تعبٌ يهدّ

24 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 01:56 (توقيت القدس)

(عبد الناصر عامر)

+ الخط -

(إلى ليلى شهيد)
تعبٌ. من النوع الذي يهدّ الروح. الروح جبلٌ عالٍ، وعرُ السبيل، تصعده بزادٍ قليل، من دون نصٍّ أو إرشاد. كلُّ قمّةٍ تظنّ أنك بلغتها، يظهر لك من خلفها رأسٌ مُدبّبٌ مختفٍ بين الغيوم. بردٌ قارسٌ يلسع الجلد، يدغدغ العظام، عواصفُ تقلّب المواجع، حصىً مُسنّنةٌ تخترق الحناجر، وأقدامٌ عاريةٌ مُصفّحةٌ بما مات من الجلد وحُنِّط في الطريق.
مُنهكاً، تغفو وأنت تجمع أحلامك التي مثل حلقاتٍ صدئةٍ تتراكم في القاع. كلُّ حلم، كلُّ فكرةٍ عن العدالة، كلُّ إيمانٍ بأن الحياة يمكن أن تكون منصفة، يتحوّل وزناً من معدنٍ قاتمٍ بلا لمعان. وكلّما اقتربتَ بدا الطريق بلا نهاية، والجبلُ بلا رحمة، والريحُ شراعاً دائخاً يصطفق في كل اتجاه. يرافقك الصمت، فيما تلتهمك الدموع قبل أن تصل الشفاه.
وكلَّ صباح، عليك أن تبدأ من جديد؛ فقد نام تعبُك، ثم استفاق ليخبرك أن الجبل لم يزل هو نفسه، وكذلك القاع، وأنك وعدتَ بامتهان الطريق، وبالسير قدماً مهما كان. وها قد كان ما كان، وأنت وعدتَ، وما من خلاص. النهارُ بائتٌ، والكلامُ رشيقٌ؛ يخرج من مكانٍ ما فيك هاتِفاً، متراقصاً، فقط كي يدفعك إلى الأمام، كي تترافع عن الحقّ، ذاك الذي أرضعوك معانيه صغيراً ولم تذق له بعد ذاك طعماً، منذ سبعة عقود: عن المبادئ التي تنصّ على وجوب احترام الإنسان لأخيه الإنسان. غير أن عدوّك الذي يحيك ويمحو ويشوّه ويغشّ، سيضرب بقدمه السماء، فترعد وتبرق، ثم تمطر سيولاً من وحولٍ ودماء.
نعم، هو عدوُّك الذي لستَ له بعدوّ، وقد قرّر أن تُصبح قتيلَه في لعبة نرد. مرّر إصبعه الغليظة فوق خريطة العالم، ثم أسقطها فوق أرضك أنت. هنا، قال اللئيم، سيكون لنا مستقبل، متناسياً أن من لا يملك جذوراً لا تتّسع له الأرض. أمّا أنت فقلتَ: لا بدّ من عدالةٍ إذاً، وإن كان القاضي أصمّ، والشهود دمىً من قماش؛ لا بدّ من نحت الصخر ولو بملعقةٍ من خشب.
تعرف أنك لست وحيداً، وأن لك رفاقاً وأهلاً يسيرون من جانبهم بأعضاء مبتورة، وأحياناً بلا أعضاء، يسامرون حبيبات الرمل، أو يُحصون النجوم في السماء. تسمع صدى أصواتهم، حفيف خطاهم، ضحك أطفالهم، أنين أرواحهم وقد تاهت بين السحاب. وفيما أنت منذورٌ للمضي فوق خرائط بلا أسماء ولا جهات، تصادف الزمن جالساً على طرف حافّةٍ من حجر، رأسه بين يديه، قدماه من بقايا حممٍ تجمّدت متداخلةً في الصخر، يمدّ لك ذراعيه علّك تعينه على الوقوف. زمنٌ متوقّفٌ كالحٌ، يلوح في صوته وهنٌ، وفي عينه دمعٌ، يوصيك بصوته الخفيض ألّا تلتفت إلى الخلف.
اسمع، عواميدُ الملح من ورائك، وأمامك البحرُ ناقمٌ غضوب. لذا، لا تلتفت، وإلا دخل الملح في فمك، في جرحك، وتحوّل كلُّ شيءٍ من حولك كوابيس لن تلبث أن تخبو، حتى تعود لتشتعل من جديد. لا تلتفت أيها الغريب، وإن سقط في الطريق بعضُك فاتركه، لأن حِملك الذي هو أثقل منك أكبرُ من أن يتحمّله إنسان. سِرْ إلى حيث يقوم ذلك الصمتُ الطينيُّ المديد، ادخل فيه واستلقِ، فقد آن لقلبك أن يهدأ ويستريح. ولا تخف، لأن الطريق نفسه سيخلق أشباحاً يشقّون الصخر، يرصفون الحجارة، وينشدون أغانيهم لكي يستمرّ الطريق. وداعاً أيها الغريب، لقد اكتمل تعبك وارتفع بدراً بهيّاً؛ ضع الراية من يدك، أسند ظهرك إلى الجذع، وأغمض عينيك. لقد اكتمل تعبُك الذي في ظلّه سوف نتفيّأ لسنين، مستعيدين ذكراك.

نجوى بركات
نجوى بركات
كاتبة وروائية لبنانية ومؤسسة محترف "كيف تكتب رواية"