الحياة وشروطها التعجيزية
(رودولف كوسوف)
يعمد كثيرون من مدرِّبي التنمية البشرية وتطوير الذات، ممَّن يتميّزون بطلاقة اللسان والحضور الجذّاب والقدرة على التأثير، إلى الإفراط في تبسيط الأمور في طروحاتهم وتأمّلاتهم وحلولهم المقترحة لمواجهة أزمات الإنسان المعاصر، باعتبارهم خبراء لا يُشقّ لهم غبار في خبايا النفس البشرية: نقاط قوتها ومواطن ضعفها. وغالباً ما يعبّرون خلال تقديم محتواهم عن افتراض السذاجة وقلّة الخبرة، بل والجهل، لدى جمهورهم من المؤمنين بقدراتهم الفذّة، الذين يدفعون مبالغَ طائلة من أجل الحضور والاشتراك في دوراتهم التحفيزية التي تُعقد عادة في قاعات فنادق فارهة لا يقلّ مستواها عن خمسة نجوم، من باب "الغالي حقّه فيه"، لعلّهم ينهلون من علم مدرِّبيهم ويصلون في النهاية إلى مبتغاهم من راحة البال وسكون النفس.
يطلّ هؤلاء المدرِّبون على مريديهم المتلهّفين للقائهم بهيئة برّاقة مثل إطلالات نجوم السينما في المهرجانات. يحرصون على اعتلاء خشبة مسرح مزوّدة بالإضاءة اللازمة والمؤثّرات الصوتية ومتطلّبات الظهور المسرحي الباذخ كافّة الكفيلة بإحداث التأثير النفسي المطلوب. يبيعون، من خلال ألفاظهم المنمّقة المنتقاة بعناية، التي تخاطب نقاط ضعف المتلقّي، ويبرعون في توظيف لغة الجسد المتعوب عليها، يبيعون ببراعة التجّار أوهام تحقّق السعادة والنجاح والثراء والتوازن النفسي، معلّبة معدّة مثل وجبات الميكرويف التلفزيونية المجمّدة التي تحتاج إلى بضع دقائق لتصبح جاهزة للأكل، من دون أن يبذل المستهلك أيَّ جهد ذهني أو جسدي يشغله عن متابعة الفيلم أو المباراة.
يحقّق هؤلاء الخبراء الذين يزعمون قدرات خاصّة لتحسين جودة الحياة وتعزيز الثقة بالنفس وتحقيق الأهداف والطموحات ما من شأنه (بحسب طروحاتهم) تغيير الحياة إلى الأفضل، علماً أن كثيرين منهم مجرّد مدّعين يتقنون مهارات التمثيل. وقد حقّقوا الثراء والشهرة على حساب أشخاص يائسين، ضربهم الاكتئاب والحزن، وأفقدهم القدرة على التخطّي وتجاوز المحن وإعطاء أنفسهم الوقت الكافي، والاتكاء على حقيقة مرور الزمن علاجاً فعّالاً كفيلاً بتحريرهم من عبء اللحظة مهما بلغت صعوبتها، والإمساك بزمام حياتهم من جديد.
ولأن بعضهم قليل الصبر، فإنه يلجأ إلى "علاج" التنمية البشرية وتطوير الذات، الذي يراه كثيرون مجرّد دجل ونصب واحتيال وفائض ثرثرة عديمة الجدوى، حتى لو استخدم روّادها عناوين جذّابة ومصطلحات علمية ونفسية معقّدة عميقة الأثر، ما يجعل تصديقهم والتأثر بهم أمراً مفهوماً.
وبحسب طبيب نفسي أردني بارع لا يكترث بتحقيق أيّ شهرة، لأنه لا يهوّل الأمور، ويميل إلى الاعتدال والحلول الواقعية، معادلة التوازن النفسي المرتجاة بسيطة، وتعتمد على ثلاثة أنماط سلوك وتفكير عليك أن تتوقّف عن القيام بها على الفور إذا أردت تحقيق قدر من السعادة؛ إذا تمكّن الواحد منا من اتباعها في مسيرة حياته، فإنه قد يحظى بدرجة مقبولة من التوازن النفسي والرضا عن الذات. أولها: التوقّف عن الندم على الماضي؛ لأنه لن يعود أبداً، ولا يمكن أن نغيّر تفصيلاً واحداً فيه أو نفعل شيئاً إزاءه. وذلك لا يعني أن ننسى الماضي تماماً، بل علينا تذكّر الأخطاء حتى نتفادى تكرارها، ولكن علينا دائماً تخطي مشاعر الندم العبثية.
وكذلك علينا التوقّف عن القلق حول المستقبل؛ وقد وجد اختصاصيون أن معظم الأشياء التي نخاف ونقلق بسببها بمعدّل يومي لن تحدث، وما يفعله القلق هو تبديد الطاقة، وإضاعة الوقت فقط لا غير. وأخيراً، ينبغي لنا التوقّف عن البحث عن السعادة لدى الآخرين؛ فهم لن يمنحونا السعادة هكذا ببساطة، لأنها مسعى شاقٌ يقتضي بذل الجهد، وتحقيقها يتطلّب تصالحاً مع الذات كي نتمكّن في النهاية من عقد مصالحة حقيقية مع الحياة وشروطها التعجيزية في كثير من الأحيان.