التعويل على جنون ترامب... جنون
يتسبّب دونالد ترامب بتراجُع أحوال ممارسات كثيرة منها التحليل السياسي ومهن عقلانية أخرى، مثل أوجه عديدة من الصحافة كتلك الاستقصائية. الرجل لا يترك شيئاً في قلبه، ذلك أنه ثرثار يخلط الحابل بالنابل عن قصد أو عن ضعف قدرة على التركيز على موضوع واحد مثلما يذهب كثيرون في الصحافة الأميركية. كشفُ الأسرار، وغالباً ما تكون فضائح في ولايتي ترامب، صار أمراً عادياً ولم يعد يثير سبقٌ صحافي يتعلق بهذا الشأن جلبة كبيرة. دين الرئيس في 34 تهمة جنائية ولم يُسجن يوماً، لا بل إن ذلك زاد من بأسه وشعبيته، وبالتالي فإنّ أي كشف صحافي لفضيحة تُضاف إلى سجله مالياً أو جنسياً أو سياسياً، ربما لا ينال رهجة أو انتشاراً، ربما لأن السوابق غير مبشّرة، وأغلب الظن أن يخرج ترامب بتصريح أو خطاب أو مقابلة ليزيد على الشعر بيتاً وعلى الفضيحة تفاصيل لعلمه أنها ربما تنقلب لمصلحته بما أنه من نوع "الحيوانات السياسية" التي تقوّيها الضربات إن لم تقتلها.
لم يترك ترامب مجالاً واسعاً للتحليل. يقول بوقاحة استثنائية إن فنزويلا فيها نفط أكثر من اللازم، بالتالي فإن استيلاء أميركا عليه يسميه "استعادة حق" لها. هكذا، يصبح أي محلل أضحوكة إن اجتهد في عصر أفكاره لإثبات أن الحرب العجيبة التي شنّها ترامب على كاراكاس بعد حصار مديد وخطف رئيسها كان الهدف منها سرقة نفط صاحبة أكبر احتياطي في العالم من هذه المادة بنحو 304 مليارات برميل. وكم من صحافي صنع مجده الإعلامي لمحاولة إثبات (زوراً) نيات واشنطن بسرقة نفط العراق دافعاً لغزو عام 2003، بينما صار أقوى رجل في العالم اليوم يجاهر بكل ما تريد أن تعرفه من منطلق قوته المطلقة وعجز الآخرين عن مواجهته حتى ولو تقيّأ سموماً من نوع أن مساحة إسرائيل ضيقة ويجب أن تتوسع، أو أن قطاع غزة لا يليق به إلا أن يصير منتجعاً سياحياً لأثرياء!
أمام اندثار أدوات عقلانية كثيرة كان من شأنها في ظروف عالم طبيعي أن تساعد على فهم سياسات ترامب وتوقع مآلاتها واحتمالات تحولاتها، ظهرت طائفة بين ظهرانينا لم يعد بيدها سوى التعويل على جنون ترامب. والجنون ذاك خلطة من انتهازية وقلة أخلاق ولا مبدئية وزئبقية وضعف للعامل الأيديولوجي أو الأخلاقي أو المبدئي في حساباته التي لا تنطلق إلا من المصلحة المباشرة التي يغلب فيها التكتيك على الاستراتيجيا. هذه الفئة وصل فيها الشعور بالعجز عن مواجهة وحشية ترامب إلى درجة باتت تفكر في أنه ربما فعلاً يملّ قريباً من بنيامين نتنياهو، الذي قال فيه الرئيس الأميركي ما لم يقله مالك في الخمر شتائم وذماً واحتقاراً في عبارات طويلة تنتهي بلازمة "لكنه (أي نتنياهو) يعرف من هو الزعيم". وفي شخصيات ترامب المتعددة، تاجر كبير لا يحاول التخفي، والتاجر الناجح يستحيل أن يكون طائفياً أو عنصرياً، لأن رأس المال لا يعرف طائفة أو عرقاً، وبالتالي يقول كُثر أكانوا مسؤولين أم مجرد مفكرين في أحوال هذا الكوكب، إن ترامب حين يقتنع بأن إسرائيل بوجهها اليميني المتطرف الحالي، صارت عبئاً على المصالح الأميركية مثلما يعرّفها الرئيس، فإنه سيفعل المستحيل لتغيير قيادتها في انتخابات أكتوبر/تشرين الأول أو قبلها أو بعدها، لا حباً بالسلام أو بالعرب طبعاً، بل قناعةً منه بأن هذه الدولة بحكومتها الحالية أو أخرى قد تسير على نهجها، صارت مكلفة لأميركا، اقتصادياً ومالياً وسياسياً وعسكرياً، أي استراتيجياً بالعموم، أو أن كلفتها أمست أكبر من فائدتها التي لطالما كان كُثر يختصرونها بخرافة من نوع "قاعدة أميركية في الشرق الأوسط".
يا ليت الأمور كانت بهذه البساطة، لكنّ الواقع أكثر تعقيداً من تلك الرومانسية السياسية. فليس صحيحاً أن إسرائيل ألعوبة بيد ترامب يغيّر فيها ويستخدمها كيفما شاء. وهناك فارق كبير بين هذه الوضعية وحقيقة أنها أقرب حلفاء أميركا. كذلك ليس صحيحاً أنّ ترامب في شأن جذري كهذا يمكنه أن يتصرف كوحش منفرد، متجاوزاً جماعات ضغط في البلدين تقدّم له ولإدارته باسم إسرائيل ما لا يستطيع أن يقدّمه غيرها.