الحرب وإعادة تشكيل العالم

03 ابريل 2026
+ الخط -

أسبوعان أو ثلاثة، شهران أو ثلاثة، مهما طالت المدة، هذه الحرب ستنتهي، لكنها ستخلّف عالماً جديداً لا يشبه ما كان سابقاً. فهناك تاريخ جديد يكتب اليوم يفصل بين ما قبل هذا العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران وما بعده. تاريخ له اعتبارات سياسية واقتصادية واستراتيجية ويؤسّس لولادة نظام عالمي جديد لا تزال ملامح تشكله مبهمة.

متغيراتٌ كثيرة ستتوقف على الكيفية التي ستنتهي بها هذه الحرب، لكن أموراً أخرى بدأت تتضح وتتغير حتى قبل تبيان ما سينتج عن الغارات والصواريخ. المتغيّر الأساس اليوم انهيار التحالف السياسي الأوروبي الأميركي تحت وطأة ضربات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتوجهاته قبل الحرب وخلالها، وهو ما أنتج رفضاً أوروبياً تاماً للانضمام إليه في عدوانه على إيران، أو مساعدته على فتح مضيق هرمز.

هذا الانهيار سيترجم حتماً في تفكيك حلف شمال الأطلسي (ناتو) الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، وكان هدفه الأساس مواجهة المد الشيوعي ممثلاً بالاتحاد السوفييتي، والآن وريثته روسيا. لم يخف ترامب خلال السنوات السابقة تذمّره من هذا الحلف، والتمويل الذي تقدمه الولايات المتحدة له، واليوم لم يعد يتوانى عن التهديد بالانسحاب منه بعدما رفض أعضاؤه مساعدة الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب.

مثل هذا التهديد شكل نداء توعية للدول الأوروبية التي استفاقت على واقع ارتهانها عسكرياً للولايات المتحدة، وبدأت البحث عن بدائل، منها المشروع القديم الجديد لتشكيل "الجيش الأوروبي"، والذي قد يكون بديلاً في مرحلة ما عن حلف شمال الأطلسي.

لن يتوقف الأمر عند الحدود العسكرية، فالمتغيرات العالمية المرتقبة تشمل اعتبارات اقتصادية، بعدما اكتشف العالم مدى تأثير انقطاع إمدادات النفط ومشتقاته على الحياة اليومية بشكل عام، وليس القطاعات الصناعية فقط. وبالفعل، بدأت دول عديدة، خصوصاً في أوروبا، توجهاً للبحث عن بدائل، يتقدّمها توسيع استخدام الطاقة الشمسية، إضافة إلى عودة الحديث عن الاستفادة من الفحم الذي كان محرّك الاقتصاد العامل مطلع القرن الماضي.

هذه التبدّلات التي بدأت وستستمر غير مرتبطة بنتائج الحرب، وما إذا كانت ستخرج بنتيجة حاسمة أو ستنتهي بإعلان الأطراف نصراً من جانب واحد. ومثل هذه النهاية تؤسّس لتحوّل استراتيجي أساسي، وتحمل تداعيات على المدى البعيد على الشرق الأوسط بشكل أساسي. فرغم إعلان الرئيس الأميركي نيته توجيه "ضربات ساحقة" لإيران خلال الفترة المقبلة، من غير المرجّح أن تؤدي مثل هذه الضربات إلى تغيير كبير في واقع الحرب، خصوصاً أنه خلال أكثر من شهر حتى الآن لم تتوقف الغارات الأميركية والإسرائيلية على مناطق واسعة من إيران، من دون أن تؤدي إلى إظهار النظام في إيران نية بالتراجع عن المواجهة، بل على العكس، ازداد تمسّكاً بالمواجهة وأغلق الباب أمام المفاوضات وفق الشروط الأميركية، وقدم شروطاً مضادة غير قابلة للتفاوض.

ومن الواضح أن ترامب لم يكن راغباً في امتداد الحرب إلى هذا الوقت، خصوصاً مع تداعياتها الاقتصادية على الداخل الأميركي، لكنه في الوقت نفسه لم يعد قادراً على الانسحاب منها من دون تحقيق أيٍّ من الأهداف التي كانت موضوعة في بداية العدوان، والتي انهارت وتقلصت اليوم لتقف عند حدود فتح مضيق هرمز، وهو ما ترفضه إيران.

ومن غير المرجّح أن تؤدي الضربات الجديدة (في حال عدم اللجوء إلى أسلحة غير تقليدية) إلى تبدل كبير في مسار الحرب، والتي إذا انتهت على هذا الحال، ستكون حققت أهدافاً مغايرة تماماً لما قامت عليها. فإيران ستثبت أنها صمدت في مواجهة الآلة العسكرية الأميركية، وستصبح القوى الإقليمية العظمى، مع فرض السيطرة كلياً على مضيق هرمز، ما يعني أيضاً إعادة تشكّل جديد لموازين القوى في المنطقة والعالم.

حسام كنفاني
حسام كنفاني
صحافي لبناني، يشغل حاليًا منصب مدير قطاع الإعلام في فضاءات ميديا، له منشورات في عدّة صحف لبنانية وعربية. يعمل في مجال الصحافة منذ أكثر من 25 عامًا، وهو من مؤسّسي موقع وصحيفة "العربي الجديد".