أيُّ "بريكس" هذا؟
(Getty)
من الصعب تصوّر أيّ مستقبل لمجموعة بريكس؛ المشكّلة أساساً من روسيا والصين والبرازيل وجنوب أفريقيا والهند، قبل انضمام مصر وإثيوبيا وإندونيسيا وإيران والإمارات. لا يمكن أن يكون هناك مستقبل لهذه المجموعة، في وقت تواصل فيه طهران شنّ الهجمات على أبوظبي، وعلى الدوحة والرياض والكويت والمنامة، في الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران. لا يمكن تخيّل أنّ مجموعةً من عشر دول، قامت على طموحات صينية وروسية لصياغة شرق أكثر استدامة اقتصادياً، وتُسهم في ترسيخ فكرة عالم متعدّد الأقطاب، باتت أسيرة اعتداء إيران، الدولة المتمتعة بجغرافيا سياسية متنوّعة، على الإمارات الساعية لترسيخ نفوذها على المداخل الشرقية لجنوب شبه الجزيرة العربية. في الاقتصاد، التكامل بين البلدين رابح لهما ولمحيطهما. غير أنّه في السياسة، من الصعب ترجمة أفكار اقتصادية جدّية، فيما أحد الطرفين غير مستعدّ لحوار الندّ للندّ، مفضّلاً الحوار الاستعلائي، المشابه لأيّ استعلاء استعماري في التاريخ القديم والمعاصر. مستقبل "بريكس" هنا لم يعد مجرّد افتراض، بل حقيقة. أيّ مجموعة اقتصادية تلك التي تبدو فيها روسيا تحت نير عقوبات تهدّد مستقبلها المالي والسياسي بسبب حرب أوكرانيا، فضلاً عن تعثّر سلاسل توريد نفطها بسبب الاستهدافات الأوكرانية لمصافي نفط روسية؟ أيّ مجموعة يمكن التطلّع إلى الانضمام إليها، فيما الصين نفسها عاجزة عن فرض وجودها في مضيق هرمز، وتعمل جدّياً، لا بالبيانات المكرّرة، على فتحه، وهي عالمة أنّ إقفال المضيق يضرّ بصناعاتها ومبيعاتها إلى الغرب، في وقت يغيب الاستقرار من تدفق الغاز الروسي إلى المناطق الصينية؟
مثل هذه المجموعة، تجد إندونيسيا (بكلّ سحرها الجيوبوليتيكي وامتدادها الجزري في قلب المحيط الهندي وعلى مشارف المحيط الهادئ) نفسها ضيفةً جديدةً، يغيب مَن يمكنه شرح كيفية الاستفادة من السوق الإندونيسية، فيما جاكرتا مستعدّة للربط الدائم مع واشنطن اقتصادياً. عن أيّ "بريكس" يمكن الحديث اليوم، طالما أنّه في اضطرابات الأسواق كلّها، على الأقلّ منذ أزمة وباء كورونا، وحتى اليوم، لم تؤدّ المجموعة دوراً بارزاً، لا في سياق الاحتواء ولا في التعويض، بل جلّ ما فعلته هو عرض حصرية ناديها على دول سئمت من تردّي أوضاعها الاقتصادية، ولم تجد ما يمكن إنقاذه في الأسواق الغربية، بينما دخل الأقوياء في سياق توسيع الشراكات الاقتصادية، وليس في إطار البحث عن عالم متعدّد الأقطاب.
في الحرب الدائرة على إيران، لم تبرز عملة بهذه القوة مثل بروز الدولار، الذي "توقّع" محلّلون كثيرون "انهياره"، وطرحوا حتى الأسباب لذلك، عاملين على ربط ما يرونه "إشارات" حول ذلك. قد تكون الحسابات صحيحة، والأرقام لا تكذب، والحركة الاقتصادية واضحة، لكن يبقى هناك شيء جوهري يتجاهله العديد من المتابعين. الدولار ليس عملة تقليدية تتحرّك كما العملة اللبنانية مثلاً، بل إنّه تغلغل في صلب الأنظمة المصرفية العالمية، بما فيها الصين وروسيا، دامجاً حياتها المالية بحياته. إذا ضَعُف الدولار يضعفون معه، وإذا حلّق يحلّقون معه. حقيقة لا يريدون تصديقها، لكنّها موجودة. وتجربة "بريكس" أظهرت أنّه حتى لو جمعت أكبر دولة في العالم، روسيا (17.1 مليون كيلومتر مربع)، وأكبر بلدَين سكّاناً، الصين والهند (بمجموع ثلاثة مليارات نسمة)، وثاني أكبر اقتصاد في العالم، الصين، وأكبر اقتصاد في النصف الجنوبي من القارة الأميركية، البرازيل، فإنّهم غير قادرين على ملء فراغ افتراضي اسمه: "ماذا بعد الدولار؟". في شوارع موسكو وبكين ونيودلهي وبرازيليا، لن يسألوا عن عملات "بريكس". في الأزقّة والشوارع، كلّ ما يريدونه هو الدولار. من هنا يبدأ كلّ شيء. في الشوارع. بعد شهر على الحرب الإيرانية، لا يمكن التفكير جدّياً في أنّ "بريكس" سيبقى حلّاً، لا اقتصادياً ولا سياسياً، فيما يتوجّب فهم واقع أساسي: أنّ المراهقة السياسية لم تُترجم يوماً، وليست مرادفة للطموحات، بل هي أقرب إلى مغامرة أو تلبية لرغبات دفينة لأشخاص وأنظمة يتحرّكون بعيداً عن العقلانية.