الشرق الأوسط بين عامَيْن

22 ديسمبر 2025

(ضياء العزاوي)

+ الخط -

أيام قلائل وينسدل ستار عام 2025. ومثل كل عام سيبدأ العام الجديد على أكتاف ما تركه المنصرم من تطوّرات، سلبية كانت أم إيجابية. وهو ما يدعو إلى التأمّل في مجريات عام 2025 وأحداثه، لتدبّر دلالاتها واستشراف تداعياتها، وكذلك لاستقراء نقاط التمايز والتشابه مع محصّلات الأعوام السابقة، خاصّةً أن معظم الملفّات المفتوحة ليست وليدةَ العام المُغادر، وإنما بدأت قبله.
في الشرق الأوسط، اندلعت حرب غزّة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 مع "طوفان الأقصى". وبعدها ببضعة أشهر، تزايدتِ المناوشات بين إسرائيل وكلٍّ من إيران وحزب الله. وفي سبتمبر/ أيلول 2024 وقعت عملية البيجر في لبنان، ثم اغتيل حسن نصر الله. ومع سقوط بشّار الأسد قبل نهاية ذلك العام، أصبحت إسرائيل متفرّغةً للتعامل مع إيران، بالتوازي مع غزّة. كما شهد 2025 خطوات واضحة ومباشرة لكسر إرادة إيران وتصفية القضية الفلسطينية. فمن دون التطوّرات السابقة، لما تمكّنت تل أبيب من استهداف إيران بشكل مباشر 12 يوماً، وقصف منشآتها النووية، واغتيال عشرات من قادتها العسكريين.
بذلك يبدأ العام الجديد، وإسرائيل تحاول تعظيم المكاسب التي بدأت بتحقيقها على مدار العام الذي ينتهي بعد أيام. فيما إيران تلملم جرحها وتحاول حصر خسائرها المادّية والمعنوية التي أصيبت بها في الأشهر الماضية. تكاد معركة "الطوفان" في غزّة أن تنتهي من دون نتيجةٍ حاسمةٍ لصالح أيٍّ من الطرفَيْن. ولذا يفضّل نتنياهو استمرار الحرب، ويراوغ ترامب كي يستمرّ في استنزاف الفلسطينيين مادّياً وبشرياً ومعنوياً، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب وأعباء الاستنفار العسكري المتواصل. لكن المكسب السياسي بإطالة عمر حكومة نتنياهو، واستمراره هو في الساحة، يستحقّان المناورة والمخاطرة. لذلك، يتهرّب من أيّ خطوة تفضي إلى وقف العمليات العسكرية نهائياً، لا بتسوية سياسية ولا بالعمليات العسكرية التي تحوّل هدفها من استعادة الأسرى إلى إبادة الفلسطينيين، ودفع من يتبقّى منهم إلى الخروج من غزّة، وملء الفجوات الزمنية في تلك العمليات بتحرّكات أمنية واستيطانية في الضفة الغربية.
في سورية، بدأت تجلّيات سقوط نظام بشّار الأسد تظهر بوضوح. فبعد بوادر التقارب مع الولايات المتحدة، شهدت العلاقات الثنائية نقلةً نوعيةً برفع العقوبات الأميركية عن دمشق، لينتهي العام بخطوة غير مسبوقة بالمطلق، هي اشتراك واشنطن ودمشق في عملية عسكرية استهدفت مواقع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) داخل سورية. وبعد إشارات تقارب مع إسرائيل، المُرجَّح أن يشهد العام الوشيك (2026) تفاهمات علنية، وربّما اتفاق سلام أو صيغة ما تنظّم العلاقة بين دمشق وتل أبيب.
ومع قرب انتهاء عام 2025، تتوالى مؤشّرات متباينة حول احتمالات وقوع مواجهة عسكرية جديدة بين إسرائيل وإيران، ربّما بمشاركة أميركية، على غرار تلك التي وقعت في يونيو/حزيران الماضي، بل إن حالة الخداع الاستراتيجي التي مورست ضدّ طهران قبل معركة الاثني عشر يوماً تكاد تتكرّر حالياً، إذ تمارس واشنطن وتل أبيب مجدّداً لعبة "الطيّب والشرير" لتشتيت طهران وتعجيزها عن أيّ تحرّكٍ مُسبَق. والمُتوقَّع أن يعاد إنتاج الاثني عشر يوماً مرّة أخرى خلال العام الجديد، على أن يتحدّد التوقيت بدقّة وفقاً لحسابات الداخل الإسرائيلي وتوازناته، مقابل قدرة طهران على استهلاك الوقت، وربّما أيضاً استمالة دونالد ترامب، أو بعبارة أدقّ دغدغة نرجسيته.
مقابل اضطلاع إيران وإسرائيل بدور البطولة في ذلك المشهد الإقليمي، تتباين مواقف بعض دول المنطقة وتحرّكاتها بين التحالف مع هذه أو تلك، والتربّص بتلك أو هذه. وربّما تتطوّر تلك التباينات إلى أزماتٍ مكتومةٍ أو توتّراتٍ مفتوحة. وبعد تغيّر الموازين والمعادلات الإقليمية في العام الحالي، سيحمل العام المُقبِل معه الإصدارات الجديدة منها.

58A20E76-8657-4557-85A3-A5682BEB4B9A
سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط. درس العلوم السياسية وعمل في مراكز أبحاث مصرية وعربية. له أبحاث ومقالات عديدة في كتب ودوريات سياسية.