تلك اليد
(مكرم حنين)
"إلى روح الكاتب الراحل محمد أبو الغيط الذي ساقتني روحه إلى تلك الكتابة".
من يد أسامة بن منقذ التي ساقها إلي محمد أبو الغيط في كتابه المؤلم والجميل "أنا قادم أيها الضوء"، ومن خلاله اقتربت بالخيال من يد أسامة بن منقذ التي اصطادت الأسود، وحاولتُ قدر الإمكان بالخيال أن أتأملها بعد ما ضعفت وكبر أسامة بعد ما اقترب من المائة ولم يعد قادراً على أيّ صيد، فتأمّلت يدي: هل اليد هي موضوع تأمّل دائم، خاصّة لمن أدمنوا مرور السنوات مؤلمة على عافية البدن واليد أيضاً؟ فهل على ظاهر اليد وعافيتها نرى ضعفنا ومصيرنا وأيامنا الآتية، إن بقيت لنا فيها بقية؟ وهل نقرأ من خلال اليد أعمارنا أو مرضنا أو صحتنا أو بقية حظوظنا؟
اليد تلك النابضة، التي تعرف كيف تصطاد الأسود كما هو الحال في يد أسامة بن منقذ، أو اكتفت بعد ضعفها بالتسبيح على حبّات المسبحة، أو ملاطفة للنبات مسترخية في ظلال الشجر، أو أوراق المصحف في حالات القراءة، أو الأوراق المالية، أو مواربة فتحات الشبابيك في الشتاء وشدّ الأغطية، أو التعامل بمودّة مع شرائط البرشام في مواعيدها وكأنّها صديقنا العزيز القريب من قلوبنا.
ما رأيت أسامة بن منقذ يصطاد الأسود في الصحراء، ولا رأيت هرقل قابضاً على سيفه، ولا الفرعون يتقدّم الجند فوق عجلته الحربية في سيناء، بل تأمّلت يد مبيض المحارة الخشنة التي يحاول بها من خلال "الأجونت" القديم الممزّق أن يخلط المونة، أو يد الإسكافي وهو بالمخرز يحاول في نعل الجزمة وفمه أن يشدّ الخيط على قطعة الشمع، والمخرز يعبر في الجلد الخشن بعد ضغطة اليد، والعين تبرق بالعافية. ورأيت يد الحدّاد والبلّاط بعد ما ازدادت خشونة، عكس يد موظف الصرافة الناعمة من وراء الزجاج، أو يد الصيدلي، أو يد المحامي وهي تتناول البركة من الزبون من تحت الروب ثم تضعها في الجيب خلسة، أو يد الطبيب الحانية على صدر الطفل، أو يد الطفل نفسه وهي جميلة وترتجف عند ملامسة يد الطبيب، أو أيدي المدرّسين في المدارس الصناعية وهي تزغد بعنف الطلاب الأشقياء على سلالم المدرسة لأنهم تأخّروا في سداد فلوس المجموعات، ويد اللص بالطبع وهي تتصرّف خفيةً في نعومة أفعى، ويد القاتل حينما حانت الفرصة في هدوء شارع بأسيوط؛ رأيته بعينيّ أمام التجنيد، أخذاً للثأر، ثم تفرّ اليد نفسها مسرعة بدراجة كانت مركونة ومعدّة بالقرب من المكان.
يد العاشق دائماً لطيفة، وفيها ذلك الحرير الذي لا يُرى أبداً، ويد مريم وهي تهزّ بجذع النخلة فيتساقط الرطب؛ يد باركها الله، مثل اليد التي تجمع الفواكه وترصّها في حنان في الأقفاص.
أتأمل يدي التي جمعت الريحان من الجبل، وكم تأمّلت هؤلاء الذين لم أرهم هناك وهم يصنعون العطور من ذلك الريحان، أو يدي الصغيرة من نصف قرن التي وزّعت قدحي الشامي في نقر القراريط ولم تنس!َ نقرةً واحدة، وظلّ والدي يتعجّب من ذلك وهو الفلاح العفريت الذي لا ينسى، وكتم ذلك ولم يقله سوى لأخي الفلاح صاحب اليد الصغيرة الناشفة.
أحيانًا تكون اليد التي ترمي القمح هي نفسها التي تسنّ السلاح كما قال الشاعر أمل دنقل، إلا يد الكرم بالطبع أو يد المروءة، غير يد البخيل بالمرّة، وتظلّ يد المدين في حالة الخجل دائماً، إلا من يد الأم.
تسعى اليد دائماً في السوق، وكل يد في أيّ سوق لا بدّ أنّها تسعى إلى الكسب أو زيادة الفلوس، والفلوس دائماً تدخل اليد ثم تخرج منها إلى يد أخرى غريبة عنا، كي نشتري تلك السعادة التي لم نمسكها أبداً باليد، ولكن نتكلّم دائماً عنها.
في أحلامي السعيدة كم مسكت تلك الأسماك البيضاء من البحر، التي كانت كامشةً ما بين الأحجار، وفي الصباح وجدتها وقد عادت إلى البحر ثانية، ولم تنعم يدي في الأحلام سوى بنعومة ملمسها والفرح بالمحصول الذي ملأ جوف مركبي حينما رأيت مركبي مائلاً على جنبه ويخلو من أيّ سمك؛ تلك اليد التي صارت ضعيفةً حتى بانت عروقها الهامدة بعد ما تجاوزت الستّين.
اليد التي أعاد لي تأمّل بركتها عليّ محمّد أبو الغيط ببركة كتابه "أنا قادم أيها الضوء". تلك اليد صاحبة البصمات المحيّرة في أصابعها، التي تحيّر علماء البصمات في متاهاتها؛ فكم أبدع الله في متاهات البصمات، وكم كشفت الأمراض نقاء قلوب أصحابها في لحظاتهم الأخيرة، وكلّ كتابة تحمل بصمةَ أرواح أصحابها، وذلك هو الدرس المحيِّر في فهمها؛ فهل يوماً سيمنح الله تلك اليد كامل عافيتها وأقرأ أسامة بن منقذ، صاحب ذلك الكتاب الضخم الذي ظلّ نائماً في مكتبة مدرسة 15 مايو الصناعية سنواتٍ أمام يدي تلك من دون أن أفتحه؟