الجنوب العالمي وموقعه

14 يوليو 2026

أعادت بطولة كأس العالم 2026 سؤالاً لا يخصّ كرة القدم وحدها، فمنع الحكم الصومالي عمر أرتان من دخول الولايات المتحدة، وإعلان الرئيس دونالد ترامب تدخّله للضغط على رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) لإلغاء البطاقة الحمراء التي تلقّاها أحد لاعبي المنتخب الأميركي، لم يقتصرا على إثارة الجدل في واقعتَين منفصلتَين، وإنّما أعادا النقاش إلى مسألة أعمق تتعلّق بالمسافة التي تستطيع المؤسّسات العالمية الحفاظ عليها إزاء القوّة السياسية.
كلّ سلطة تريد أن تدوم تحتاج ما هو أكثر من القوّة؛ فالقوّة وحدها تفرض الطاعة، لكنّها لا تنتج الشرعية، وهذه الأخيرة تنشأ عندما يبدو الحُكم وكأنّه يصدر من موقع محايد، حتّى لو كان هذا الحياد موضع شكّ، ولهذا لا تُقاس مكانة المؤسّسات العالمية بقدرتها وحدها على ترسيخ الاعتقاد بأنّها تطبّق القواعد نفسها على الجميع، وأنّها تمثّل إطاراً مشتركاً، لا امتداداً لموازين القوّة. ولعلّ هذا هو أحد الأسئلة المزمنة التي رافقت علاقة دول الجنوب بالنظام الدولي منذ نهاية الحقبة الاستعمارية. فكثير من هذه الدول تشعر بأنّها محدودة التأثير داخل المؤسّسات العالمية، وأنّها حاضرة داخلها بشروط لم تشارك في صياغتها، وأنّ مشاركتها كثيراً ما تعني الامتثال لقواعد وضعتها موازين قوّة سابقة أكثر منها مساهمة في إعادة تعريفها، ويتضح هذا في تمظهر القوة داخل "الفيفا" مثلاً، أو منظّمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وحتّى مجلس الأمن. ومن هنا، تصبح القضية ذات بُعد سياسي وأنثروبولوجي في آن؛ فهي تتعلّق بالطريقة التي تُنتَج من خلالها شرعية السلطة، وبالآليات التي تجعل بعض القواعد تبدو طبيعية وكونية، حتّى عندما تعكس إرثاً غير متكافئ في توزيع النفوذ.
لا يختفي الماضي الاستعماري بانسحاب الجيوش، إذ يبقى حاضراً في الخرائط الذهنية التي تحدّد مركز العالم وأطرافه، وفي المؤسّسات التي تحدّد من يملك حقّ تعريف القاعدة. ومع مرور الوقت تكتسب هذه القواعد صفة الحقيقة، ويصبح النقاش منصبّاً على كيفية الامتثال لها، بينما يغيب السؤال الذي يسبقها جميعاً: من الذي حاز سلطة تعريفها؟ وعندما تُقرأ المؤسّسات الرياضية وغيرها من المؤسّسات من هذا المنظور، يظهر بوضوح كيف تتحرّك داخل الشبكة نفسها التي تتشكّل فيها المكانة الدولية، وتتنافس فيها الدول على النفوذ والاعتراف والرمزية، لذلك فإنّ أي نقاش حول العدالة داخل الرياضة لا ينفصل، في جوهره عن السؤال الأوسع: إلى أي حدّ تستطيع المؤسّسات العالمية أن تتحرّر من علاقات القوّة التي نشأت في ظلّها؟
ربّما لا تكمن المفارقة الكبرى في "الفيفا" بالنسبة إلينا، وإنّما في طبيعة علاقتنا بها وببقية دول الجنوب. فمنذ سنوات تتكرّر الشكاوى من التحكيم، ومن التمثيل، ومن آليات اتخاذ القرار، ومن اختلال موازين النفوذ داخل المؤسّسات الرياضية الدولية. ولهذا يبدو السؤال أكثر أهمية من الشكوى نفسها: لماذا لم ينجح الجنوب العالمي، على الرغم من ثقله الديموغرافي والرياضي، في تحويل هذا التذمّر المتكرّر إلى مشروع إصلاحي حقيقي داخل المؤسّسات الدولية؟ ولماذا يظلّ الاحتجاج موسمياً، بينما يبقى ميزان النفوذ أكثر ثباتاً من الاعتراضات عليه؟ ولعلّ السؤال الذي يفرض نفسه ليس: لماذا لا يقاطع الجنوب "الفيفا"؟ فالمقاطعة، في حدّ ذاتها، ليست سياسة دائماً، وقد تكون انسحاباً يمنح السلطة مزيداً من الاحتكار. السؤال الأهمّ هو: لماذا لا ينجح الجنوب في تحويل ثقله العددي، وجماهيريته الهائلة، إلى نفوذ مؤسّسي يفرض إصلاحاتٍ حقيقية؟
قد يكون من السهل تحميل "الفيفا" أو "اليونسكو" أو الأمم المتحدة مسؤولية هذا كلّه، لكنّه سيكون استنتاجاً مريحاً أكثر ممّا هو صحيح. فالمؤسّسات تجسّد بدرجات مختلفة منطق العالم الذي صنعها وتوازناته وتناقضاته، ولهذا فإنّ السؤال الحقيقي لا يتعلّق بـ"الفيفا" وإنّما بالنظام الدولي ذاته، الذي يجعل كثيراً من مؤسّساته تعيد إنتاج الفوارق نفسها التي يدّعي أنّه يسعى إلى تجاوزها. ربّما لهذا السبب تبدو كرة القدم، في النهاية، المرآة التي نرى فيها العالم كما هو؛ عالمٌ يَعِد بالمساواة، لكنّه لا يتوقّف عن التفاوض مع القوّة.
إذا كان الجنوب يريد عدالة مختلفة داخل الملعب، فربّما عليه أولاً أن يسأل نفسه كيف يصنع مكانه خارج الملعب، لأنّ المؤسّسات الدولية المتوحّشة في نهاية المطاف لا تعكس أحلام الشعوب، بقدر ما تعكس موازين القوّة التي تنجح هذه الشعوب أو تفشل في بنائها.