باعة الجحيم الذي يأتي غداً

06 ابريل 2026
+ الخط -

أعلن دونالد ترامب انتصاره على إيران أكثر من عشر مرات في ستّة أسابيع، ومع كلّ إعلان يؤكّد سحق إيران إلى الحدّ الذي لم تعد تملك معه شيئاً، لا قوة جوية ولا برّية ولا بحرية، لا صواريخ، لا طائرات، لا شيء على الإطلاق. وبالعدد نفسه من المرّات، توّعد الإيرانيين بالجحيم الذي سيأتي، مرّة بعد 48 ساعة، ثم أخرى بعد مهلة خمسة أيام، ثم عشرة، وأخيراً، يأتي الجحيم غداً، يعلنه فخوراً بأنّه الأكثر تصميماً على ارتكاب جرائم حرب وانتهاك القانون الدولي.
في الولايات المتحدة نفسها، يسخرون من هذيان دونالد ترامب، ذلك الأحمق الذي يخبّئ 20 جحيماً في جيبه، يخرجها كلّما تلقّى صفعةً إيرانيةً تُفقده صوابه، وفي جيبه الآخر يحتفظ ببعض عبارات الغزل المحفوظة أنّ إيران أمّة عظيمة لديها مفاوضون رائعون يتواصل معهم. هذا الخطل دفع كثيرين إلى إعادة التفكير في جدارة هذا الشخص العقلية والأخلاقية لحكم دولة بحجم أميركا، إذ باتت غالبية النُّخب السياسية الأميركية تقرّ بأنّ مهاجمة إيران منذ بدايتها كانت عدواناً يفتقر إلى أيّ أسس قانونية، باستثناء مافيا "الصهيونية الإنكليزية" ووكلائها في المنطقة العربية، على شاكلة ساويرس وآخرين.
في موازاة هذه الحالة من الانسجام مع "اللوثة الترامبية" التي تجد آثارها في بعض ستوديوهات التحليل العربية ومواقع التواصل الاجتماعي، تلك اللوثة التي تجعل أشخاصاً من المفترض أنّهم عرب يرقصون بخلاعة على إيقاعات الجحيم الذي يبشّر به الرئيس الأميركي، بعضهم يستعجله وآخرون ينظرون له باعتبار أنّ سحق إيران انتصار لهم، في اجترار مقزّز لمنتجات الخطاب الصهيوني المعبّر عن أحلامه من هذه الحرب الإجرامية، وهذا موقف مفهوم من طبقة رجال الأعمال التي نبتت في أقذر بيئة سياسية واجتماعية عرفتها المنطقة، في الفترة بين "كامب ديفيد" السادات (1978) و"أوسلو" (1993).
ما هو غير المفهوم حقّاً تلك الهمّة في ترويج جحيم دونالد ترامب، في إطار حملة تبدو مثيرة للريبة في توقيتها وشخوصها، تردّد، بلغة ناعمة ناصحة، ما يقوله أحمق البيت الأبيض بكلّ وقاحة وغطرسة وإجرام، إذ يقول لنا نفر من أولئك الخائفين علينا من صدمة ما بعد الجحيم إنّ نتيجة الحرب محسومة، وإنّ انكسار الصمود الإيراني مسألة وقت، وإنّ إيران مهزومة، ثم ينصحوننا بأن نتوقّف عن التشبّث بأمل اندحار الغرور الأميركي الصهيوني كي لا نندم ونبكي على جراحنا.
باليقين نفسه الذي يروّجه ترامب جحيمه الوشيك، يبيع لنا هؤلاء وصفة التعافي من التعاطف مع مشاريع مقاومة الجبروت الصهيوني، قبل أن يفعل ترامب، بمساعدة الصهيوني، بإيران ما فعل نتنياهو بمساعدة الأميركي في غزّة، وكأنّ الهزيمة وحدها هي قدرنا المحتوم، وكأنّ العجز واليأس هما الأسلم والأفضل لنا، وكأنّه لم تكن في التاريخ ملاحم خالدة لانتصار الحقّ، رغم ضعف قوته المادية، على الباطل المدجّج بكلّ أصناف القوة، كأنّه لم تكن هنالك بورسعيد 1956 أو السويس 1973 أو فيتنام في سبعينيّات القرن الماضي، أو المقاومة اللبنانية في مطلع الألفية.
ثم من قال إنّ الناس ينحازون لمشاريع مقاومة العدوان لأنّ هذه المقاومة مضمونة النجاح؟ من قال إنّ المقاومين ينطلقون من فائض قوة أو شعور بها؟ ومن قال إنّ التفوّق الكاسح للعدو يستلزم أن يطأطئ الضعيف رأسه للرياح؟
أنقل هنا سطوراً من دراسة للمثقّف الفلسطيني الأسير في زنازين العدو ساري عرابي عن فلسفة المقاومة، إذ يذهب إلى أنّ "مقاومة الاحتلال والظلم والغزو هي جوهر وجود الشعوب الحرّة، وليست فقط وسيلةً لكسب المعارك. ليست المقاومة (وسيلةً) لتحقيق غلبة دنيوية في تقويم عاجل فحسب، بل (وظيفةً) لحراسة شرط أخلاقي للوجود؛ لولاها لتمدّد الباطل حتى يطبق على العالم؛ ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. هذه ليست صيغة وعظ، بل توصيف لنظام العالم، فالظلم قابل للرسوخ إن تُرك بلا مدافعة، والحقّ لا يقوم بذاته من دون فاعل بشري ينهض به، ولو لم تعد المدافعة بنتيجة محدّدة. إنّ الامتناع التام عن المدافعة ليس حياداً، بل تسليم للباطل بشرعية الرسوخ. لذلك يصبح القيام بالفعل، حتى حين تُخطئ الحسابات أو تتعقّد النتائج، شرطاً لمنع انغلاق العالم في قبضة واحدة".
يا هذا الذي يخشى علينا من المبالغة في الأمل والحلم: وفّر هواجسك لنفسك، توقّف أنت عن الأمل، أمّا نحن، فكما ترنّمت فيروز بكلمات الأخوين رحباني، نحترف الحزن والانتظار، ننتظر الآتي ولا يأتي.
سنواصل الأمل والحلم، ونتعثّر وننهض ونعافر مع الذي لم يأتِ حتى يأتي. وكما قال محمود درويش في وصف غزّة: "القيمة الوحيدة للإنسان المحتلّ هي مدى مقاومته للاحتلال". وبالقياس ذاته، القيمة الوحيدة للإنسان المعتدى عليه هي مدى ردّه للعدوان.
كنّا نظنّ أنّ تسويق حالة الضعف واحتراف العجز عن فعل أيّ شيء عملية مقصورة على النظام العربي، ليتسنّى له الادعاء بأنّه لا قِبل لأحد بمواجهة الكيان الصهيوني، وبالتالي لا مفرّ من التطبيع معه والتوقّف عن اعتباره احتلالاً، غير أنّ هذه الحرب أظهرت لنا أنّ هناك من بين النُّخب سريعة الانتشار من يحترف هذه المهنة، فيمارس وصاية ممجوجة على آمال الجماهير وأحلامها.

وائل قنديل (العربي الجديد)
وائل قنديل
كاتب صحافي مصري من أسرة "العربي الجديد" عروبي الهوية يؤمن بأنّ فلسطين قضية القضايا وأنّ الربيع العربي كان ولا يزال وسيبقى أروع ما أنجزته شعوب الأمة