المطلوب في لبنان مقاومة وجيش منزوعا السلاح
جندي لبناني في قرية كفر كلا التي دمّرها جيش الاحتلال جنوب لبنان (8/2/2026 فرانس برس)
ليس سلاح حزب الله وحده المستهدف إسرائيلياً وأميركياً نزعاً وتجريداً، بل يُراد للجيش اللبناني الوطني أيضاً أن يكون منزوع السلاح والقدرات في وجه الكيان الصهيوني، وأسطع برهان مَنْعُ هذا الجيش من امتلاك أيّ سلاح نوعي، حتى الأبسط منه، مثل المقذوفات ضدّ الدروع أو الدفاعات الأرضية ضدّ الطيران الحربي، وأيّ سلاح دفاعي من أيّ فئة أو نوع؛ فما بالنا بالصواريخ والطائرات والأسلحة الهجومية التي يستحيل على هذا الجيش امتلاكها منذ نشوء دولة "إسرائيل" المشؤومة في جواره على أرض فلسطين.
المسموح للجيش الوطني في لبنان أن يلعب دورَ حامي الأمن الداخلي، لا الخارجي أو الحدودي (الجنوبي)، وأن يحفظ السلام الأهلي، إذا أمكنه ذلك، من دون أن يتعرّض للانقسام الطائفي الذي يعكس انقسامات المجتمع طائفياً ومذهبياً، ولولا بعض الحياء لأُوكِلت إليه خدمات مدنية ليست من وظيفته أو من علّة وجوده. فما جدوى وجود جيش وطني كبير العدد والميزانية إذا اقتصر دوره على الشؤون الداخلية ومُنع من التصدّي للاعتداءات الخارجية؟ هل هو جيش عراضات واستعراضات وفرض هيبة محلّية على المواطن، أم جيش دفاع عن الوطن في حالات الاعتداء والاحتلال، وردّ أيّ معتدٍ على أرض الوطن وسيادته؟ يبدو أن الدور المطلوب والمرسوم للجيش اللبناني هو ضبط الساحة الداخلية وعدم الاقتراب من المحظور الإسرائيلي، حتى برصاصة بندقية، فها هي واقعة شجرة العديسة الشهيرة عام 2010 تشهد. وللتذكير، فإن الجيش اللبناني الموجود في قرية العديسة الحدودية تصدّى (3 أغسطس/ آب 2010) لقوة عسكرية إسرائيلية كانت تعمل في قطع أشجار لوضع كاميرات مراقبة ضمن الأراضي اللبنانية، فأطلق عناصر الجيش اللبناني النار على تلك القوة وقُتل قائد كتيبة دبابات إسرائيلي برتبة مقدّم وأصيب جنودٌ آخرون، ما استدعى ردّاً من الجيش الإسرائيلي أسفر عن استشهاد ثلاثة جنود ومدني لبناني واحد. وقامت الدنيا في أميركا والغرب آنذاك ولم تقعد، فكيف "يجرؤ" الجيش اللبناني على إطلاق النار في اتجاه الإسرائيلي المحتلّ؟ أليس في الأمر "وقاحة"؟ وبلغ جنون الأميركيين حدّ التصريح الرسمي بأن بندقية إم - 16 الأميركية التي يحملها الجنود اللبنانيون يُمنع إطلاق رصاصة واحدة منها على جيش العدو المنتهِك للأرض والسيادة. هذا حرفياً ما جرى، وهو موثّق لدى "يونيفيل" ولا مجال لنفيه.
الجيش اللبناني ممنوع من التسلّح، ومن التحرّك على الحدود، برغبة إسرائيلية وأميركية. أمّا المساعدات العسكرية التي تقدّم إليه فهي من نوع "الخردة" كانت مهملة لدى الجهات المانحة، وفي مقدّمها الولايات المتحدة التي تزوّده بسيارات عسكرية وبعض الملّالات والطوافات الزجاجية غير المقاتلة، سهلة الإسقاط، إلى ما هنالك من تقديمات بسيطة مخجلة لا تليق بجيش عصري، ويحضر السفير الأميركي كلّ مرّة حفل التسليم وسط طبلٍ وزمرٍ استعراضيَّين، للإيحاء بأن الولايات المتحدة تدعم الجيش اللبناني بالآليات والعتاد، وهي في الحقيقة (والواقع) تهبه مخلّفات الحرب العالمية الثانية، أو أحدث قليلاً من بقايا حرب فيتنام.
يُطلب من الجيش اللبناني الاصطدام بحزب الله لا نزع سلاحه
يُطلب من الجيش اللبناني اليوم، وبإلحاح مستمرّ، الاصطدام بحزب الله لا نزع سلاحه، إن بالاتفاق أو بالقوة إذا لزم الأمر، وفي ذلك تأسيسٌ لحرب أهلية مؤكّدة وحتمية، فبيئة حزب الله جزءٌ من نسيج البلد الطائفي والمذهبي، وأيُّ صدام مع هذه البيئة يفضي حكماً إلى انقسام الجيش الوطني المكوَّن من توازنات طائفية هي في صلب بنيته الهشّة والدقيقة. والأرجح أن الجهات التي تحرّضه على الصدام تدرك هذا الواقع المعقَّد، لكنّها تصرّ عليه بهدف إشعال حرب أهلية في البلد وتعميم الفوضى وخلق الفراغ الذي يتسلّل منه الكيان الصهيوني إلى الداخل اللبناني.
لو كانت النيّات الأميركية صافيةً حيال لبنان وجيشه، وغير منحازة كلّياً إلى الكيان الاحتلال، لوافقت على تزويد الجيش بسلاح دفاعي في الحدّ الأدنى، ولأظهرت للشعب اللبناني، بكامل أطيافه ومكوّناته، أنها مستعدّة لحماية السيادة اللبنانية والسماح لجيش الوطن بالدفاع عن الأرض والمواطنين والردّ على أيّ اعتداء. فعندئذٍ يطمئن جميع اللبنانيين ويوكلون أمر حمايتهم إلى دولتهم وجيشهم، فلا تبقى هناك حاجة إلى سلاح خارج نطاق القوى الأمنية الرسمية، ولا إلى مقاومات شعبية أو منظّمة من أي نوع أو هُويّة، لكن لا أمل في حدوث تطوّر من هذا النوع بوجود عدوّ مجرم ومتوحّش على الحدود بين جنوب لبنان وشمال فلسطين، حيث الغلبة دائماً لرغبة الصهيوني المدلّل عند الغرب الحاضن.