الحرب التي قَتَلَتْ حُلمي الصغير

03 ديسمبر 2025

(نبيل عناني)

+ الخط -

لا تأتي النهاياتُ السعيدةُ إلا في الأفلامِ العربيةِ الكلاسيكيةِ القديمة، حيثُ يلتقي الحبيبانِ ويتعانقانِ في محطةِ القطارِ غالباً، وتُكتَبُ على الشاشة، بخطٍّ عريضٍ واضح، كلمةُ "النهاية"، لكي ينهضَ المشاهدون من أمامِ الشاشةِ وهم يشعرونَ بالرِّضا؛ لأنَّ النهايةَ جاءت حسبَ توقُّعاتِهم، ونتيجةً طبيعيةً لكلِّ هذه المتاعبِ والعقباتِ التي واجهت قصةَ الحبِّ الكبيرِ بين البطلين.

هذه النهايةُ لا تُرى إلا على الشاشة، حيثُ يكتبها خيالُ المؤلف. أمّا النهايةُ التي حلمتُ بها وقتلتها الحربُ، فلم تأتِ أبداً. وقد رسمتُها كنهايةٍ بسيطةٍ، تكادُ تكون حلماً صغيراً لطفلةٍ بريئة. وإن كانت الحياةُ في غزّة قد أمعنت في إرهاقي، وحوّلتني إلى امرأةٍ مقاتلة، مثل معظم نساءِ غزّة، إلا أنَّ الطفلةَ البريئةَ في داخلي لم تمت، وظلَّ حلمي صغيراً، أن أقضي آخر سنواتِ عمري في بيتي الذي شهد طفولةَ أولادي وكلَّ مراحلِ حياتهم.

في ذلك البيتِ صِرتُ أماً للمرةِ الأولى، وعشتُ مع أبنائي الأربعة معركةً طويلة؛ فحاربتُ العادات والتقاليد التي ترسَّخت في المجتمعِ حولي، وأسهم الحصارُ الذي فُرِضَ على غزّة في تعميقِها، وحاربتُ الحصارَ ذاته وتداعياتِه على حياتِنا كأسرةٍ صغيرةٍ بلا أب، حيث تحوَّلتُ إلى قائدِ السفينة، كما كان يقولُ الأولادُ عني. وكان علينا أن ننجحَ وننجو.

وظلَّ حلمي الصغيرُ يراودني كلَّ ليلةٍ أن أنامَ قريرةَ العين، بعد أن أُكملَ رسالتي في بيتي الذي جمعني بهم نحو ثلاثين عاماً، بل إنني أوغلتُ في سذاجتي، ولم أكن أعرفُ أنَّ الحلمَ الصغيرَ الساذجَ ستقتله الحرب؛ لأنني كنتُ أحبُّ غرفتي الصغيرةَ التي تطلُّ بشُرفتِها على شجرةِ الرمانِ في الحديقة، ولم أكن أرغبُ في أن أُغادِرَها أو أستبدلَها. وتعلَّقتُ شيئاً فشيئاً بكلِّ ركنٍ فيها، وأصبح سريري المكانَ الذي أقضي فيه أسعدَ أوقاتي، وأنا أحتسي قهوتي الصباحيةَ، وأقرأُ كتبي المفضّلةَ خلال النهار.

هناك، في مخيمِ اللاجئينَ جنوبَ قطاعِ غزّة، أبَتِ الطبيعةُ إلا أن أطلقَ صرختي الأولى في غرفةٍ قرميديةٍ ضيقةٍ في بيتِ المخيم. وكأنَّ كلَّ الأطفالِ الذين يطلقون صرخاتِهم الأولى بين جنباتِ الغرفِ الضيقةِ، المهشَّمةِ السقوف، في مخيماتِ اللجوءِ على امتدادِ ساحلِ بحرِ غزّة، يهيمون حبّاً بتلك الأماكن، ويتعلَّقون بها، وتتركُ أثرَها في شخصياتهم. ويبدو أنَّ تلك لَعنة؛ لأنَّ عشقَ مخيمِ اللاجئين بكلِّ تفاصيلِه لم يفارق روحي وقلبي، والسنونُ والأيامُ تمرُّ بي.

غير أنَّ الحنينَ كان يكبر، والذكريات تكثرُ وتتوالد، حتى إنني، كلما خلوتُ بنفسي، كنتُ أتذكَّرُ تفصيلةً صغيرةً جديدة، وأبتسمُ في خجلٍ بيني وبين نفسي؛ لأنني تذكَّرتُها، وكأنني قد عثرتُ على كنزٍ ثمين. حتى إذا ما رحلَ جدَّاي، ثم رحلتْ أمي، وتبعها أبي بأعوامٍ قليلة، أصبح لي كنزي الثمينُ الخاص، الذي لم أكن أتخيَّلُ ذات يومٍ أن تكتشفه الحياةُ القاسيةُ، وتدفعُ بالحربِ لكي تهدمَ مقبرةَ المدينة، وأفقدَ الأماكنَ التي كنتُ أزورها كثيراً، وأجلسُ فيها لكي أستعيدَ الذكريات، وأتبادلَ أحاديثَ أعرفُ تماماً أنها من جانبٍ واحد، لكنها كانت تُسعدني، وكنتُ راضيةً، قريرةَ العين، بلا أحلامٍ أكثر.

ولم تسحبني مباهجُ الحياةِ حولي لكي أحلمَ بأكثرَ من ذلك، ولم تستطع زخارفُ وزينةُ النساءِ المستحدثةُ أن تُغويني؛ فبقيتُ تلك الطفلةَ البريئةَ التي تقافزتْ ذاتَ صباحٍ من ديسمبر/ كانون الأول 1982 فوق قبرِ جدتِها، وهي تعتقدُ أنها سوف تنهضُ لكي تتلقفَها بين ذراعيها. لكن نظرةً دامعةً من عيني الجدِّ جعلتْها تكبرُ قبل الأوان، وتفهمُ أنَّ من يذهبُ لا يعود.

جاءت الحربُ لكي تتآمرَ على أحلامي وتقتلَها، وتلقي بي هنا غريبةً في هذا المكان، لا أفعلُ شيئاً إلا أن أنعى مدينتي الحزينةَ المدمَّرة، وأرسلَ بصري من شُرفةٍ قاهرية، لعلي أرى شجرةَ الرمانِ بأزهارِها الكثيرة وثمرِها القليل.

فاليوم، وللمرةِ الثالثة، أُطفِئُ شمعةً أخرى من عمري بعيداً عن البيتِ والوطن، حيث قتلت الحربُ كلَّ شيءٍ في غزّة، حتى أحلامي الصغيرة، فأصبحتُ، باختصارٍ، مثلَ ريشةٍ مُعلَّقةٍ في الهواء.

سما حسن
سما حسن
كاتبة وصحفية فلسطينية مقيمة في غزة، أصدرت ثلاث مجموعات قصصية، ترجمت قصص لها إلى عدة لغات.