إخفاق الديمقراطية في العراق

11 نوفمبر 2025
+ الخط -

على وقع أصداء عملية الاقتراع العام في العراق اليوم، أُقلّب في الكتاب المهمّ، للمؤرّخ والباحث الفلسطيني الأميركي حنّا بطاطو، "العراق... الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية". وعلى الرغم من ميوله اليسارية، إلا أنّها لم تمنع بطاطو من أن يصف انتخابات يونيو/ حزيران 1954 بـ"اللحظة الديمقراطية الأكثر صدقاً وتمثيلاً في تاريخ العهد الملكي"، لأنها (حسب رأيه) أتاحت للمرّة الأولى صعود قوىً وطنيةٍ واجتماعيةٍ جديدة تُمثّل الطبقات الوسطى والمثقّفين، بعد هيمنةٍ طويلةٍ للنخب التقليدية.
غير أنّ هذا النمو في الديمقراطية العراقية لم يدم طويلاً، لأنّ شكل البرلمان الجديد أثار غضب نوري السعيد والوصي عبد الإله، وسرعان ما تدخّلا ليطلبا من الملك إلغاء الانتخابات والدعوة إلى انتخابات جديدة، جرت في سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، وكانت نتائجها على النقيض تماماً من البرلمان السابق، وأحبطت محاولات القوى الوطنية لـ"التغيير من الداخل". لذلك، رحّبت هذه القوى لاحقاً بالانقلاب العسكري في 1958، وأسبغت على الانقلاب شرعيةً جماهيريةً نقلته إلى مستوى "الثورة".
ولكنّ الثورة لم تكن سوى بوّابة الجحيم على العراق، وظلّت آثار هذه الثورة حاضرةً في عراق اليوم، والمسؤول الأول عنها ضيق أفق النخبة السياسية المَلكية، ورفض رموزها، وأبرزهم نوري السعيد، التخلّي عن السلطة وإتاحة الفرصة لجيل جديد من السياسيين، وعدم إدراك هذه النخبة للمتغيّرات الإقليمية والعالمية، ما أضعف من شرعية النظام جماهيرياً، وأدّى إلى فقدان الثقة في الديمقراطية عند عموم المتحمّسين للعمل السياسي من الشباب والطبقات الاجتماعية المختلفة، ما أدّى في النهاية إلى قبول فكرة "الزعيم"، وعدم الحماسة للضغط على الضبّاط لإعادة تدوير عجلة الديمقراطية من جديد بعد نجاح الانقلاب.
بالمقارنة، فإنّ لحظةً مشابهةً حدثت في مسار الديمقراطية الجديدة في عراق ما بعد 2003. إنّ التحدي الأبرز في بناء النظام الجديد دفع جمهوراً غير مسيّس، ولا عهد له بتجربة التداول السلمي للسلطة، إلى أن يكون محوراً للعملية السياسية الجديدة، بحماسته وثقته وإيمانه بالديمقراطية والنظام الجديد المتولّد منها. لكنّ هذا كلّه، وكما فعلت نخبة نوري السعيد والوصي، ضُرب به عُرْض الحائط في انتخابات 2010، وفرضت قواعد عمل غير مكتوبة من خارج العملية الديمقراطية، سرعان ما ترسّخت مع كلّ دورة انتخابية جديدة، وصارت واضحةً للعيان بالنسبة إلى الجمهور العام، ففقد بالتدريج الحماسةَ الكافية للمشاركة في التصويت، حتى وصلنا إلى حالٍ تبدو فيها المشاركة في أدنى مستوياتها، مع حالة يأس عامة من الديمقراطية، وانتظارٍ للحلول من السماء، أو من أيّ ذراع ضاربة من خارج الآليات الديمقراطية.
لم يكن سقوط النظام الملكي في العراق جريرة الضبّاط فقط، وإنما نتيجة المحاولات المستمرّة للنخبة الحاكمة في منع التغيير وإفراغ الديمقراطية من محتواها، وهذا ما يحصل اليوم، للأسفّ! وعلى الرغم من إيمان كاتب هذه السطور بضرورة المشاركة في الانتخابات، ودعوته المستمرّة إليها، لانتفاء البديل الواقعي، إلا أنّه يعلم أنها مواجهة طويلة الأمد ومكلفة، ولن تُحسم في دورة انتخابية واحدة؛ فالقوى الحاكمة لديها أكثر من "غربال" يفلتر الإرادة الجماهيرية، ويجعلها فاقدةً للقيمة في لحظة صناعة القرار السياسي.
أول هذه الوسائل إصرار هذه القوى المُسيطِرة على تجميع الفائزين في الانتخابات تحت عناوين طائفية، حتى وإن أراقوا دماء بعضهم بعضاً في وسائل الإعلام وفي الدعايات الانتخابية، وحصل هذا منذ احتساب الحزب الشيوعي على الكتلة الشيعية، إلى معارك المالكي مع الصدريين، وغيرها من المواجهات التي تبرد في النهاية لصالح الجلوس تحت خيمة الطائفة في البرلمان.
وهناك ثانياً دخول الجميع في تقاسم المناصب التنفيذية، وغياب التقسيم المعتاد في الديمقراطيات الفعّالة ما بين كتلتي سلطة ومعارضة. أما الفلتر الثالث فهو قرارات المحكمة الاتحادية التي تتوافق غالباً مع إرادة الكبار في العملية السياسية، ومن خلفهم جميعاً إرادات التوافق ما بين اللاعبَيْن الإيراني والأميركي.
نعيش في العراق واقع الحال 15 سنة من تداعي الديمقراطية وإخفاقها (منذ انتخابات 2010)، ونحتاج من أجل إحيائها لا إلى مجرّد ذهاب أقلية إلى صناديق الاقتراع، وإنما إلى ما يشبه المعجزة.