الحبّ غير الخالد بين ترامب ونتنياهو
في الحادي عشر من فبراير/ شباط الماضي، يحضر نتنياهو إلى البيت الأبيض. يعقد اجتماعاً مع ترامب ساعة، يحاول فيها أن يقنعه بشن حرب على إيران، ستكون "قصيرة وناجحة"، يدعمها الأكراد باجتياح إيران. ولن يكون بوسع إيران إغلاق مضيق هرمز مدة طويلة. وستكون نهاية النووي الإيراني. وهجوم كهذا، يتابع نتنياهو، سيسهم في اندلاع انتفاضة شعبية تؤدي إلى سقوط النظام الإيراني، ويصعد مكانه رضا بهلوي، ابن الشاه الراحل.
بعد أسبوعين، يشن ترامب هجوماً على إيران، بمشاركة إسرائيل. يسميه "الغضب الملحمي"، ويتوقع ألا يدوم هذا "الغضب" أكثر من ستة أسابيع. ويُنقل عن "المناخ" الذي ساد في ذينك الأسبوعين، أن ترامب تجاهل تنبيهات بعض مستشاريه العسكريين. وقد حذّروه من "ملحمةٍ" كهذه، واصفين إياها بـ"الهراء والمزحة السمجة".
صارت إيران أقوى. ليس بفضل عنادها، وربما قوتها الصرفة أيضاً. إنما لأسباب أميركية داخلية منها زيادة عدد نواب أميركيين ضد إسرائيل التي لعبت بعقل ترامب
لا يصغي ترامب. هو مزهو بـ"نجاحه" الفنزويلي، حيث خطف رئيس تلك البلاد مع زوجته، بين ليلة وضحاها، وأودعهما السجن، ونصّب نائبته المطيعة له، وباشر بسرقة نفطها، من دون أي عائق يُذكر. وهو، كما تقول الشائعة، يسرع في خوض معركة نتنياهو ضدّ إيران للهروب من فضيحة جنسية مدوية، عنوانها البيدوفيلي جفري إبستين، لم تنجح بام بوندي، وزيرة العدل، بلفْلفتها على ما يُرام (أقالها ترامب على كل حال).
وتمضي ستة أشهر. ولا يظفر ترامب في "ملحمته". كل النيران، وحاملات الطائرات وصواريخ التوماهوك... والصراخ والتهديد المتقطع... يفضي إلى ما يصفه بعضهم بـ"الهزيمة الاستراتيجية": صار النظام الإيراني أكثر ثقة بنفسه. يقوده الجناح الأكثر تشدّداً. مضيق يدخل اتفاقاً مكتوباً بصيغة تسمح له، منطقياً، بإغلاقه. ويصير محور كل أخذ وردّ. فيغيب السلاحان النووي والباليستي، وهما الغاية الأولى للحرب. وتنال إيران من دول الخليج. الأكراد لا يتجرؤون على المشاركة في "الملحمة". تذكّروا كيف خانهم ترامب سابقا في سورية. ولا الأوروبيون يتجرؤون، رغم شتائم ترامب وتوبيخاته...
وتشهد هذه الأشهر الستة الأخيرة "نوبات" صعود وهبوط غضب ترامب ضد إيران. ساعة يريد أن يمحو حضارتها، أو يفنيها من الوجود... وساعة أخرى يهادنها، يعلق ضرباته الجوية، ويطلق أذرعه الدبلوماسية... لعلها تجد له مخرجاً مشرفاً.
فيما الإعلامان الإسرائيلي والأميركي يتبادلان تهم هذا الإخفاق. وسجال ومقارنات بين "النهجين"، الأميركي والإسرائيلي، ينال جزء منها الوجاهة التي كان نتنياهو يتمتّع بها في أميركا، والفكرة القديمة عن "عضوية" العلاقات الأميركية - الإسرائيلية.
ولكن عبثاً. صارت إيران أقوى. ليس بفضل عنادها، وربما قوتها الصرفة أيضاً، إنما لأسباب أميركية داخلية. منها: زيادة عدد نواب أميركيين ضدّ إسرائيل التي لعبت بعقل ترامب وأقنعته بخوض حرب رفعت أسعار النفط ومن نسب التضخم.
وأيضاً: الهجوم على نتنياهو صار أكثر صراحة. فلا تمييز بين نتنياهو وإسرائيل، وبين رفض سياسة إسرائيل وتوريطها لترامب في حرب على إيران. أضف إلى ذلك الإبادة في غزّة، فتصبح صورة نتنياهو مرتبطة بالحلول الدموية.
صحيح أن عمدة نيويورك، زهران ممْداني، تراجع عن توقيفه، بسبب موانع قانونية، رغم مذكرة محكمة الجنايات الدولية التي تتهمه بارتكاب الإبادة ضد أهل غزّة، ولكنّ نواباً من الكونغرس باتوا يتكلمون بصراحة عن رغبتهم في إبعاد نتنياهو عن أميركا، وعن التأثير على قرارات ترامب، وعن وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل.
ولا يقتصر الموضوع على الديمقراطيين، إنما يبدأ بطرق أبواب نواب الحزب الجمهوري، الترامبي، المؤيد بقوة لإسرائيل. ومنهم ثلاثة نواب، يعارضون ترامب وإسرائيل، وأشهرهم النائبة مارجوري غرين، التي نالت نصيبها من شتائم ترامب.
وهؤلاء النواب يحسبون حساب الرأي العام الأميركي، المقبل على انتخابات فرعية بعد ثلاثة أشهر تحدد مصير ترامب نفسه، الذي لم يصغ إلى الأصوات التي تناديه بأخذ رأي الكونغرس إن كان يتابع الحرب، أو يوقفها نهائيا، ويعلن عن فشله فيها، بعدما رفض أصلاً استشارتهم بها، كما يمليه الدستور. فكل استطلاعات الرأي تؤكد ارتفاع نسبة الغاضبين من نتنياهو ومن ترامب. وسط المؤيدين لترامب، كما وسط المعارضين له. وبزيادة شارفت قبل أيام على 70%.
ومن خارج الإدارة الأميركية، من تيار "أميركا أولاً"، الربط هو نفسه: بين رفض الحرب على إيران، بصفتها خيانة انتخابية لوعود ترامب بألّا يخوض حروباً بعد الآن، وبين الانجرار وراء المزاج الإسرائيلي الذي يستغل ترامب وأميركا. وأشهرهم، مستشار ترامب السابق ستيف بانون، والإعلامي توكر كارلسون، وغيرهم... وخلاصة فكرتهم "إسرائيل تحاول استدراج الولايات المتحدة إلى حروب لا تصبّ في مصلحة الولايات المتحدة". والكلام ينطبق على الحرب الإيرانية طبعاً.
بين مستشاري ترامب ونائبه، الجو نفسه. نائبه دي فانس الأشهر من بين المعارضين للحرب على إيران ولإسرائيل: وأكثر كلماته ذيوعاً ما نُقِل عنه أثناء مخابرة هاتفية مع نتنياهو، منذ ثلاثة أشهر. يؤنبه فيقول له: "التوقّعات التي قدّمتها للرئيس ترامب بشأن الحرب لم تتحقق (...) تقييماتك مفرطة في التفاؤل بشأن الحرب (..) لقد قلتَ إنّ الحرب ستكون حاسمة"... إلخ. ثم استنتاج علني لفانس نفسه: "ينبغي للولايات المتحدة أن تتصرف وفقًا لمصالحها الخاصة، لا لأن حليفاً يرغب في ذلك".
يحاول ترامب أن يصلح وضعيته في غزّة، عبر تذكير نتنياهو بـ"مجلس السلام" الخنْفشاري الذي أنشأه قبل ثمانية أشهر
مثل دي فانس، ستيف ويتكوف، مستشار ترامب الخاص، وصديقه وشريكه في الاستثمارات. ومع ذلك، يريد تجنّب "حرب إقليمية متواصلة"، يريد عقد اتفاق دبلوماسي مع إيران، وتحويل "النجاحات العسكرية" الأميركية إلى مفاوضات مثمرة. متعارضاً بذلك مع النهج الإسرائيلي. وأيضاً: وزير خارجية ترامب، ماركو روبيو، مع أنه مقرب منه، ومنافس لفانس، وليس على وئام تام معه. يصر على أن تكون واشنطن هي المكان الذي ترسم فيه السياسة الأميركية وليس إسرائيل.
ترامب نفسه، في زحمة ثرْثراته كان يشتم نتنياهو، يخرسه ويزعق بوجهه... وعشية زيارته إلى أميركا، كرر نتنياهو لترامب أن إيران تواصل نشاطها النووي في جبل بيكاكس... وذلك لتحريضه على مواصلة الحرب عليها. فكان رد ترامب عليه: "لستُ بحاجة إلى أن يخبرني "بيبي" (أي نتنياهو) بهذا. فهو يقوله لي لأنه يريدني أن أواصل الانخراط في هذا الملف" ( الإيراني، بالحرب طبعاً).
وزيارة نتنياهو للبيت الأبيض، بعد ستة أشهر على كل هذه التطورات السلبية، ليست ناجحة. من مراسم الاستقبال، وحتى الاجتماع السرّي بينه وبين ترامب، كانت منذورة للفشل. أين منها كلمات نتنياهو المأثورة، عن الشرق الأوسط الجديد الذي تصنعه إسرائيل بأيدي جيشها الفولاذي، والتصورات الوردية لـ"غضب ملحمي"، يكاد يصيب ترامب بالجنون الغاضب؟
يحاول ترامب أن يصلح وضعيته في غزّة، عبر تذكيره بـ"مجلس السلام" الخنْفشاري الذي انشأه، قبل ثمانية أشهر، وأهمله من شدة انشغاله بإيران. و"يضغط" على نتنياهو ليسهّل بعضاً من مفاوضات بين لبنان وإسرائيل حول الجنوب، بفضل أصدقائه اللبنانيين "المذْهلين"، في رياضة الغولف والاستثمارات. ولكنه يهدي نتنياهو الضفة الغربية بأكملها، بسكوته عن المجازر التي يرتكبها جيشه بحق أهلها وترابها، معتقداً بأنه بذلك يضعفه بوجه منافسيه من اليمين الوسط بوجه حلفائه من اليمين المتطرّف الغارقين في حرب الضفة حتى أذنيهم. فلا حدود لـ"الذكاء الاستراتيجي" الذي يتمتع به ترامب. ولا تتعب في محاولات استيعاب غرامياته وعداواته. إذ لن تجدها... حتى في متاهات "عقله" ودهاليزه.