفزيون العربي على ست حلقات، أنه كان يتابع عمل ضبّاطه يوميّاً ومباشرة، وكان يطالبهم بعرض بعض الحالات عليه، تصويباً أو إعادة نظر، مشدّداً على ما يمكن اعتبارها منظومة أخلاقية حكمت عمله، وتقوم على "الأنسنة" وكبح إغراءات الصلاحيات الكبيرة في استخدام القوة (العنف) في عمل جهاز اعترف أحد مدرائه السابقين (مضر بدران) بأنه ارتكب تجاوزاتٍ كثيرة، لأن الأولوية كانت لبناء الدولة والحفاظ عليها وليس لحقوق الإنسان.

لم يكن عبيدات ملاكاً، بل رجل دولة في نهاية المطاف، محكوماً بسياقات لا يتحكّم فيها كلها. رغم ذلك، لم يتخل عن نزاهته ونزعته إلى أنسنة عمله الذي لم يتسم بالرخاوة في المناسبة، بل بالصرامة والدقة أيضاً على ما كتب كثيرون بعد إعلان وفاته.

تولّى عبيدات رئاسة الوزراء عام 1984، لكنه لم يستمر في منصبه هذا إلا نحو 15 شهراً، ولم يُكلّف ثانية بالمنصب على خلاف رؤساء آخرين، وثمّة من يسرد روايات عن نزاهة الرجل في منصبه هذا، وعن تشدّده في الحرص على المال العام وملاحقة المشتبه في فسادهم.

على أن مأثرة عبيدات الكبرى هي في انسجامه في حالتيه، ومعرفته الدقيقة لحدود تحركه، ومعرفته الظلال التي لا تكاد تُرى أحياناً بين مفاهيم الوطن والدولة والحكومة، وحرصه على أن يظل ولاؤه لوطنه ودولته، ما جعله يرى في اتفاقية وادي عربة عام 1994 تهديداً، وكان آنذاك عضواً في مجلس الأعيان الذي يسمّى في الأردن مجلس الملك.

كان عبيدات الوحيد الذي عارضها علناً، وهناك من قال إنه عارضها لكن في سره، وشتّان بين الموقفين، لكن معارضته هذه لم تنسحب على "الدولة" وشرعية نظامها، فهو من بين قلةٍ ترى أن النظام يزداد قوة وصلابة بتصحيح أخطائه من داخله، وإذا حدث وعورضت قراراته من خارجه فللهدف نفسه، ما يفسّر استمراره في معارضة الحكومات و"إدارة الدولة" في مناصب شبه حكومية تولاها لاحقاً، ومنها رئاسة المركز الوطني لحقوق الإنسان.

حظي عبيدات، بصوته الهادئ والخفيض وتواضعه الجم، باحترام منتقديه قبل مؤيديه، وتصدّر المشهد في سنوات ثورات الربيع العربي، مسانداً المتظاهرين، وموقّعاً البيانات مع الموقعين، ولعبت "الجبهة الوطنية للإصلاح" التي شكلها بمعية الإسلاميين والقوميين واليساريين والمستقلين دوراً كبيراً في تجنيب الأردن مصيراً مشابهاً لبعض دول المنطقة، وساهم في ذلك أيضاً رشد النظام نفسه ومرونته التي تُحسب له في التعامل مع المتغيّرات العاصفة.

رحل أحمد عبيدات محفوفاً بمحبّة غامرة وواسعة جداً محضه إياها لا أبناء جيله وحسب، بل أيضاً جيل من الشبّان لم يعرفوه في الحكم أو المعارضة، ولكنهم أحبّوا سيرته في حالتيه هاتين، وماذا يريد أي سياسيٍّ أو حاكم أكثر من هذا؟

زياد بركات
زياد بركات
قاص وروائي وصحفي فلسطيني/ أردني، عمل محررا وكاتبا في الصحافتين، الأردنية والقطرية، وصحفيا ومعدّا للبرامج في قناة الجزيرة.