استراحة حرب
على غرار الأفلام الهوليوودية، وقبل لحظات قليلة من وقوع الكارثة (عسكرية أو طبيعية)، يتم التوصل إلى حل يعفي العالم من دمار شامل. هذا تماماً ما كان عليه الوضع حين حبس البشر أنفاسهم بانتظار انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للنظام في إيران لفتح مضيق هرمز، والتي انتهت بما صار اتفاقاً لوقف إطلاق النار أسبوعين على أن تتخلّلهما جولات تفاوضية من الممكن أن تؤدي إلى إنهاء الحرب على إيران بشكل كامل.
ارتياح كبير ساد في أرجاء العالم بعد الإعلان الباكستاني عن الاتفاق. لكن هذا الارتياح لا يبدو أنه سيدوم طويلاً بعدما بدأ يتوضح أن لا أسس حقيقية للاتفاق الذي يحكى عنه، ولا أي تفاهم حصل فعلاً بين الطرفين ليكون منطلقاً للتفاوض على جسر الفجوات الكبيرة في المواقف.
تتحدّث إيران عن عشر نقاط جرى التفاهم حولها، وعلى أساسها وافقت على هدنة الأسبوعين، على أن تتضمن فتحاً لمضيق هرمز أمام حركة الملاحة العالمية. من ضمن هذه النقاط، وفق ما أعلنت طهران، وقف إطلاق النار على مختلف الجبهات التي ساندت إيران في مواجهة العدوان الأميركي والإسرائيلي، إضافة إلى حق إيران في تخصيب اليورانيوم والاعتراف بسلطة طهران على مضيق هرمز ورفع العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية.
لكن من الواضح أن واشنطن، وتحديداً الرئيس ترامب، لم يكن مكترثاً لقراءة أي شروط، فهو كان يبحث عن سلم للنزول عن شجرة التهديد بالدمار الشامل الذي رفعه في وجه إيران، وهو ما حصل عليه فعلياً تحت مسمى "اتفاق لوقف إطلاق النار"، والذي من الواضح أنه سيكون اتفاقاً لاستئناف إطلاق النار في القريب العاجل.
لم ينتظر ترامب وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كثيراً للانقلاب على ما من المفترض أنه تم الاتفاق عليه. فالنقطة الأولى التي قال الإيرانيون إنهم شددوا عليها خلال تبادل الرسائل مع الولايات المتحدة عبر باكستان كانت وقف إطلاق النار على كافة الجبهات، وهو ما رفضته إسرائيل مؤكدة أن الجبهة اللبنانية منفصلة كلياً عن الجبهة الإيرانية، وترجمت ذلك بارتكاب مجازر في مختلف المناطق اللبنانية، ومن بينها العاصمة بيروت للمرة الأولى منذ اجتياح 1982.
الموقف الإسرائيلي سانده البيت الأبيض كالعادة، إذ أكد ترامب والمتحدثة باسمه أن لبنان ليس مشمولاً بالاتفاق، وهو ما عاد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، والذي من المفترض أنه كان مسؤولاً عن المفاوضات، للتأكيد عليه، مشيراً إلى أن الإيرانيين "اعتقدوا" أن لبنان مشمول في الاتفاق.
لم يتوقف التنصل الأميركي عن حدود هذا البند الموضوع في ورقة "النقاط العشر"، بل تبرأوا من الموافقة على أي من البنود الواردة في هذه الورقة التي "رماها الرئيس الأميركي في القمامة"، بحسب ما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، والتي أضافت أن وقف إطلاق النار لم يتم وفق هذه الورقة التي تخرق الخطوط الحمر لترامب.
في المقابل، لا تزال إيران متمسكة برواية البنود العشرة التي جرى وقف إطلاق النار على أساسها، والتي من المفترض أن تكون محور المفاوضات الثنائية التي ستستضيفها إسلام أباد خلال ساعات، والتي باتت الشكوك تحوم حولها بعد التصريحات الأميركية والعدوان على لبنان، اللذين قابلتهما طهران بالإبقاء على إغلاق مضيق هرمز الذي أبرم الاتفاق لفتحه.
كل المؤشرات اليوم تقضي بأن هذه الهدنة الهشة لن تصمد طويلاً، ومن غير المرجح أن تستمر لأسبوعين، وأنه حتى في حال أجريت المفاوضات في باكستان فإنها ستكون عبثية بفعل التباعد الكبير بين مطالب الطرفين، خصوصاً أن كلاً منهما يعتبر نفسه منتصراً في هذه الجولة من المعركة، وأن من حقه أن يفرض شروطه.
من الواضح أن هذا الاتفاق ليس إلا "استراحة محارب" احتاج إليها الطرفان، استعداداً للجولة المقبلة التي يخشى أن تكون أقسى وأكثر تدميراً.