الإخوان المسلمون والتشكيل الأميركي الجديد للشرق الأوسط

28 نوفمبر 2025
+ الخط -

يخطئ من يظن أن تداعيات القرار التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، "إطلاق عملية للنظر في تصنيف بعض الفروع أو التقسيمات الأخرى لجماعة الإخوان المسلمين منظمات إرهابية أجنبية"، ستبقى محصورة في "الإخوان". الأمر أبعد من ذلك بكثير، إذ يأتي في سياق الجهود الأميركية– الإسرائيلية الأوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق مصالحهما، وهو هدف معلن منذ عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. ولعل أبرز ما يكشف ارتباط القرار بإسرائيل أولاً، وإن لم يقتصر عليها، تركيزه على فروع الجماعة "في لبنان والأردن ومصر"، وربط هذه الفروع بدعم "طوفان الأقصى" وحركة حماس. لذلك لم يكن مفاجئاً أن يسارع نتنياهو إلى الإشادة بترامب. كما لا يمكن تجاهل دور اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، بما في ذلك معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إضافة إلى مؤسّسات يمينية حليفة مثل مؤسسة التراث، فضلاً عن أعضاء في الكونغرس من المعادين للإسلام والمتماهين مع هذا اللوبي، كالسيناتور تيد كروز والنائبة نانسي ميس، اللذيْن كانا من أبرز المحرّضين من أجل هذا القرار سنوات طويلة.

من الناحية الإطارية، يرتبط القرار أولاً وأساساً بمحاولة إزالة بؤر الممانعة أمام الهيمنة الأميركية والإسرائيلية على المنطقة، في ظل ما تعتبره واشنطن وتل أبيب انتصاراً كبيراً لهما بعد "7 أكتوبر"، استناداً إلى افتراض هزيمة حركة حماس وحزب الله وإيران، وتصفية نفوذ الأخيرة في سورية، وإضعافه في العراق ولبنان. ومع ذلك، هناك أسباب أخرى وراء قرار ترامب، يتعلق بعضها بضغوط من دول في المنطقة غير إسرائيل، وبعضها الآخر مرتبط بالداخل الأميركي.

لم يُخف يوماً المحرّضون الأميركيون لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين "منظمة إرهابية أجنبية" نياتهم في استخدام مثل هذا القرار، إن صدر، ضد الوجود الإسلامي في الولايات المتحدة

إقليمياً، معروف أن دولاً عربية عدة ضغطت، إلى جانب إسرائيل، لدفع واشنطن نحو تصنيف الإخوان المسلمين "جماعة إرهابية أجنبية". تتصدّر مصر هذا المحور منذ أن صنفت الجماعة إرهابية عقب الانقلاب العسكري الذي أطاح الرئيس الراحل محمد مرسي عام 2013، ثم لحقتها السعودية والإمارات عام 2014. وتعود مشكلة هذا المحور مع "الإخوان" إلى هواجس تولدت خلال "الربيع العربي" من قدرة الجماعة على التعبئة الجماهيرية، ما دفع هذه الدول إلى محاصرتها في ساحات عربية ودولية، وصلت إلى حد تحريض حكومة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كامرون عام 2014 على تصنيف الجماعة إرهابية، لكن المحاولة فشلت. وتفيد معلومات متداولة بأن الإمارات ومصر جدّدتا جهودهما مع إدارة ترامب الثانية لدفعها نحو هذا التصنيف، بعد فشل محاولاتهما خلال ولايتي باراك أوباما (2009–2017)، ثم خلال ولاية ترامب الأولى (2017–2021)، رغم سعيه إلى ذلك، إلا أن مؤسّسات القرار السيادية- الخارجية ومجلس الأمن القومي والمجتمع الاستخباراتي أحبطت الخطوة انطلاقاً من "المصالح القومية الأميركية". واستمر هذا الموقف خلال ولاية جو بايدن (2021–2025). الفرق بين ولايتي ترامب الأولى والثانية أن إدارته الحالية تخلو من المنتمين إلى "نادي الناضجين" أو "البراغماتيين" الذين صاغوا السياسة الخارجية الأميركية عقوداً، وكان بعضهم في إدارته الأولى، لتحل محلهم مجموعة من الإيديولوجيين المتشدّدين والمراهقين السياسيين الباحثين عن رضا ترامب الشخصي، وفي مقدّمتهم وزير الخارجية ماركو روبيو.

يرتبط قرار ترامب بشأن الإخوان المسلمين أساساً بمحاولة إزالة بؤر الممانعة

داخلياً، لم يُخف يوماً المحرّضون الأميركيون لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين "منظمة إرهابية أجنبية" نياتهم في استخدام مثل هذا القرار، إن صدر، ضد الوجود الإسلامي في الولايات المتحدة، وتحديداً ضد المؤسّسات الإسلامية الأميركية الفاعلة. ومن هنا يمكن فهم قرار حاكم ولاية تكساس غريغ آبوت في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، الذي لم يصنف "الإخوان" فحسب "منظّمة إرهابية أجنبية وإجرامية عابرة للحدود"، بل كذلك "مجلس العلاقات الأميركية – الإسلامية" (كير) أكبر منظمة حقوق مدنية للمسلمين الأميركيين. صحيح أن قرار آبوت منعدم قانونياً، إذ لا يملك صلاحية هذا التصنيف (صلاحية اتحادية)، فضلاً عن استهداف منظمة أميركية قانونية مثل "كير"، إلا أن الغرض كان تعزيز السردية السلبية حول "الإخوان" وربط المؤسسات الإسلامية الأميركية بهم. وإن تحقق هذا الربط، ولو دعائياً، وتساوقت معه الحكومة الفيدرالية، فإن هؤلاء يأملون في شلِّ فاعلية المؤسّسات الإسلامية الأميركية، وإغلاق الآفاق الواسعة التي فتحتها عبر انخراطها في الحياتين، المدنية والسياسية، خصوصاً في ظل حرب الإبادة في قطاع غزّة وانقلاب الرأي العام الأميركي على إسرائيل.

باختصار، ستكون لقرار ترامب تداعيات صعبة على المنطقة العربية وعلى الوجود الإسلامي في الولايات المتحدة، إن صودق عليه وجرى تمريره. ولن تتردّد واشنطن في استخدام "فزّاعة الإخوان" ورقة ضغط وابتزاز ضد دول عربية وإسلامية تضم أو تستضيف تيارات أو شخصيات محسوبة على الجماعة. وحتى الدول العربية التي تحتفي بهذا "الانتصار" (إن اكتمل) انطلاقاً من عدائها مطالب الحرية والديمقراطية لشعوبها، فإنها تضعف نفسها والفضاء العربي ككل، عبر تجويف الحياة السياسية وتحييد إحدى أهم نقاط الممانعة أمام أي تغوّل خارجي. أما العرب والمسلمون الأميركيون، فقد يكونون على موعد مع معركة حقوقية ودستورية كبيرة، كالتي عاشوها بعد أحداث 11 سبتمبر (2001). هل يعني هذا أن التصنيف الإرهابي قد حُسم؟ قطعاً لا، لكنه الاحتمال الأرجح حالياً. ولا يمنع هذا من القول إن الإخوان المسلمين أضاعوا فرصاً كثيرة في السنوات الماضية لمنع صدور مثل هذا القرار الأميركي، وهو ما أوضحتُه في مقال في "العربي الجديد" بعنوان: "قبل تصنيف الإخوان أميركيّاً منظمة إرهابية" (3/5/2019)، تناول، في جانب منه، الإجراءات القانونية للتصنيف وسبل التصدّي له قضائياً.