باباوان... لبنان وبولندا
كان ذلك في عام 1979، حين زار البابا البولندي يوحنّا بولس الثاني بلاده، للمرّة الأولى بصفته البابوية، الرازحة خلف الستار الحديدي بقيادة الاتحاد السوفييتي. نشأت على خلفية تلك الزيارة إرهاصات التحرّر من السوفييت، بدءاً بحراك مرفأ غدانسك، وصولاً إلى بروز حركة تضامن بقيادة ليخ فاونسا. في 1991، زار يوحنّا بولس الثاني بلاده للمرّة الرابعة، وكان ذلك بعد سقوط السوفييت، وتحرّر وارسو من نفوذ موسكو. 12 عاماً حفلت بكثير في بلادٍ اختفت من الخريطة مرّتَين؛ الأولى بين عامَي 1795 و1807، والثانية بين 1939 و1945. في بلاد تبلغ مساحتها 312696 كيلومتراً مربّعاً، كانت 12 عاماً كافيةً لنقل وارسو من موقع إلى آخر، وصولاً إلى تحوّلها قاطرةً اقتصاديةً في الشرق الأوروبي، والجدار الأبرز في الجناح الشرقي ضدّ روسيا، بعد أوكرانيا.
في 1997، زار يوحنّا بولس الثاني لبنان، الذي كان واقعاً بين احتلال سوري بقيادة حافظ الأسد، تحت مسمّى "وصاية"، واحتلال إسرائيلي في جنوب لبنان، وصولاً إلى شمال الليطاني. في حينه، استبشر كثيرون بالبابا البولندي، وبقدرته على المساهمة في تحرير اللبنانيين وتحرّرهم، وذلك على وقع إرشاد رسولي دعا فيه إلى ترسيخ نموذج العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين. كان ذلك في 1997. اليوم في 2025، يعود خلفه البابا الأميركي لاوون الرابع عشر إلى بيروت، التي ازدادت أوضاعها سوءاً، وبات فيها الفساد صانعاً أساسياً لمفاهيم العمل السياسي، والأخلاق المجتمعية والسياسية تدمّرت، كما يظهر في يوميات كل من يزور لبنان. لم تكفِ السنوات الـ28 (بين 1997 و2025)، في إرساء دولة ولا شبهها حتّى، في لبنان، رغم أنه أصغر من بولندا بنحو 30 مرّة، وبمساحة لا تتجاوز 10452 كيلومتراً مربّعاً.
إذا كان من مؤرّخ يريد شرح كيفية تدهور الأوضاع اللبنانية، لن يفهم من أين سيبدأ، لكنّه سيدرك أن كلَّ من يسود في هذا البلد، يسعى إلى خطف كل شيء قبل سقوطه، ومجيء غيره ليقوم بالفعل نفسه. التراجيديا في لبنان أكبر من إمكانية تغييرها بالسبل التقليدية. العبثية أكبر من أن يجري وصفها، بين رئيس جمهورية يعتبر أن السلاح الخفيف "ثقافة لبنانية"، ورئيس مجلس نواب يؤمن بقدرته على انتخاب عمدة لمدينة أميركية. تلك العبثية تجد مكانها في تحالفات نقابية بين الأضداد الحزبيين، والانتخابات البلدية، وآخرها بلدية بيروت في مايو/ أيار الماضي.
في بولندا، آمن البولنديون بقدرتهم على نيل فرصة لبناء بلادهم بعيداً عن تأثيرات حلف وارسو، واختاروا الخيار الغربي والأطلسي. اتفق البولنديون على الاتحاد لبناء بلادهم، كي لا تندثر مرّةً ثالثةً ونهائيةً في التاريخ. وبنظرة سريعة على مواقف القادة البولنديين، منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، وعلى مختلف مشاربهم السياسية، يتخندقون في موقع محدّد في السياسات الخارجية. مع العلم أنهم حالياً في وضعٍ دقيق على خلفية الغزو الروسي أوكرانيا. في لبنان، ورغم صغر مساحته، فإنّ الجديد في زيارة لاوون الرابع عشر، ترتيب أعمال تزفيت طرقات سيمرّ عبرها البابا وإنارتها، وهي أمور من الكماليات في لبنان. يندر أن تجد طريقاً حقيقياً ومضاءً في المناطق اللبنانية. أمّا الطرقات التي لن يعبرها البابا الآتي، فستبقى لألف عام بلا تحسين أو إنارة. من يهتم أصلاً بأرواح الناس؟
الجديد أيضاً أن أيدي الإسرائيليين على الزناد، في انتظار إقلاع طائرة البابا بالعودة إلى الفاتيكان، بعد ظهر الثلاثاء المقبل، لإتمام ما يرونه "مهمّةَ نزع سلاح حزب الله"، على وقع تشديد مستشار المرشد علي خامنئي، علي أكبر ولايتي، على أن "حزب الله أهم للبنانيين من الخبز والماء". أصلاً من يهتم؟ السياسيون اللبنانيون أنفسهم غير مهتمّين، وكأنّ لبنان بات مشابهاً لمصير ماري أنطوانيت في آخر حفلاتها في قصر فرساي قبل السقوط.