إلى طفل النكبة

20 مايو 2026
+ الخط -

لو كنتَ على قيد الحياة، لكنت اليوم تتمّ عامك الثالث والثمانين. أعرف أن هذا رقم طويل لم تكن تفكر في بلوغه، فأنت كنت تتمنى أن تموت قويّاً وواقفاً على قدميك، ولذلك حرصت على صحتك لكي لا تصبح طريح الفراش، محتاجاً إلى المساعدة من الآخرين، وقد استجاب الله لدعائك، ولكني أحياناً أتمنى لو كنت على قيد الحياة اليوم؛ لأنك كنت قارئاً جيداً للأحداث السياسية. وكان بإمكانك أن تتوقع القادم، وقد عاصرت معنا أكثر من عدوان على غزّة، ولم يكن جهاز الراديو الصغير يفارقك، وفعلت ذلك في أثناء انتفاضة الحجارة خصوصاً، حيث عشنا أصعب الظروف، وحيث كان يُفرض على مدينتنا نظام حظر التجوال، فدبّرت وفكّرت لكي نوفر الغذاء، ولم نكن فعلًا نشعر وقتها بأننا ممنوعون من الخروج، فكل أنواع الطعام متوفرة في بيتنا الواسع، حتى الحلوى، ولم يكن ينقصنا سوى الذهاب إلى مدارسنا واللعب في الباحة الواسعة التي تمتد حول البيت.

عندما بدأت هذه الحرب تمنّيتُ لو كنتَ على قيد الحياة، وقد شعرت بالخوف؛ لأني بعيدةٌ عن مرقدك، وبدأت الأخبار تتوارد عن عبث الجنود بقبور الموتى في أقصى غرب مدينة خانيونس، ودقّ قلبي خوف أن يُقلقوا راحتك، وأن يهدموا قبرك الذي كتبت فوق شاهده مقولة تحبّها للإمام علي بن أبي طالب، وكثيراً ما كنت تردّدها، ولكني لم أكن قادرة على الوصول إلى المكان، أو حتى أن أبعث رسولاً يأتيني بخبر يقين، ولم أكن أعرف أنني سأنزح عن مدينة غزّة وأصل إلى مدينتي الأم ثانية، بل ويصبح بيني وبين مرقدك مسافة قصيرة، فأرى مرقدك على مرمى بصري. ولكن أيضاً لم أكن أستطيع الوصول إلى هناك لكي أطمئن، وكنتُ أرسل من قلبي رسائل خفية إليك، وأخبرُك بخوفي، حتى جئتني في المنام، وهمستَ لي بمثل شعبي طالما ردّدته على مسامعنا حين كنا نتكاثر حول وليمة، فتقول: "اقسموا العرب عربين"، وهكذا فرّقت الأولاد في بيت النزوح، ولم نعد ننام في غرفة واحدة.

تمنيتُ، يا أبي، يا حبيب الروح، لو كنت على قيد الحياة. ولكنّي اليوم توقفت، لم أعد أتمنّى، وأحياناً أشكر الله أنك قد غادرت قبل أن ترى ما حلّ بمدينتك الأحب على قلبك، وقد كنت تتخيل يا طفل النكبة أن ما حل بكم في العام 1948، حين كنت طفلاً في الخامسة من عمرك، لن يتكرّر، وأنه أقسى ما قد يمرّ به بشر، ولكنني اليوم أرى وأسمع كل ما عشته وأوجعك، وكل ما أسهبت في وصفه، وكأنك كنت تريد أن تقول لنا، فيما نتحلق حولك منصتين، إنك كنت طفلاً بائساً لم يحظ بثياب ولا حقيبة مدرسة، ولكنك حظيت بأم حنون ومدبرة وحكيمة، هي جدّتي "تمام"، التي لم تترك حيلة إلا اتّبعتها لكي ترتق خيوط الحياة من أجلكم في خيمة اللجوء على أطراف المدينة، حتى الأكياس المصنوعة من الخيش، والتي كانت "أونروا" تسلّمها ممتلئة بالملابس والمعلبات للاجئين، لم تكن جدتي تتركها من دون أن تحوّلها إلى حقيبة مدرسية تعلقها في رقبتك النحيلة، وتهرع بها نحو صف الخيمة، وقد كنت تحدثنا عنها، وكيف كان حبلها يؤلم عنقك، وتسميها باسمها العجيب "الخريطة".

اليوم، وفيما كان من الممكن أن أحتفل معك بعيدك الذي لم أغفله يوماً، ولم أغفل هدية رقيقة لك تفرح بها في ذلك اليوم، ففي هذا اليوم أتخيلك وأنت تجول بعينيك في كل هذا الخراب الذي حل بمدينتك الحبيبة، وكنت أعرف أنك تعشقها، ولم تكن تترك يوماً من دون أن تمشي في أزقة سوقها الشهير "سوق الحبوب"، ثم تعرج منه نحو الحقول الخضراء الواسعة، والتي أصبحت بفعل مغول العصر صحراء صفراء ميتة.

إليك، يا حبيب الروح، أيها الراقد تحت ثرى المدينة التي ورثت حبها عنك، وهو ميراثي الوحيد المرتحل معي، إليك يا أبي يا طفل النكبة، كلاما لا يقال، فلا كلام يصف أم النكبات.

سما حسن
سما حسن
كاتبة وصحفية فلسطينية مقيمة في غزة، أصدرت ثلاث مجموعات قصصية، ترجمت قصص لها إلى عدة لغات.